شفقنا العراق-الأزمة التعليمية حولت الكتاب المدرسي من أداة مجانية للتعليم إلى سلعة نادرة يتداولها التجار في السوق السوداء، ليصبح الطلاب ضحايا فساد إداري مزمن.
تسبب عجز وزارة التربية العراقية عن توفير الكتب المدرسية لجميع الطلاب، رغم اقتراب بدء العام الدراسي، في لجوء الأهالي إلى السوق السوداء لشراء الكتب بأسعار مضاعفة، ما يفاقم معاناة العائلات العراقية، التي انتقدت عدم وضع حلول لهذا الملف المتجدد في كل عام، حيث تشهد الأسواق “غير الرسمية” نشاطاً ملحوظاً في بيع الكتب المدرسية.
ومنذ أقل من شهر، بدأت صفحات التواصل الاجتماعي في البلاد تروج لبيع الكتب المنهجية لجميع المراحل الدراسية بالاعتماد على مطابع خاصة، أو عن طريق الاستنساخ، وأنها تتكفل أيضا بتوصيلها لأي مكان في البلاد، وسط تفاوت في الأسعار.
ويشير أولياء أمور في بغداد والبصرة والموصل إلى أن أسعار الكتب المنهجية وصلت إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف سعرها الرسمي، في حين يؤكد تجار وأصحاب مكتبات أن الإقبال على شرائها يتزايد بشكل يومي مع عدم توفير الوزارة بدائل واضحة.
ثلاثة أضعاف ثمنها
يقول عدنان العتبي، وهو والد لثلاثة طلاب في مراحل دراسية مختلفة، إنه اضطر لشراء الكتب المنهجية لأولاده من السوق السوداء بـ”ثلاثة أضعاف ثمنها، لأن المدارس لا توزع الكتب على الطلاب كما كان سابقا”،
مبيناً أن “ملف المدارس مهمل بشكل كبير منذ سنوات طويلة، ففضلا عن الاكتظاظ والدوام المزدوج والثلاثي بسبب نقص المدارس، فإن وزارة التربية أهملت ملف طباعة الكتب، وقد شابه الفساد منذ سنوات، وأنها بعد أن كانت توزع الكتب والقرطاسية بالمجان، نجدها اليوم لا توزع إلا العدد القليل جدا في مدارس محدودة”.
وأضاف: “نضطر سنوياً الى توفير الكتب لأبنائنا وتحمل التكاليف الباهظة التي تثقل كاهلنا”، مشيرا إلى أن “استمرار إهمال الملف يضع الجهات المسؤولة في دائرة الاتهام وأنها قد تكون مستفيدة من عدم توفير الكتب بالمجان للطلاب، أي أنها قد تكون داعمة وشريكة في السوق السوداء للكتب”.
وكثيراً ما تلقي وزارة التربية العراقية بالمسؤولية على “ضعف التخصيصات المالية” للوزارة، وأنها لا تكفي لتلبية احتياجاتها وتوفير متطلبات الدراسة.
وحسب مدير إحدى المدارس الحكومية في بغداد، فإن “الوزارة لا تعترف صراحة بأنها لا توفر الكتب المدرسية، بل إنها تطلق وعودا بتوفيرها، لكنها تتأخر بذلك لفترات طويلة، وقد توزع بعضا منها على الطلاب وتترك بعضا، وهو ما يضطر الطلاب لشرائها حتى لا تتراكم عليهم المواد الدراسية”.
مسؤولية أولياء الأمور
يبين مدير المدرسة مشترطا عدم ذكر اسمه، أنه “أصبح من الواضح لدينا في إدارات المدارس وأولياء أمور الطلبة أن توفير المناهج الدراسية والقرطاسية باتت جزءا من مسؤولية أولياء الأمور، حيث إننا نباشر التدريس وفق المنهج مع بدايات العام الدراسي، وانعدام كتب لدى أي طالب سيتسبب بتأخره وينعكس على مستواه العلمي، أي أنه يجب أن يحصل على الكتب بأي طريقة كانت”.
وأشار إلى أن “الملف لا حل له، وعلينا أن نعترف بأن الوزارة ليست لديها أي خطط استراتيجية لتوفير الكتب الدراسية في السنوات المقبلة، وأن عقودها مع المطابع هي عقود لا تخلو من الفساد، وهناك عجز واضح بإدارة هذا الملف”.
وتظهر الأزمة هشاشة الإدارة المالية الحكومية للملف، وتفتح الباب أمام “مافيات” الطباعة والتوزيع في السوق السوداء.
ويقول أحمد البدري، وهو بائع كتب في سوق المتنبي، إنه “يعمل سنويا ببيع الكتب المدرسية بشكل مباشر أو عن طريق الترويج الإلكتروني”،
ثم يبين أنه “نشتري الكتب من مطابع أهلية وبطبعات مختلفة، لنعرضها للبيع. الأسعار تختلف حسب جودة الطباعة ونوعية الورق”.
كما تابع بالقول: “نعرض تلك الكتب على صفحاتنا على مواقع التواصل مع الترويج لها لتصل إلى أكبر عدد ممكن، وقد تزايد الطلب أخيرا على الشراء”.
الإخفاق الحكومي
وأضاف: “بصفتنا بائعي كتب لا نتحمل مسؤولية الإخفاق الحكومي بإدارة الملف، الملف شائك ويعمل فيه تجار كبار وأصحاب مطابع ضخمة، أما نحن فنشتري منهم ونبيع للطلاب لنحقق أرباحاً موسمية لنا”.
كذلك أضاف “لا ننكر وجود استغلال بسبب اضطرار الأهالي لشراء الكتب مع بداية العام الدراسي الجديد”.
ويؤكد مختصون أن إهمال إدارة الملف يلقي بظلاله على المستوى التعليمي للطلاب، وأن كثيرا من العائلات الفقيرة وذات الدخل المحدود لا تستطيع شراء الكتب لأبنائها.
وقالت عضو نقابة المعلمين العراقيين وسن البياتي، إن “الأزمة تكشف إخفاقا حكوميا بإدارة الملف وفي التخطيط التربوي، وقد تحول التعليم الى ساحة للفساد والاستغلال”.
وانتقدت “عدم قيام الأطراف الرقابية بأخذ دورها بشأن ذلك. يجب على البرلمان أن يستجوب المسؤولين عن هذا الملف وأن تتم محاسبتهم وفقا للقانون”،
مؤكدة أن “استمرار الأزمة يوسع الفجوة التعليمية بين الطلبة، ويعزز فرص انتشار الكتب المطبوعة بمطابع غير رصينة وغير معتمدة، ما يهدد جودة التعليم،
كذلك شددت على أن “غياب الخطط الحكومية بهذا الملف يضع العائلات العراقية تحت رحمة السوق السوداء، في وقت نحن فيه بأمس الحاجة لإصلاح وتطوير القطاع التعليمي وتوفير الدعم اللازم له”.
الفساد
ويعد الفساد الذي تعانيه معظم مؤسسات الدولة العراقية واحداً من أخطر التحديات التي تواجهها المؤسسة التعليمية في البلد، إذ إن تأثيراته بدأت تتفاقم بشكل مستمر بواسطة النقص الكبير بأعداد المدارس، والاضطرار إلى الدوام المزدوج فيها، وعدم تجهيزها بالمستلزمات الدراسية من كتب ومقاعد وسبورات وغير ذلك، ما اضطر الكثير من الأهالي إلى تحمل أعباء توفير مقاعد وكتب لأبنائهم.
وكانت وزارة التربية العراقية قد حددت الـ21 من سبتمبر/أيلول الحالي موعداً لبدء العام الدراسي الجديد، دون أن تتحدث عن أي توفير لمتطلبات الدراسة والكتب والقرطاسية.

