خاص شفقنا العراق-ليس التشيّع مجرد مذهبٍ متجذّر في تاريخ الإسلام، وإنما نموذج حضاري ومنظومة فكرية وثقافية، يفتح آفاق التحرر من عمق المأساة والألم والمعاناة بفضل ما يتمتع من رموز مثل عاشوراء والأربعين، وكذلك عبر قراءته الخاصة لشهادة الإمام الحسين (ع) وأسر السيّدة زينب (س).
الأربعين؛ روح عاشوراء الإنسانية
ومن بين جميع هذه الشعائر، فإن زيارة الأربعين ربّما تمثّل أسمى صور التفاعل الروحي والإنساني، مجسدة روح عاشوراء في قالبٍ عصريٍّ بآثارٍ مدهشة.
أليس في كل أربعين، نشهد أروع وأوسع تجلّيات الإنسانية على أرض العراق المتألّم؟ أناسٌ من طبقات اجتماعية شتى، بعضهم بالكاد يوفّر قوت يومه، يقدّمون كل ما لديهم لزائري الإمام الحسين (ع).
عشّاق كربلاء، يتدفقون كأنهار مضيئة من كل فجٍّ عميق ومن مختلف القوميّات والأعراق، نحو ضريح سيّد الشهداء (ع). فتتردّد من كل شبر من أرض العراق، أعلى مستويات الكرامة الأخلاقية في ضيافةٍ سماوية.
كما تُروى في مهرجان الصداقة هذا، مشاهد لا يكاد العقل يصدّقها؛ وكأن الملائكة قد دعت البشر إلى مائدتها.
الأربعين حدث شبكي فائق
إن القوة الشبكية ومتعددة الأبعاد للزيارة الأربعينية بوصفها حدثًا فائقًا في تنوع وتعدد المشاركين فيها جنسية، وتركيبة، وطبقيًا، وسلوكيًا، وكذلك من حيث ربطها التقاليد والثقافات في مغناطيسها المهيب، تأسر الأبصار والقلوب، وتُحدث نهضةً واسعة.
فجوهر زيارة الأربعين، وموجاتها المتدفقة من الانبهار بثورة مقدّسة وبقائدٍ تجاوز حدود التاريخ هو الحسين (ع)، قد عمّ البلاد البعيدة والقريبة موحّدًا إيّاها.
وعندما تتكوّن شبكة بهذه الأبعاد، فإنها تخلق تأثيرات تتجاوز الخيال، وتسمح بإعادة تجسيد ذات الرسالة والروح في أي بقعة من العالم، وليس فقط في جغرافيا العراق.
إعادة خلق روح الأربعين حول العالم
وهكذا، ينضمّ الملايين إلى عِقد الزيارة الأربعينية، أما من لم تسعفه الظروف للقدوم إلى أرض العراق المقدسة، فبإمكانه حيثما كان، إحياء روح الأربعين، وما هي إلا تجديد البيعة للحسين (ع)، والعودة إلى القيم التوحيدية، وإحياء الكرامة الإنسانية.
كذلك يمكن أن تصبح الزيارة الأربعينية ترنيمة إنسانية تتجاوز دائرة التشيع، وذلك عبر تجمعات منظمة وراقية وذات مغزى تتناغم مع روح العصر، بعيدًا عن الإسراف والغلو، وباستقلال عن الحكومات والأحزاب، ودعوة وإشراك المذاهب والأديان الأخرى، ومناصرةً المظلومين في غزة الذين يواجهون جيشًا جرّارًا بإمكانات شحيحة، وبإعانة الأيتام والمشرّدين، وإطعام المحتاجين، وبالتبرع بالدم، وزيارة المرضى، وبالمساهمة في إطلاق السجناء المعسرين، والخدمة الاجتماعية، والكتابة والمواقف المتعاطفة مع الألم الإنساني والمملوءة بالروحانية والعقلانية، والموجّهة لأقاصي الغرب والشرق، وبحراك فاعل بواسطة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وبكل ما يجسّد الخير، والتعاطف، والمواساة.
الأربعين رمز ليوم يجب فيه دعوة النخب إلى التفكير، والأغنياء إلى العطاء، وأصحاب السلطة إلى الإنصاف، والساسة إلى الحقيقة، والحكّام إلى إعادة النظر من أجل جعل حُكمهم أكثر إنسانية.
هكذا، يصبح الأربعين ليس مجرّد مناسبة أو مسيرة أو يوم، بل شعيرة لإحياء البشرية.
الأربعين؛ حلقة عاشوراء الثانية وحراكٌ دولي
كما سبق، فإنّ الأربعين يبدو فصل عاشوراء الثاني ومكمّل له، وكذلك فرصة لتعويض ما فات وتدارك الغفلات.
فحتى أولئك الذين يتحفّظون على الجوانب الدينية للأربعين، عليهم أن يُدركوا أن هذه المناسبة حراكٌ اجتماعي ودوليّ من قلب الشرق الأوسط حتى أطراف أوروبا وأمريكا وإفريقيا وجنوب شرق آسيا، ولا ينبغي حصره وتفسيره في أطر ضيقة مثل الجغرافيا أو القومية أو الحزبية؛ فهذه الرؤية من شأنها إساءة الظن لجمهور واسعٍ ارتبط وجدانيًا بهذه المناسبة، وحرمان الذات، ولا سامح الله، مواجهة عبثيّة ومكلفة في وجه تيارٍ أسمى وأعلى من الحركات الاجتماعية في المنطقة، الثابتة أو الموسمية منها.
علمًا إن الأربعين قد حظي باعتراف غالبية مراجع الدين الشيعة، كما أبدى كثير منهم اهتمامًا بالغًا به. وعليه، يجب ألا نعالجه برؤية اختزالية، أو حزبية أو سياسية؛ فالأهم هو الحفاظ على الأبعاد الدلالية لهذه الشعيرة الدينية.
السلوك الديني في عصر الإعلام.. سيف ذو حدين
في عصرٍ تتزايد فيه التساؤلات النقدية المشروعة والشبهات المفتعلة، فإنّ أي فعل أو تصرّف باسم الدين وفي السياق الديني، يحتاج إلى مضاعفة التدبّر والتمحيص.
فالإعلام الحديث، وبفضل سرعته وانتشاره وقدرته على تضخيم الأمور، قادر على تحويل اهتزاز بسيط إلى موجة كبرى، إيجابًا أو سلبًا. وكما أن كرم الأربعين الأسطوري يحمل في طياته إمكانية العولمة، فإنّ أي سلوكٍ أو خطابٍ غير محسوب قد يعاد تكراره أو مشاهدته عدة سنوات مما يخلّف أضرارًا جسيمة.
إن تقانة الإعلام وبسبب سرعتها، ووسعة انتشارها، وقدرتها على تضخيم الأمور، سيفٌ ذو حدّين يحتّم الانتباه للمضامين ويُضاعف من مسؤوليتنا في شكل وكيفية الحضور الديني. ويجب على جميعنا، حيثما كنّا، التفريق بين الفضاءات الدينية المغلقة، كالمنازل والحسينيات، والفضاءات العامة والدولية.
فربّ شعيرة أو سلوك ديني مقبول ضمن دائرة التشيع الداخلية، لا تصلح لتكون شعيرة تمارس في الملأ العام أو لتكون رسالةٍ كونية. وهذه الحصافة والدقة ليست سوى جزء من المسؤولية الكبرى المتمثلة ضمن الحياة الاستراتيجية وإعادة تعريف التشيّع منظومة حضارية.
إعادة تعريف التشيّع نموذجًا حضاريًا للمستقبل
انطلاقًا من هذه الملاحظات والتمهيد، فإنّ التشيّع، إذا أعاد تعريف نفسه لا كأقلية إسلامية، ولا فقط في مسعى لإثبات شرعيته للسنة، بل كنقطة مركزية لتنظيم هذه الشبكة الكبرى من السلوك والعيش الإنساني من أجل الحقيقة في العالم الحديث، فإنه يستطيع أن يُقنع المجتمعات الإسلامية بحقانيته، ويُقدّم، أبعد من ذلك، نموذجًا حضاريًّا لمستقبل أكثر إنسانية.
وإن منحنا أنفسنا فرصة حقيقية للارتكاس، فإنّ الأربعين، بما يحمله من طاقات ورموز استثنائية وعالمية، يمكن أن يكون رمز الحياة الروحية، لا سيما للشباب المتعطشين للحقيقة.
فالمتلقي العالمي حتى إذا لم يكن ذا صلة تاريخية أو دينية بعاشوراء، فإن ما يتجسّد في الأربعين هو حقيقة مشتركة لازمنية يمكن أن تمهّد، لا سيما في زمن انهيار الكثير من المذاهب والإيديولوجيات، إلى عولمة الأخلاق والهوية الشيعية في الأفق الإنساني.
وهذا ليس مجرّد تحليل، وإنما يحمل في طياته، اقتراحٌ للحياة الاستراتيجية ودور عالمي للتشيع بلسان الإنسانية. ألم يكن الحسين، شهيد التحرر ورمز الإنسانية الخالد؟
بقلم الدكتور أبو الفضل فاتح-صحيفة اعتماد

