شفقنا العراق-سرطان الثدي يزحف بصمت حين يغيب الوعي، ويشتد حين تتأخر الاستجابة. فكل شهرٍ من الإهمال يعني فرصة أقل للنجاة. الحملات التوعوية لا قيمة لها إن لم تتحول إلى فحوص دورية وإجراءات وقائية فعالة.
ماذا يعني شهر تشرين الأول (أكتوبر) للعالم؟ هناك كمٌّ هائل من الحملات والإعلانات والمبادرات الوردية والصور، وحتى المنصات والمواقع الإعلانية. فقد بدأت حكاية الشريط الوردي، هذا اللون الذي لفت الأنظار إلى كمية الأمل والتفاؤل لدى العديد من المصابات بالسرطان أو الناجيات منه، وانطلاق الحملة العالمية للتوعية والدعم لأهمية الفحص المبكر لسرطان الثدي.
ومن الأهمية أن نولي أنفسنا اهتماما ورعاية، وقد تم اختيار الشريط الوردي، ليكون علامة تفرد مرتدياته واحتياجهن للدعم المعنوي، وهو الرمز المعتمد لمحاربته بشكل طبي وتفاؤلي.
فنجد العديد ممن يرتدين هذا اللون طوال الشهر، وهن داعمات للمريضات. وإذا تطرقنا بصورة أعمق إلى سبب تخصيص هذا الشهر للتوعية حول سرطان الثدي، أو سبب تسميته بالشهر الوردي، سنجد أن تلك القصة تمتد جذورها إلى ثلاثةٍ وثلاثين عاماً، من خلال مبادرة وفكرة لرفع الوعي وتطبيقه في العالم كافة.
فنسبة الشفاء من سرطان الثدي في الحالات التي تم اكتشافها مبكرًا تصل إلى 98% وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، علمًا بأن واحدة من بين كل ثماني سيدات تصاب بالمرض، وهي نسبة كبيرة جدًا، والعديد منا يتغافل عن الكشف، ومن المفترض أن يكون الكشف اليدوي من منتصف العشرينيات، وبعد الثلاثينيات تبدأ المرأة بالاهتمام بشكل أكبر.
قصص وحكايات
استمعت لهن وروين حكايات المرض ورحلة الشفاء، مع التحفظ على الأسماء لحماية خصوصيتهن.
في أوائل عامي الأربعين، تحكي (ج / ل): «لاحظت كتلة صغيرة الحجم تجاهلتها في البداية لأشهر، ولم أبالِ بالفحص أو التأكد، لأن الأسرة والضغط اليومي كانا أولوية. وعندما توجهت إلى الطبيب بعد أن أرغموني على ذلك، قالوا لي إنه التهاب بسيط، إلا أن التشخيص الثاني أثبت إصابتي حتى تطور المرض، وتحتم عليّ أن أواكب العلاجات بشكل دوري، رغم القلق والألم والمخاوف من تطوره، وكان لابد من اكتشافه قبل مدة كي لا يتطور».
تجربتها تظهر كيف يؤدي تأخير التشخيص والقلق إلى عواقب سيئة قد تكون قاتلة في بعض الأحيان.
وتبين (ي / ق) كيف أن الوصمة الاجتماعية دفعتها إلى إخفاء المرض عن أفراد أسرتها، وراحت تعاني من سرطان الثدي حتى أفضى بها إلى الإغماء بنوبات متقطعة، فخضعت لعملية استئصال بعد جولات كيميائية، لتستعيد بعد ذلك جزءًا من حالتها النفسية والجسدية، وتسترجع بعض ندمها على تأخير ذلك، فقد يكون شفاؤها مبكرًا أسلم تمامًا.
القصص قد تتحول إلى مساهمات مجتمعية أحيانًا للتوعية بمخاطره، إلا أن التردد والإخفاء قد يعيق مراحل الشفاء. فها هي (ت / ش) الفتاة العشرينية التي سلّطت الضوء على تجربتها مع المرض والعلاج حينما اكتشفته صدفة، وسارعت في أخذ الجرعات بشكل منتظم، ما حال دون استفحاله. فقد علمتها تجربتها أن تحظى بقبول مجتمعي حين راحت تقدم نصائح ومبادرات للتوعية من خلال صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي، لتكون بذلك وجهاً إعلامياً توعوياً.
الخوف والوصمة
بعض النساء يؤجلن الفحص أو يخشين البوح للبيئة الاجتماعية، وهذا بمثابة زيادة محتملة لتضخيم الإصابة، على حد وصف الدكتور حارث العلي من مركز الوارث للأورام السرطانية في كربلاء، الذي بيّن أن الدعم النفسي والتشخيص لا يقلان أهمية عن العلاج والجراحة.
إذ تسجل حالات الإصابة بمرض السرطان ارتفاعاً ملحوظاً في العراق، ومن منطلق نقص المستشفيات والمراكز المتخصصة بعلاج السرطان في البلاد، ارتأت العتبة الحسينية المقدسة تبنّي إنشاء مركز متخصص لمعالجة الأمراض السرطانية، ويعد من أكبر المراكز الطبية المتخصصة في البلاد.
والعديد من أطباء الصحة حددوا العوامل المسببة للمرض ودرجة خطورته حسب تسلسل تأثيرها، ومنها: الجنس، كون المريضة أنثى، وهذا النوع شائع لديهن، وكذلك العمر إذ له تأثير كونه عامل خطورة، فكلما ازدادت المرأة في العمر كانت أكثر عرضة لاحتمالية الإصابة.
ويحدد التاريخ المرضي للأسرة احتمالية الإصابة به بوجود العامل الوراثي، لا سيما القرابة من الدرجة الأولى، ثم تنخفض الاحتمالية مع تباعد صلة القرابة بامرأة من العائلة أصيبت بهذا المرض.
الكشف المبكر
ولعل أهم طريقة وقائية من شر هذا المرض ــ حسب العلي ــ هي الكشف المبكر عنه والمتابعة، فضلًا عن أن هناك أمورًا على المرأة تجنبها لخفض احتمالية الإصابة، وهي: عدم تناول اللحوم بكميات كبيرة، والابتعاد عن فرط تناول حبوب منع الحمل واستبدالها بطرق بديلة، إذ إن تأزم الحالة النفسية له دور في الإصابة بمعظم أنواع السرطان، فضلًا عن أن سوء التغذية له دور موازٍ للوضع النفسي في تأثيره السلبي، وكذلك عدم ممارسة الرياضة، أي خمول النشاط الجسمي، والتلوث البيئي.
ينصح بإجراء الفحص السنوي بعد سن الثلاثين، وطريقة الكشف المبكر مهمة لكل امرأة تمتلك عاملاً، أو أكثر من عوامل الخطورة. وتبدأ عملية الفحص بأن تقف السيدة أمام المرآة، وتلاحظ شكل الثدي، وتبدأ بالضغط حوله باتجاه عقارب الساعة للتأكد من عدم وجود كتلة في محيط الثدي أو تحت الإبط، وملاحظة فيما لو كان هناك تغير في لون الثدي أو الحلمة.
أما المرحلة الثانية فهي فيما لو كان هناك عارض يشير إلى المرض، ثم إجراء السونار الذي يبين وجود كتلة غريبة من عدمها ونوعية الكتلة، ثم فحص الماموغرافي الإشعاعي الذي من الضروري أن تخضع له سنوياً كل امرأة.
ليس مجرد لون
(أكتوبر) يذكرنا بأن سرطان الثدي يمكن مواجهته بالمعرفة والوقاية والإنذار المبكر، بيد أنه تذكير بواجب المجتمعات والدول في توفير العدالة في الرعاية. فالشريط الوردي مهم لأنه يفتتح آفاقاً في الدعم والتوجيه، ويجب أن يقود إلى خدمات أفضل ودعم إنساني حقيقي للمصابات، لا مجرد حملات تسويقية.

