شفقنا العراق-الدفاع المدني يختزل أزمة العراق في مشهد واحد: جهاز رسمي مثقل بالمشاكل، مواطن يستهين بالوقاية، وبنية تحتية متآكلة، ليصبح السؤال: من يتحمل الفشل حين تفقد الأرواح؟
يرتدي حسام بدلته الثقيلة، ويمسح العرق عن جبينه بعد أن محت حرارة النيران شعر وجهه، يحمل الخرطوم كأنه يحمل بلداً بأكمله، ليس لنقل سر الحياة فقط بل ليمنح الخلاص لبشر محاصرين. بخوذة لا تفرق عن خوذة جندي في جبهة القتال يدخل مغارة حمراء مخيفة لينهي مأساة، العدو فيها نار مستعرة تلتهم تباعاً المنازل أو المخازن أو البساتين. ومع كل هذا، يتحسر حسام والدخان يملأ جوفه ويلوم نفسه أنه لم يصل مبكراً إلى مكان الحريق.
طرق الوصول إلى الحرائق
تعاني فرق الدفاع المدني في العراق من أزمة مستمرة تحول دون الوصول إلى موقع الحادث، فحين تهرع إلى الموقع فور تلقي الاتصال عبر نظام الاستجابة في وزارة الداخلية، تبرز معاناة الوصول بأسرع وقت ممكن لإخماد حريق أو إنقاذ غريق.
التحديات عدة يوجزها مدير إعلام مديرية الدفاع المدني نواس صباح بقوله: إن “أبرز التحديات التي تواجه فرق الدفاع المدني هي مزاحمة بعض المواطنين، وكذلك الركن العشوائي للمركبات في الأزقة، وأيضاً تدلي الأسلاك الكهربائية الخاصة بالمولدات، ما يؤخر وصول فرقنا”،
مشيراً إلى أن “عجلات الدفاع المدني كبيرة الحجم وثقيلة الوزن يصعب عليها الدخول وسط الشوارع المتخسفة أو الضيقة، فضلاً عن كثرة المناطق الزراعية التي أضحت سكنية، ولكونها غير خاضعة لتخطيط عمراني حضري فهي تخلو من العناوين المعتمدة مثل المحلة والزقاق ورقم الدار”.
الكودات العالمية
وفي ما يخص الإجراءات التي تتخذها الحكومة العراقية لتحسين سرعة وصول فرق الدفاع المدني إلى مكان الحادث، أكد صباح أن “مشروع 911 وهو أحد المشاريع التي تكون مؤتمتة بالحواسيب ومتطورة جداً، وهو ما يسهل حركة مركبات الدفاع المدني للوصول والتدخل السريع ومعالجة الحالات الطارئة”،
موضحاً أن “فرق الدفاع المدني تتعامل مع الكودات العالمية التي تفرض عليها الوصول خلال 4 إلى 7 دقائق من وقت اتصال المواطن، وليس من وقت اندلاع الحريق، لذا نحن نتحرك بناءً على اتصال المواطن وليس وقت اندلاع الحريق، حيث لا علم للدفاع المدني بما يحدث إلا بواسطة الاتصال بالرقم الوطني 911”.
الزحام أول الأعداء
وبشأن سرعة وصول فرق الدفاع المدني للمناطق الزراعية والريفية، يبيّن مدير إعلام مديرية الدفاع المدني أن “هذه المناطق تتميّز بشوارع أقل ازدحامًا مقارنة بالمدن، ما يقلّل من وقت الوصول، ثم أن طبيعة المنطقة الزراعية تجعل مستوى الخطورة أقل مقارنةً بالمدن التي تحتوي على المباني والمخازن، ما يزيد من خطر الحوادث على المواطنين”.
وعمّا إذا كان هناك سبب آخر لتأخير وصول عجلات فرق الإطفاء إلى الحادث، يبيّن صباح أن “تباطؤ المواطن بالتعامل مع الحادث، متجاهلاً أهمية الاتصال وطلب المساعدة هو أكثر الأسباب شيوعاً لاستمرار اندلاع الحرائق قبل وصول فرقنا إلى موقع الحادث”.
مستدركاً بالقول: “إن إدخال عجلات الاستجابة السريعة للحوادث والحالات الطارئة وهي تستخدم أول مرة لدى الدفاع المدني سيمكننا من مواجهة تحديات البنية التحتية للطرق والشوارع، ولا سيما أنها تمتاز بقدرتها على المناورة الفعّالة والدخول وسط الأزقة الضيقة نظراً لصغر حجمها وسرعتها”.
يختتم صباح حديثه لنا بأن “فرق الدفاع المدني تعمل وفق منظومة وزارة الداخلية في موضوع الاتصال، إذ يكون عبر وزارة الداخلية فقط، ثم عبر نظام الاستجابة لحوادث 911 يمكن لسيطرة الاستجابة فتح الطريق بواسطة دوريات المرور، وغالباً ما ترافق الأجهزة الأمنية فرق الدفاع المدني لحمايتها”.
رفيق الأبطال
يوضح مدير شعبة الإعلام في مديرية المرور العامة العقيد الحقوقي حيدر شاكر محمد أن “وزارة الداخلية ومديرية المرور العامة تعملان على خدمة المواطنين بتقديم الخدمات الأفضل لهم عند وقوع حادث في أي مكان”،
مشيراً إلى أن “فرق الدفاع المدني تهرع إلى المكان المحدد، بينما تقوم جميع مفارز مديرية المرور العامة من طريق علمها المسبّق بهذا الحادث بتوجيه نداء مركزي عبر السيطرة المركزية لتهيئة الأسباب لسرعة وصول فرق الدفاع المدني، كذلك التحكم في حركة السير وتأمين الطرق السالكة لها خلال توجهها إلى مكان الحادث”.
تسهيل مهمة
ويؤكد محمد أن “هناك بعض الزحامات المرورية التي يمكن أن تصادف فرق الدفاع المدني في أثناء توجهها إلى مكان الحادث، لكن رجال المرور منتشرون مسبقاً في كل الشوارع الرئيسة لتنظيم حركة المرور وتسهيل مهمة هذه الفرق”.
ويشير العقيد حيدر إلى أن “التكنولوجيا الحديثة التي يعمل بها رجال المرور، فضلاً عن كاميرات المراقبة الموجودة في السيطرة المركزية، تساعد كذلك في التخفيف من الزحامات المرورية. فعندما يكون هناك حادث في مكان ما، ستكون هناك فرق جوالة من قبل مديرية المرور العامة لفتح الطرق أمام فرق الدفاع المدني للوصول إلى مكان الحادث”.
الوعي سلطان
يبين الباحث الاجتماعي ولي الدين الخفاجي أن “هذه قضية إحدى القضايا المهمة، لا سيما في المناطق المكتظة بالسكان التي تكون مهددة بالحوادث”.
منوهاً بأن “المواطن لا يولي الإسعافات الأولية وآليات الوقاية داخل المنازل أهمية إلا في حالات نادرة، فإذا أحصينا عدد المنازل التي تحتوي على مطفأة حريق فسنجدها قليلة جداً، بالمقابل نجد أن هناك الكثير ممن يستخدم (السندويج بنل) سريع الاشتعال في بناء المنازل”.
يضيف الخفاجي أن “هناك استخفافاً بشأن إجراءات السلامة لدى المواطنين ولا سيما في فصل الصيف الحار، وهذا يفرض على المديرية المساهمة في رفع مستويات الوعي وإلزام المواطنين بإجراءات الوقاية، وكما تفرض إجراءات حماية على الدوائر يجب أن تفرض على المنازل لكون الأخيرة قد تتخذ كمخازن”.
لافتاً إلى أنه “يجب وضع معايير للخزن أو طرق تسليك الأسلاك الكهربائية لتجنّب حدوث الحرائق بسبب التماس الكهربائي”.
كذلك يشير الخفاجي إلى أن “فرق الدفاع المدني تحتاج إلى أدوات تساعد المواطن نفسه على إطفاء الحريق أو إنقاذ المريض وما إلى ذلك من هذه الحالات، ولكن نحن نعرف بأن الوصول إلى بعض الأماكن صعب بالنسبة إلى فرق الإنقاذ بسبب البناء العشوائي والتجمعات، لذلك لا بد من رفع الوعي الاجتماعي في هذا الجانب، ويجب أن يكون هناك تثقيف إعلامي يؤكد أن الدولة ليست ضد المواطن، وإنما تحاول أن تحميه من هذه الممارسات التي تعرقل عمل منظومة وُضعت لحمايته، لكننا نرى أن هناك من ينتقد عملهم بالوقت الذي يجب أن يسندهم”.
في النهاية يخمد الحريق، ويقف البطل حسام على أرض محترقة بوجه مملوء بالسخام، يحمل لعبة قد احترق نصفها، ناظراً إليها معاتباً القدر ومتأسفاً على عدم إنقاذها، وهو يخاطب كل مواطن شريف: “ساعدونا لننقذكم”.

