شفقنا العراق-الخلافات المالية بين الزوجين تؤثر على حياتهم اليومية ومستقبل الأطفال، إذ تظهر ممارسات احتفاظ الزوجة براتبها وعدم المشاركة في النفقات كيف يمكن أن تنعكس هذه الخلافات على التربية والاستقرار الأسري.
تشكل القضايا المالية والمصروفات الأسرية واحداً من أهم الموضوعات التي يناقشها الأزواج في المنزل بشكل يومي، أو نهاية كل شهر تقريباً، وهي أيضاً واحدة من الأسباب الرئيسة لاندلاع الخلافات الزوجية والتداعيات العائلية التي تتفاقم بينهم، ليكون المال سبباً رئيساً ومؤشراً قوياً على الصراعات وانحراف العلاقة نوعاً ما، لتكون أكثر حدة من بقية الخلافات، وقد تتبدل المشاعر وتصبح المعادلة معقدة.
أهداف بعيدة المدى
بعض الزوجات طبّقن رأي الشرع بحذافيره وتركن الزوج الذي تكفّل بمعيشتهن في معاناة دائمة، والصراع على المادة بينهما على أشدّه. وهذه أم سارة تركت زوجها غارقاً في ديون لا يستطيع سدادها دون مساعدتها، وهي صاحبة الراتب ذي الرقم الخيالي، وبدلاً من مساعدته في تسديد سعر المنزل الباهظ الثمن اكتفت بشراء الذهب وتسديد أقساط السيارة الحديثة التي اشترتها في وقت الأزمة المالية، والأدهى من ذلك أن الزوج سجّل نصف المنزل باسمها، ومن هنا بدأت المشكلات تحلّ بينهم وتتوسع إلى مدى بعيد كل حين.
إحدى النساء قالت لي بالحرف الواحد: هذا الراتب من حقي وهو ثمار تعبي ودراستي وجهدي الوظيفي، وليس لزوجي أي حق فيه، والشرع والدين يؤكدان ذلك. غير أن هناك أهدافاً بعيدة المدى في أذهان غيرها من النساء، حيث أكدت أخرى أن الزوجة التي تسلّم راتبها لزوجها مخطئة بحق نفسها، فكل ما تفعله يذهب هباءً منثوراً، حالما يتمكن مادياً فيتمادى ويبحث عن زوجة أخرى، والأجدر بها أن تقوم – وحسب قولها – بـ(نتف ريشه) كي لا يطير وتسرقه أخرى.
الذهب زينة فقط
أم علي، وهي ربة بيت، ما زالت محتفظة بجميع مصوغاتها الذهبية منذ أن تزوجت وحتى الآن، وما زالت تتباهى باحتفاظها بـ(تخم العرس) رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على زواجها، ولم تطبق مقولة “إن الذهب زينة وخزينة”، بل عاشت لسنوات عمرها الطويل على مبدأ أن الذهب زينة فقط، وليس من حق الزوج أن يجبرها بأي وسيلة وتحت أي ذريعة على بيع ما اشتراه لها وقت الرخاء، وحتى لو في بناء منزل الزوجية الفخم الذي بقي قيد الإنشاء لسنوات طويلة دون أن تحرك ساكناً.
الشراكة بين الأزواج قد يخلّ بها أحد الزوجين فيغبن الآخر، وليس كل الأزواج متهمين، بل هناك زوجات متهمات بالأنانية وعدم مد يد المساعدة لأزواجهن مهما كانت ظروفهن المعيشية، وبعض النساء تودع راتبها عند والدتها وتترك الزوج الكاسب يصارع من أجل البقاء.
لم تأبه الأربعينية نور محمد بمعاناة زوجها، وهي التي تسكن في منزل للإيجار، ويعمل زوجها (سائق كيا) يكدّ في عمله ليلاً ونهاراً لتوفير كل مستلزمات الراحة لها ولأطفالها، وقد عمدت إلى إيداع راتبها عند والدتها لتقوم بعد سنوات قصيرة بشراء سيارة وإجراء عملية تجميل والسفر المتكرر.
ماذا يقول الشرع ..؟
سألنا الشيخ حيدر حمزة عن رأيه في هذا الموضوع فقال: الزواج في الإسلام عهد وميثاق بين الزوجين يرتبطان به ارتباطاً وثيقاً مدى الحياة، والعلاقة بينهما يجب أن تكون قائمة على المودة والاحترام والتفاهم، وهو مطلب أساسي في هذا الموضوع. مع ذلك فإن للمرأة ذمّة مالية مستقلة عن الزوج، فراتبها لها وراتب الزوج له، وليس لأحد حق فيما تملكه الزوجة حتى لو كان زوجها، إلا برضاها ورغبتها. ونفقة الزوجة واجبة على الزوج ولو كانت موظفة، ولا يجوز للزوج التصرف في مال زوجته إلا بطيب نفسٍ منها. ومساعدة الزوجة لزوجها مستحبة للوصول إلى برّ الأمان، وكل ما تقدمه لزوجها وبيتها له أجر الصدقة، فيستحب لها تقديم المعونة لنفقات المنزل حتى لو كان راتب الزوج كافياً، فمساعدة الزوجة لزوجها سيكون لها أثر طيب في تحقيق السعادة الأسرية لما بين الزوجين من مودة ورحمة وصلة وثيقة.
علاقات غير صحية
عندما يفكر معظم الناس في العنف الأسري والاضطهاد في العلاقات، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان حينها هو تعرض أحد الطرفين إلى الإساءة اللفظية والاعتداء الجسدي من الطرف الآخر.
هذا ما أفادت به الباحثة سجى عدنان موضحةً أن علم النفس والعلاقات العامة يظهر أن المشكلات المالية بين الزوجين، وعدم الاستقرار المادي أو الوضوح والمشاركة وامتلاك حرية اقتصادية معينة، يحدث في كثير من الأحيان في العلاقات غير الصحية، وهو يمثل شكلاً من أشكال سوء المعاملة. وعلى الزوجين أن يضعا في حساباتهما أن الشراكة الزوجية هي أن يجعلا أسرتهما بعيدة عن المشكلات سواء مادية كانت أو غيرها، والمال ليس كل شيء في العلاقة.
وتردنا إلى المحكمة الشرعية العديد من طلبات التفريق بسبب الحالة الاقتصادية والمعيشة وتداعياتها المتعددة، فالزوجة تحتفظ بمهرها ومصوغاتها ولا تريد التفريط بهما، والزوج يعاني من المصروفات المتزايدة، فيلجأ إلى طلب مساعدته منها، وتحدث الخلافات في حالة الرفض، وغيرها من المشكلات المادية الكثيرة التي يطول سردها، وعلى حد قولها.

