شفقنا العراق-لم يعد مشهد خريج الصيدلة وهو يعمل “ديليفري” أو “مندوب أدوية” أو حتى في ورشة صيانة سيارات، أمراً غريباً في العراق.
لم يستوعب عمار كاظم، الذي كان برفقة صاحبه الذي يدير محلا لبيع الأجهزة الكهربائية، ما أخبره به عامل “الديليفري” من أنه من خريجي دفعة كلية الصيدلة للعام 2023. القصة بدأت عندما دفع كاظم بعد تسلمه وجبة الطعام لعامل “الديليفري” مبلغاً قدره 1000 دينار “إكرامية”.
ولكنه فوجئ باستفسار العامل عن عمل كاظم، لأنه لاحظ وجود ملصق على نافذة سيارته تابع لوزارة الصحة.
يقول كاظم: “عندما أخبرته بأني موظف في مؤسسة تابعة لوزارة الصحة، ابتسم وهو يردد عبارة: أنا خريج صيدلة وأعمل ديليفري لمطعم، دخلي اليومي فيه لا يتجاوز 20 ألف دينار، لأنني لم أحظ بفرصة عمل تناسب تخصصي”.
التساؤل الذي من الممكن أن يفرض نفسه الآن: هل باتت الصيدلة تخصصاً فائضاً عن حاجة السوق؟ وهل زحفت البطالة إلى واحد من أكثر التخصصات الطبية طلباً ورغبة في السنوات الماضية؟
عبّر مؤخراً كل من نقيب أطباء العراق حسنين شبر ونقيب صيادلة العراق حيدر فؤاد الصائغ بتواريخ مختلفة عبر منصة “الفيسبوك” عن قلقهم تجاه مستقبل فرص العمل بالتخصصات الطبية، في ظل تزايد أعداد المقبولين في الكليات الطبية والخريجين منها.
حلم طالما راودني
تطلق النقابات الطبية توصياتها في هذا الأمر منذ أعوام، حيث تقدر نقابة الصيادلة أنه بحلول عام 2025 سيكون هناك 100 ألف صيدلي في جميع أنحاء البلاد، والحال لا يختلف عن بقية التخصصات الطبية.
بالنسبة لطلبة السادس العلمي، جلبت هذه النصائح والتحذيرات حالة من القلق وما يترتب عليه من مشاعر إحباط وخوف. ويرى أسامة عباس، وهو طالب في السادس الإعدادي، أنها “من الأمور المخيفة بالنسبة له”، مستغرباً من اعتبار مثل هذه التحذيرات نصائح للمتقدمين، لأن آثارها المترتبة على الخريجين الجدد من مرحلة السادس العلمي وخيمة.
عباس كان متحمساً كما غيره لدراسة هذه التخصصات، لكن الأخبار والتصريحات تصيبه بالخيبة، “إلا أنني لن أفقد الأمل لأن القرارات في بلادنا تتغير باستمرار”، على حد تعبيره.
لكن نور علي، وهي طالبة ستلتحق بعد العطلة الصيفية بمرحلة السادس العلمي، تقول إنه “من الصعب الالتزام بأية توصيات وتحذيرات تدعونا لتغيير طموحاتنا”، متسائلة: “كيف يمكن لحلم طالما راودني في أن أرتدي الصدرية البيضاء وأدير عيادة طبية صغيرة أن أتخلى عنه بهذه السهولة”؟
تتذكر علي سنوات طفولتها ومراحل دراستها وكيف أنها حددت المسار الذي ستتخذه لاحقاً في حياتها، وكم من المرات التي يسألها فيها كبار السن وحتى الصغار عن المهنة التي تحلم بممارستها عندما تكبر؟
مهنة الطب
وتضيف علي أنه “من الصعب للغاية، أن أترك ما كنت أنتظره لسنوات. لقد أصبح حلمي في ممارسة مهنة الطب جزءاً من هويتي وشكلي الذي سأكون عليه في المستقبل، وأن أعمل بهذه النصائح والتحذيرات، ربما أصاب بالجنون؟”.
ويرفض غالبية الطلبة سواء من خريجي السادس العلمي لهذا العام الدراسي أو ممن يخوضون الآن معترك الدراسة الجامعية الأخذ بتحذيرات ونصائح المسؤولين بهذا الشأن.
من جهتها، تخوض الصيدلانية مروة عادل في العطل تجربة التدريب في واحدة من صيدليات قريبتها، وتقول عادل التي لا تزال طالبة إن “التحذيرات التي تظهر بين الحين والآخر عن عدم القدرة على توظيف الطلبة من خريجي كليات الصيدلة تصيبها بالإحباط، لأن فرص طلاب الصيدلة بدت بالفعل شبه معدومة حتى في حال استكمال الدراسات العليا”.
وتعتقد أنه ربما قد يكون من اللاجدوى أن تترك تخصصها في الصيدلة وإكمال دراستها الجامعية، ولكن بالمقابل هي لا تجد غير إكمال دراستها الجامعية على أمل أن يتغير الحال مستقبلاً.
منتصف الطريق
خلّفت مثل هذه التحذيرات تأثيرات نفسية بدت تظهر بالفعل على العديد من أولياء أمور طلبة التخصصات الطبية، نتيجة الارتفاع الكبير بأعداد خريجي الأعوام السابقة.
ولاحظ الدكتور الأكاديمي نصير جابر، وهو أب لطالب يدرس في كلية الصيدلة، أن مثل هذه التحذيرات أو النصائح تسبب إحباطاً كبيراً على الرغم من أمله في إيجاد الحلول الناجعة، إذ يقول: “لدي ابن لا يزال يدرس وفي منتصف الطريق وفي كلية أهلية، فضلاً عن مكان دراسته البعيد وصعوبة المواد الدراسية، أشعر أن قراراً مثل هذا قد يجعل رغبته في إكمال دراسته تقل أو تتغير”.
ويضيف جابر الذي يتحدث عن تجربته كأب أن “السادس العلمي، صار معضلة كبيرة وحالة خاصة ومرحلة مفصلية جداً ليس في حياة الطالب فقط، بل في حياة أهله، إذ تعيش الأسرة صراعاً مع الوقت والدروس واختيار المدرسين والمدارس الأهلية. حالة إنذار عالية كل ذلك من أجل مجموع عالٍ يؤهل للدخول إلى المجموعة الطبية، فهناك ضغط كبير على الطالب من قِبَل ذويه، ما يولد عنده إصراراً على الدخول لإحدى هذه الكليات، ويجعل هدفه الوحيد هو المعدل، وفيما لو أخفق فسيظل تحت وطأة الإحساس بالفشل والنقص”.
ويتابع جابر، أن “المجموعة الطبية توفر له مكانة اجتماعية عالية، فضلاً عن التعيين والدخل المادي العالي، والحقيقة أن زيادة الإقبال على هذه الكليات وتحسن فرص الدخول لها عن طريق الكليات الأهلية جعلا الأعداد هائلة جداً، فضلاً عن الأعداد الكبيرة التي تدرس خارج البلاد، إذ يجدون هناك كليات طبية تستقبلهم بمعدلات أقل، وطبعاً سوق العمل لا يتسع لهذه الأعداد كلها على الرغم من وجود العديد من المشاريع الخاصة والمستشفيات الأهلية”.
العلاجات الناجعة
ويشير جابر الذي يعمل تدريسياً في مدرسة حكومية، إلى أن الإلحاح على المجموعة الطبية إلى هذه الدرجة سبب خللاً اجتماعياً يجب أن نجد له العلاجات الناجعة، وهذا العلاج على الجميع أن يشترك به، بدءاً بنا نحن أولياء الأمور ومن ثم الوزارات المختصة والجامعات والإعلام، وحتى وسائل التواصل الاجتماعي لما تتمتع به من تأثير. الحياة ليست طباً وصيدلة فقط.. العالم الآن يتجه نحو علوم أخرى ومجالات تنافسية كثيرة بعيدة عن هذا الجانب،
مؤكداً أن “على الشاب أن يفهم أولاً وأخيراً أن الأهمية والمكانة الاجتماعية والنجاح كلها لها علاقة بالسعي الجاد للنجاح وتحقيق الذات في أي مجال”.
طبيب ماهر
وبينما يعد الكثيرون هذه التصريحات مجحفة، كان للمهندس عماد عبد الستار، 53 عاماً، وجهة نظر مغايرة. فعبد الستار الذي اضطر لفترة ما للسفر خارج البلاد لمعالجة زوجته من داء السرطان، يستغرب من إمكانية وجود أزمة تتعلق بتضخم حاصل أو سيحصل نتيجة تزايد أعداد خريجي المهن الطبية والصحية، ويتساءل: كيف يبدو هذا الأمر ونحن ما زلنا لغاية الآن نسافر بشكل مستمر للعلاج في الخارج بحثاً عن طبيب متمرس ويمتلك مهارة؟.
ويقول إن “الغالبية ممن يعانون من أمراض مستعصية أو يرغبون بإجراء تدخلات جراحية يفضلون السفر إلى الخارج للعلاج”.
عبد الستار لا يعمم، مستدركاً أن “هناك استثناءات بالتأكيد، ولكن بالنتيجة هناك تناقض بين أعداد الأطباء من الخريجين وقلة الماهرين منهم”.
ويشير إلى أن تزايد افتتاح الكليات الأهلية التي عادة ما تكون شروط وتعليمات قبولها للطلبة أقل من الكليات والجامعات الحكومية وراء المشكلة.
ويعتقد عبد الستار أن معضلة التخصصات الطبية تتمحور حول وجود الكليات الأهلية. ويسرد عن تجربة، كيف أن ابن شقيقته قد تم قبوله قبل سنوات للدراسة في كلية أهلية وبتخصص طبي على الرغم من الفرق الشاسع بين معدله كطالب كلية أهلية ومعدل قرينه في كلية حكومية.
مندوب أدوية
وقد انتشرت في الأعوام الأخيرة مسألة تجوال الشباب من خريجي الصيدلة في الأماكن التي تضم عدداً من العيادات الطبية لعقد صفقات توفير العقاقير والأدوية للأطباء وفقاً لتعاقدهم مع موردين وتجار لشركات عالمية.
ويؤكد أحمد صادق الذي يعمل بصفة “صيدلي مندوب أدوية” أنه لا يعمل في صيدلية خاصة، وأن عمله يفرض عليه كمندوب أن يكون حلقة وصل بين شركات الأدوية والعملاء من الأطباء لتوريد الأدوية والعلاجات الطبية.
ويضيف أن “ممارسة العمل كمندوب أدوية تحتم وجود مواصفات خاصة تتمثل بالخبرة والاطلاع الكثيف على العقاقير الطبية”، ولا يرى في تحذيرات نقيب الصيادلة أو نصائحه بخصوص الابتعاد عن اختيار إكمال الدراسة الجامعية في تخصص الصيدلة ما يؤثر على عمل مندوبي الأدوية.
متطلبات المرحلة
وعلى الرغم من أن لجنة الصحة والبيئة النيابية قد أوعزت عبر بيان سابق لها في 8/ كانون الثاني 2025 بوقف فتح كليات جديدة في تخصصات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة، إلا أن الكليات الأهلية صاحبة التخصص فضلت الصمت تجاه هذه التوصيات والتحذيرات وبقيت مستمرة في الإعلان عن إمكانية التسجيل والقبول في الفروع والتخصصات المذكورة.
من جهته، يرى الخبير في الإعلام الصحي والكاتب إحسان العسكري أنه من الطبيعي ألا تعير الجامعات الأهلية أي اهتمام لتصريحات تبدي مخاوف وتحذيرات تجاه فروع وتخصصات تحتضنها، لأن هذا الأمر في حال الرد أو عدمه ربما قد يكون له تأثير سلبي في إقبال الطلبة الجدد في التسجيل للدراسة، وبالتالي تناقص أعدادهم، ما يؤثر على الموارد المالية الخاصة بتلك الجامعات.
ويعود العسكري ليؤكد أن “هناك مسألة مهمة تتعلق بالدراسة، فمن حق الطلبة أن يختاروا التوجهات التي تهمهم والتي يجدون من خلالها هويتهم ويحققون أحلامهم، بالتالي فإن وجود كليات وجامعات تحتضن تخصص الصيدلة لا يعني بالضرورة الاهتمام بتحذيرات أو توصيات ضد الدراسة في هذا التخصص تحديداً، لأن العلم من حق كل من لديه القدرة على المواصلة والاجتهاد والنجاح من دون التفكير بنتائج مبنية على وظائف وفرص عمل، والدليل على هذا الأمر أن هناك العديد من التخصصات الدراسية بلا فرص عمل معنية بها”.
دراسة الصيدلة
ويقول الخبير أيضاً، أما عن “مسألة دراسة الصيدلة والمجموعة الطبية وخريجيها فهي بالعموم من المسائل الشائكة والعالقة، التي تضع الجهات المعنية في حيرة من أمرها تجاه هذه المعضلة التي أنتجت جيشاً من حملة الشهادات في هذه التخصصات، وهم في العادة من الطلبة المتفوقين في الدراسة، إذا ما سلطنا الضوء على معدلات القبول في الجامعات الحكومية والمعدلات والتكاليف في الجامعات الأهلية”.
ويتابع العسكري بحكم تجربته في العمل بالمجال الصحي، فإن “التصريحات التي انطلقت تجاه التخصصات الطبية مؤخراً، ما هي إلا استدراك ربما يكون متأخراً لمنع زيادة أعداد خريجي الكليات الطبية، إذ لا مكان في مؤسسات الصحة لأعداد إضافية من الموظفين. فكانت التصريحات بمثابة تحذير من كارثة وقعت بالفعل”.
ويضرب العسكري مثلاً على ممارسة مهنة الصيدلة، قائلاً إن “أي صيدلاني لم يكن حاملاً لعنوانه الحالي ما لم يكن موظفاً بالفعل في مؤسسة حكومية وينطبق عليه قانون التدرج الطبي، وأنه قد أكمل سنة التدرج ومن ثم أحيل لصفة صيدلي ممارس ما يؤهله بحسب القانون لافتتاح صيدليته الخاصة والعمل فيها على وفق الأطر القانونية والسياقات المعمول بها في البلاد”.
ويضيف العسكري: وهنا تبرز مشكلة خريجي الصيدلة من الجامعات الحكومية والأهلية، إذ إن هؤلاء لا يسمح لهم بالعمل، وافتتاح صيدلياتهم ما لم تتوافر لديهم المؤهلات القانونية الكافية بحسب قانون التدرج الطبي، وفي غياب فرصة التوظيف الحكومي.
التخصصات الطبية
ويعتقد العسكري أننا الآن أمام محنة تضاف إلى محن شبابنا وبناتنا، فالمتتبع لحال خريجي التخصصات الطبية سيؤلمه حالهم، فسيد الحظ فيهم من حصل على عملٍ في صيدلية بصفة عامل، ومنهم من يعمل في أماكن لا تمت لمهنته بصلة، وبعضهم يعمل في مجال صيانة السيارات، وكذلك العمل في المطاعم وغيرها من الأعمال التي تؤلم أهاليهم قبل أن تؤلمهم، خاصة الذين تخرجوا من الجامعات الأهلية ذات التكاليف الباهظة، والسؤال المطروح هنا كيف يتسنى لهؤلاء العمل؟
ويرى الخبير أن وضعهم أمام خيارين، أحدهما استيعابهم في مصانع أدوية ومستلزمات طبية ومعامل كيمياء ومستحضرات طبية وصيدلانية، والآخر هو التدريب المجاني في المؤسسات على وفق تعليمات وجداول تؤهلهم لإكمال التدرج الطبي، وبالتالي يمضون في مشاريعهم أو يتم تعديل القوانين لتتلاءم مع متطلبات المرحلة، على الرغم من أن هذا صعب جداً، إذ إن القانون العراقي لا يسمح بالعمل لكل عامل في المؤسسات الصحية الأهلية والخاصة من الملاكات الطبية والصحية ما لم يكن موظّفا مستمراً بالدوام حالياً. وهنا يشكل القانون الذي وضع لمصلحة المريض عائقاً أمام فرصة العيش الكريم.
ويعتقد العسكري أن هناك الكثير من الأمور التي بحاجة لوقفة حقيقية، منها ما يتعلق أيضا بدراسة الصيدلة، وتحديداً تلك التي تتمثل بانعدام الدراسات العليا بهذا التخصص أو ندرتها، لأنه بإمكان من يدرس الماجستير أو الدكتوراه أن يكون مؤهلاً في أن يفتتح عملاً خاصاً به من دون تدرج طبي يذكر، وهو ما يخالف المعمول به في المؤسسات الصحية حالياً.

