شفقنا العراق ــ بعد نحو أسبوع من الاشتباكات الدامية في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب سوريا، أتاحت فترة الهدوء الحالية الكشف عن مجازر مروعة ارتكبتها قوات وزارتي الدفاع والداخلية السورية بحق المواطنين المدنيين من أبناء المحافظة، بدافع طائفي.
مجازر السويداء، تأتي بعد نحو أربعة أشهر من مجازر مروعة مماثلة ارتكبتها قوات الإدارة السورية بحق المدنيين العلويين في الساحل السوري، ورغم اعتراف سلطات دمشق بها إلا انها حاولت تمييع القضية والالتفاف على مسؤوليتها القانونية، بتكليف لجنة تحقيق صورية حاولت تبرير جرائم السلطة التي عينتها دون تحديد أسماء المسؤولين عن المجازر.
ويستمر مسلسل القتل الطائفي في سوريا بلا رادع مع غياب القانون وسيادة الإفلات من العقاب، وتجاهل السلطات السورية لمحاسبة حقيقية بحق مرتكبي الجرائم ضد مكونات الشعب السوري، الأمر الذي يشجع على استمرار الجرائم والانتهاكات التي باتت ترتكب بصورة يومية منذ سقوط النظام السابق واستيلاء الإدارة الحالية على الحكم بدعم خارجي.
هدوء حذِر في السويداء
ويسود الهدوء مختلف مناطق التماس في السويداء منذ 21 تموز، مع تسجيل خروقات محدودة منذ التوصل إلى اتفاق يتضمن وقفا لإطلاق النار بضمانة أميركية، ودخوله حيز التنفيذ، ترافقت مع تهديدات بإبقاء سوريا على لائحة الدول الراعية للإرهاب في حال الإخلال ببنود الاتفاق.
وشهدت المحافظة اشتباكات عنيفة ابتداء من 13 تموز الحالي وتواصلت لمدة سبعة أيام بين مسلحين من أبناء الطائفة الدرزية من جهة، وعناصر من وزارتي الدفاع والداخلية وعشائر البدو من جهة أخرى، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، بالإضافة إلى ضحايا من المدنيين، وانتهاكات وعمليات إعدام ميدانية.
حصيلة اشتباكات السويداء
وفي هذا السياق، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان ارتفعت حصيلة القتلى منذ صباح الأحد 13 تموز، نتيجة الاشتباكات وعمليات الإعدام الميداني والقصف الإسرائيلي، إلى 1339 قتيلاً، موزعين على النحو التالي:
-657 من أبناء محافظة السويداء، بينهم 124 مدنيين، منهم 10 أطفال و24 سيدة
-464 من عناصر وزارة الدفاع والأمن العام، بينهم 40 من أبناء العشائر البدوية ومسلح لبناني الجنسية.
-15 من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية قتلوا جراء الغارات الإسرائيلية
-3 أشخاص، بينهم سيدة واثنان مجهولو الهوية، قتلوا جراء قصف الطيران الإسرائيلي مبنى وزارة الدفاع
-إعلامي واحد قتل خلال الاشتباكات في السويداء
-196 شخصا، بينهم 30 امرأة و8 أطفال ورجل مسن، أعدموا ميدانيا برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية.
-3 من أبناء عشائر البدو، بينهم سيدة وطفل، أعدموا ميدانيا على يد المسلحين الدروز.
وأشار المرصد إلى أن هذه الحصيلة غير نهائية نظراً لوجود جثث مجهولة ومفقودين في حين تتواصل عمليات التوثيق والتحقق.
مجزرة المستشفى الوطني في السويداء
ومن المجازر المروعة التي ارتكبتها القوات السورية ــ وفق شهادات ناجين ــ مجزرة المستشفى الوطني في السويداء.
وفي جديد هذه “المذبحة”، روى عدد من الشهود تفاصيل تلك المأساة، التي اتُهمت قوات الحكومة السورية بارتكابها.
تقرير لشبكة “بي بي سي” العربية، وثق بعض الشهادات، حيث زار الصحفي جون دونيسون، المستشفى، ونقل عن العاملين فيها، قولهم إن المرضى قُتلوا داخل أجنحة المستشفى.
قال دونيسون في وصفه لتقريره القصصي: “لقد صدمتني الرائحة الكريهة قبل أن أرى أي شئ (…) في موقف سيارات المستشفى الرئيسي في مدينة السويداء، صُفَّت عشرات الجثث المتحللة في أكياس بلاستيكية بيضاء. بعضها مفتوح، ويكشف عن بقايا منتفخة ومشوهة لأولئك الذين قُتلوا هنا. والممر تحت قدمي دهنيّ وعليه آثار لدماء. في الشمس الملتهبة، الرائحة الكريهة تعمّ المكان”.
“جاؤوا لإحلال السلام فقتلوا عشرات المرضى!”
“لقد كانت مذبحة”، قالها الطبيب وسام مسعود، جرّاح الأعصاب في المستشفى الوطني بالسويداء، مردفا: “جاء الجنود إلى المدينة قائلين إنهم يريدون إحلال السلام، لكنهم قتلوا عشرات المرضى، من الصغار والكبار على حد سواء”.
وبحسب تقرير “بي بي سي”، فإن الجميع في المستشفى من أطباء وممرضات ومتطوعين يقولون نفس الرواية، يقولون إنه في مساء يوم الأربعاء 16 يوليو الجاري، جاءت قوات الحكومة السورية، التي استهدفت الطائفة الدرزية، إلى المستشفى ونفّذت عمليات قتل.
“مجرمون ووحوش”
أسامة ملك، مدرس اللغة الإنجليزية في المدينة، خارج بوابات المستشفى، يقول: “إنهم مجرمون. إنهم وحوش. نحن لا نثق بهم على الإطلاق”.
بينما يتساءل كينيس أبو متعب، أحد المتطوعين في المستشفى، عن الضحايا: “ما هي جريمتهم؟”.
وأضاف أسامة ملك: “لقد أطلقوا النار على رأس طفل معاق يبلغ من العمر ثماني سنوات. بموجب القانون الدولي، يجب حماية المستشفيات، لكنهم هاجمونا حتى في المستشفيات (…) دخلوا المستشفى. وبدأوا في إطلاق النار على الجميع. أطلقوا النار على المرضى في أسِرّتهم وهم نيام”.
مئات القتلى
بحسب “بي بي سي”، لا توجد حتى الآن صورة واضحة عما حدث في المستشفى. ويقدّر البعض عدد الأشخاص الذين قتلوا يوم الأربعاء الماضي، بأكثر من 300 شخص، “لكن لا يمكن التحقق من هذا الرقم بشكل مستقل”.
وقال جون دونيسون في تقريره، إنه قبل أن يغادر المستشفى، وجد هالة الخطيب، البالغة من العمر ثماني سنوات، تجلس على مقعد مع خالتها.
“وجه هالة كان ملطخا بالدماء ومضمدا، ويبدو أنها فقدت إحدى عينيها، وتخبرنا أن مسلحين أطلقوا النار على رأسها عندما كانت مختبئة في خزانة داخل منزلها. هالة لا تعرف حتى الآن أن والديها لقيا حتفهما”.
وأكد التقرير، أن “المدينة في الواقع محاصرة، حيث تفرض قوات الحكومة السورية قيودا على من يسمح لهم بالدخول والخروج منها (…) عندما دخلنا المدينة، مررنا بالمتاجر والمباني المحترقة، والسيارات التي دمرتها الدبابات، وهو ما يدلل على وجود معركة شرسة شهدتها السويداء”.
مجزرة مضافة آل بدر
في السياق، حصل المرصد السوري لحقوق الإنسان على شريط مصوّر من داخل مضافة آل بدر، يُظهر جثث 8 مدنيين بوضوح، بينهم رجل سبعيني وآخر ثمانيني.
وتعرض الجميع لعملية إعدام ميداني برصاص عناصر من وزارتي الداخلية والدفاع في مدينة السويداء، وتحديدًا بالقرب من ساحة سمارة، وذلك يوم الأربعاء الموافق 16 تموز، أي قبل انسحاب القوات الحكومية السورية من المدينة.
عمليات إعدام جماعية
وفي سياق متصل، ومن خلال شهادات أهلية مدعومة بأشرطة مصورة، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان وقوع ثلاث عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين في ريف السويداء الشرقي، بتاريخ 17 تموز على طريق سهوة البلاطة بالقرب من مفرق طريبة، إذ تمثلت العملية الأولى في إعدام ميداني لخمسة مدنيين، بينهم سيدتان، داخل سيارة كانوا يستقلونها.
بينما وُثقت عملية ثانية تُظهر إعدام أربعة مدنيين، بينهم سيدتان أيضًا، بالطريقة نفسها وفي الموقع ذاته بالإضافة إلى إعدام أربعة مدنيين آخرين، في المنطقة ذاتها وعلى نفس الطريق.
وطالب المرصد السوري بتشكيل لجنة تقصي أممية مستقلة، للتحقيق في الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في السويداء، ومحاسبة جميع القتلة المتورطين فيها فيها، أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
المصدر: بي بي سي+المرصد السوري لحقوق الإنسان

