شفقنا العراق-محافظة ميسان تشهد تصاعداً غير مسبوق في النزاعات العشائرية، حيث تحوّلت الخلافات اليومية البسيطة إلى معارك مفتوحة تستخدم فيها أسلحة متوسطة وثقيلة، بل حتى طائرات مسيّرة، ما جعل لغة السلاح هي الحاكمة في المجتمع في أبسط الخلافات الاجتماعية،
وفيما حذر خبراء من تفاقم هذه الظاهرة، خصوصا مع اقتراب الانتخابات واستغلال بعض القوى السياسية لهذه البيئة الهشة لتعزيز نفوذها، أكد مسؤولون محليون لجوء ميسان إلى استدعاء قوة من العاصمة لفرض هيبة الدولة، في ظل توصيات بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية المحلية.
ويقول مصدر أمني في محافظة ميسان، إن “لغة السلاح أصبحت هي السائدة في المحافظة، حتى أن أبسط الخلافات اليومية تتحول إلى نزاعات مسلحة، فتجاوز الماشية أرضا زراعية للغير قد يؤدي إلى إطلاق النار، بل إن مشاجرات الأطفال تتطور في بعض الأحيان إلى استخدام السلاح، وسط تشجيع من الكبار للصغار”.
ويضيف المصدر، أن “الثأر ما زال متجذرا في المجتمع، إذ يحتفظ ذوو الضحايا بحقهم في الانتقام حتى بعد سنوات طويلة، وهناك حالة قتل فيها شخص بعد 30 عاما من ارتكاب جريمته وهجرته إلى محافظة أخرى ودفعه الدية، لكنه تمت تصفيته فور عودته إلى ميسان”.
ويتابع أن “الأسلحة متوفرة بشكل واسع، ولا تقتصر على الخفيفة فحسب، بل تشمل المتوسطة والثقيلة مثل الهاونات والطائرات المسيرة، وهو ما جعل النزاعات أكثر خطورة”، لافتا إلى أن “المبادرات التي طرحتها وفود من المرجعية أو شيوخ القبائل لم تلقَ استجابة فعلية على الأرض”.
ضغوط كبيرة
ويشير المصدر إلى أن “رجال الأمن يواجهون ضغوطا كبيرة، كون معظمهم من أبناء العشائر المحلية، ما يدفع بعضهم إلى التقاعس عن أداء واجباتهم الأمنية، كما تعرض ضباط إلى ضغوط مباشرة على عائلاتهم”.
ثم يضيف أن “معدلات القتل في ميسان ارتفعت بشكل ملحوظ، حيث تُسجَّل يوميا حالتا قتل في الأقل”.
ويؤكد أن “الأزمة تتفاقم أكثر مع اقتراب موعد الانتخابات، حيث تتحرك قوى سياسية للتواصل مع شيوخ العشائر لكسب أصواتهم، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد”،
مردفا أن “رئيس مجلس المحافظة صرّح مؤخرا بأن ميسان سقطت أمنيا، وطلب من بغداد إرسال قوات إضافية، لكن رغم وصولها ما تزال الحوادث مستمرة حتى يوم أمس”.
وتندلع النزاعات العشائرية في ميسان بشكل شبه يومي، باستخدام السلاح، ما يثير القلق لدى الأهالي، خصوصا مع صعوبة السيطرة على بعض هذه المعارك من قبل عناصر الأمن، ويوم أمس الأول الاثنين نشب نزاع عشائري عنيف في منطقة الكحلاء جنوب المحافظة، وهو الثاني خلال الأسبوع الحالي الذي بدأ بنزاع آخر اندلع بين عشيرتي “السادة الغوالب” و”الحريشيين” في منطقة الخمس ضمن ناحية السلام جنوب ميسان، على خلفية ثأر عشائري قديم بين الطرفين.
البصمة الحكومية
من جهته، يشير الخبير الأمني عماد علو، إلى أن “المناطق التي تتركز فيها العشائر غالبا ما تكون بعيدة عن البصمة الحكومية، وبعيدة عن تأثير الأجهزة الأمنية، ما يمنح هذه العشائر حرية الحركة، مستندة إلى ما تمتلكه من أسلحة، بحكم التقاليد والطبيعة العشائرية التي تفرض وجود السلاح، وهذا الأمر يوفر مساحة كبيرة أمامها للدخول في نزاعات على الأراضي أو قضايا اجتماعية متعددة مثل الزواج والمشاكل الأسرية”.
ويردف أن “العشائر القريبة من الحدود اتجهت إلى أنشطة غير قانونية، من بينها تهريب المخدرات والنفط والسلاح”.
كما يبين أن “بعض العشائر التي ترتبط بعلاقات مع قوى سياسية وأجهزة أمنية باتت تشعر بقوة أكبر، وتتصرف بما يشبه التغوّل، حتى أصبحت قادرة على مقارعة الأجهزة الأمنية بما تمتلكه من مال وسلاح”.
ويتابع علو، أن “النزاعات العشائرية لم تعد مقتصرة على المناطق النائية والحدودية، بل بدأت تظهر داخل المدن باستخدام أسلحة ثقيلة، وهو مؤشر واضح على وجود تراخٍ وربما تخادم مع الأجهزة الأمنية”،
لافتا إلى أن “قائد الشرطة الاتحادية رشيد فليح صرّح سابقا بأن السلاح الموجود في شمال البصرة يعادل ما تمتلكه فرقتان عسكريتان، وهذا يظهر حجم المشكلة المتفاقمة التي عجزت الحكومات المتعاقبة عن مواجهتها، بل واتخذتها بعض الفصائل المسلحة غطاء لبقائها”.
علاقات عشائرية
وحول قدرة الشرطة المحلية على ضبط الأمن، يؤكد “عدم قدرتها على ذلك بحكم انتمائها إلى المجتمع نفسه، وارتباطها بعلاقات عشائرية، ما يؤدي إلى تسريب المعلومات وتقديم المساعدة والتخادم”.
مطالبا بـ”إعادة النظر في هيكلة الأجهزة الأمنية، وأن تكون عناصرها من خارج البيئة الاجتماعية للمحافظة، مع تزويدهم بأسلحة حديثة ومستويات تدريب متقدمة، ليرتقي استعدادهم القتالي إلى مستوى التحدي الأمني القائم”.
ووجه رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، الأسبوع الماضي، محافظ ميسان وعددا من أعضاء مجلس المحافظة، باتخاذ إجراءات بشأن ضعف أداء الأجهزة الأمنية في المحافظة، وإنهاء النزاعات العشائرية، وشدد خلال استقباله للوفد الميساني على أهمية حفظ الأمن بالمحافظة، وإنهاء الجرائم الجنائية التي تقع بين الحين والآخر”،
مشددا على “محاسبة المقصرين في تأدية واجباتهم، ومراجعة الأداء واتخاذ إجراءات حازمة بحق كل من يحاول العبث بأمن المحافظة، وضرورة أن تأخذ الحكومة المحلية ومجلس المحافظة دورهما في حفظ الأمن والسلم المجتمعي”.
وزار وزير الداخلية عبد الأمير الشمري، محافظة ميسان، في حزيران يونيو الماضي، لعقد اجتماع مع الأجهزة الأمنية كافة، من أجل مناقشة الوضع الأمني واستقرار المحافظة.
المشكلات لا تنتهي
بدوره، يرى رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس محافظة ميسان، قاسم الحلفي، أن “المجتمع العراقي عشائري بطبيعته، وهذه المشاكل لا تنتهي، لكننا وصلنا إلى مرحلة شهدت بعض الحوادث ذات طابع إجرامي، وهو ما استدعى منا كمجلس محافظة لقاء وزير الداخلية ورئيس الوزراء، وطالبنا بتدخل مركزي لفرض الأمن في ميسان”.
ويضيف الحلفي، أن “ذلك لا يعني أن أجهزتنا الأمنية غير قادرة على ضبط الأمن، لكن بعض المواطنين يراها غير فاعلة، كما ينطبق عليها المثل المعروف: مغنية الحي لا تطرب، ولذا بادرنا إلى إقامة حملة إعلامية قبل وصول القوة الاتحادية، واليوم، ومنذ نحو أسبوعين، تراجعت الجرائم، ولم نسجل حوادث كبيرة على الرغم من استمرار بعض التوترات”.
ويبرر المطالبة بقوة عسكرية من مركزية، بالقول: “عندما كانت تقع مشكلة عشائرية، كان يغيب الشعور بهيبة الأجهزة الأمنية، لذلك طلبنا فرض القانون وإعادة سلطة الدولة، ونحن ماضون في هذا المسار حتى نصل إلى بر الأمان”.
لافتا إلى أن “الموضوعية والواقعية لم تكن حاضرة في نقل المعلومة، إذ جرى تسليط الضوء على ميسان، وكأنها خارج سلطة القانون، مع أن النزاعات العشائرية موجودة في محافظات أخرى بنفس المستوى”.
ويصف ما ذكره رئيس مجلس المحافظة حول انهيار أمني، بأنه “مجرد زلة لسان، إذ قصد به التراجع الأمني، وقد عاتبناه على ذلك”، مبينا أن “ما يجري في المحافظة حوادث جنائية، وليست حالة خروج عن سيطرة الدولة”.
كما يشير رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس محافظة ميسان، إلى أن “هناك إجراءات متفقا عليها مع مجلس القضاء الأعلى، تقضي باعتبار أي شيخ عشيرة يرفض حل مشكلته عبر القضاء تهديدا للسلم المجتمعي، وقد يواجه المساءلة القانونية”،
مضيفا أن “اللجوء إلى بغداد جاء بسبب غياب الهيبة الإعلامية للشرطة المحلية، ما استدعى تجديدا في آليات العمل، وإجراءات رادعة منحناها زخما إعلاميا لإثبات حضور الدولة”.

