شفقنا العراق-يتصاعد عبء الثلاسيميا في العراق مع استمرار معاناة آلاف المرضى من نقص الرعاية الصحية، وشح إمدادات الدم، وارتفاع كلف العلاج.
يواجه مرضى الثلاسيميا في العراق تحديات كبيرة، بسبب نقص الرعاية الصحية المناسبة في المستشفيات الحكومية، وقلة الإمدادات اللازمة لنقل الدم الدوري الذي يحتاجونه شهرياً، لتعويض عجز أجسامهم عن إنتاج كريات الدم الحمراء، ما يتطلب حلولا عاجلة مثل تحسين البنية التحتية الطبية، وزيادة التبرع بالدم، وتوفير المزيد من الأدوية، ونشر الوعي وحملات التثقيف بشأن المرض وخطورته.
معركةٌ يوميَّة
مصطفى رحيم، شاب في العشرينيات يعاني من الثلاسيميا، ليواجه معركة يومية مع المرض، فجسده يقاوم باستمرار، لكن روحه تتحمل عبئاً نفسياً وعاطفياً أثقل من المرض نفسه.
كما لفت إلى أنه يحلم بحياة طبيعية ونسيان المرض ولو للحظة، فهو يحتاج إلى نقل دم بشكل دائم.
واشتكى جاسم كريم، والد أحد المصابين من غياب الرعاية المناسبة، ووجود عجز في تغطية الاحتياجات الأساسية، كالعلاج والإهمال لمرضى الثلاسيميا.
وطالب بضرورة توفير كميات كافية من الأدوية، وإنشاء المزيد من مصارف الدم، وهي حاجة ملحة لتحسين الخدمات الصحية لهذه الفئة.
أم غيث، والدة طفلة مصابة بالثلاسيميا، أشارت إلى ان الكثير من الصعوبات التي تواجهها خلال العلاج الدوري لابنتها، منها رحلة العلاج الشاقة المرتبطة بالمسافات الطويلة للوصول إلى مراكز العلاج، أو نقص الموارد في المستشفيات.
مؤكدة “كذلك نقص المتبرعين، مما يؤثر في توفر الدم اللازم لنقله بشكل دوري، وهو جزء أساسي من علاج الثلاسيميا”.
اضطراب وراثي
الثلاسيميا هو اضطراب وراثي يؤثر في إنتاج الهيموغلوبين (خضاب الدم) في خلايا الدم الحمراء، بحسب المختصة بأمراض الدم السريري للبالغين الدكتورة مروة عادل المشهداني، التي بينت :”هناك نوعان رئيسان للمرض، وهما الثلاسيميا الصغرىMinor) )، وهو ما يعرف أيضا بحامل الصفة، إذ لا يسبب أعراضًا واضحة، وقد لا يكتشف إلا بالصدفة عبر فحوصات الدم، ويعدّ حامله ناقلاً للجين المسبب للمرض، دون أن تظهر عليه علامات المرض”.
وأضافت “أما الثلاسيميا الكبرى ) Major) تظهر لدى الأطفال منذ الأشهر الأولى للحياة، ويتطلب نقل دم منتظم كل 2– 4 أسابيع مدى الحياة، بالإضافة إلى استخدام أدوية، لإزالة الحديد الزائد من الجسم”.
خطورة الداء
وعن خطورة المرض لفتت المشهداني إلى أنها تكمن في الاعتماد الدائم على نقل الدم، مما يرهق المريض وعائلته نفسياً وجسدياً، وتراكم الحديد في أعضاء الجسم الحيوية، كالقلب والكبد والغدد الصماء، ما قد يؤدي إلى قصور في القلب وتليف الكبد، والإصابة بالسكري المبكر، وتأخر البلوغ والعقم، كذلك تشوهات في العظام، بسبب فرط نشاط نخاع العظم لتعويض نقص الدم، وتكرار الدخول للمستشفى، والتأثير الكبير على جودة الحياة والتعليم والعمل، إضافة إلى تكاليف العلاج المرتفعة، وقد تتجاوز قدرات الكثير من الأسر، مما يرهق ميزانيتهم خاصة للأسرة ذات الدخل المحدود.
تهديدٌ للصحة العامة
المشهداني مؤكدة “رغم التقدم الطبي والتقني، لا يزال مرض الثلاسيميا يشكّل تهديداً حقيقياً للصحة العامة، خاصة في منطقتنا العربية وبشكل خاص في بلدنا العراق، إذ تنتشر الطفرات الجينية المسببة له بنسبة عالية، إلا أن هذا المرض يمكن الوقاية منه تماماً، لو تم اتخاذ خطوة واحدة في الوقت المناسب، وهي الفحص ما قبل الزواج”.
وشددت المشهداني على ضرورة الفحص قبل الزواج، فهو حجر الأساس للوقاية من المرض، إذ يكشف إن كان الطرفان حاملين للجين، وإذا ثبت ذلك، تقدم لهما استشارة وراثية لشرح المخاطر والخيارات.
احصائيّاتٌ رسميَّة
كشفت وزارة الصحة عن أحدث الإحصائيات الرسمية لمرض الثلاسيميا في العراق، حيث بلغت أكثر من (25000) إصابة وتكلفة علاجها بمجملها تتراوح بين (50 – 60 )، مليون دولار سنوياً، كونها تحتاج إلى أنواع خاصة من أكياس الدم والفحوصات، وربما إلى عمليات جراحية دقيقة.
عوامل اجتماعيَّة
إن الزواج من الأقارب أحد العوامل الاجتماعية التي تسهم في تفاقم مرض الثلاسيميا، خاصة في المجتمعات التي تنتشر فيها تلك العادات، وبين الباحث في الشأن الاجتماعي الدكتور عبد الكريم خليفة :”أن زواج الأقارب يزيد من احتمالية انتقال الجينات المسببة للثلاسيميا، إذ يكون كلا الوالدين حاملين للجين المعيب دون ظهور أعراض عليهما، وهذا أمر شائع في المجتمعات التي تفضل الزواج داخل الأسرة أو القبيلة، مما يرفع نسبة إصابة الأطفال بالثلاسيميا الكبرى”.
زواج القاصرات
مضيفاً “كما أن زواج القاصرات والزواج المبكر، خاصة للفتيات دون سن النضج الكامل، قد يؤدي إلى نقص الوعي الصحي والتعليمي حول الأمراض الوراثية، فالقاصرات غالباً لا يخضعن لفحوصات ما قبل الزواج، مما يزيد من مخاطر إنجاب أطفال مصابين”.
وأشار خليفة إلى أن الزواج خارج المحكمة أيضاً يفاقم من ظهور المرض، إذ إن هذه الزيجات معظمها تحدث خارج الإجراءات الرسمية، بما في ذلك الفحوصات الطبية الإلزامية، وهذا يؤدي إلى تجاهل فحص الثلاسيميا، مما يزيد من احتمالية انتقال المرض للأجيال القادمة.
وأقترح خليفة بفرض فحوصات ما قبل الزواج، للحد من المرض، وتعزيز التوعية الصحية حول مخاطر الثلاسيميا، وتثقيف الفتيات والشباب حول الأمراض الوراثية قبل الزواج، وتشجيع التسجيل الرسمي للزواج، لضمان الخضوع للفحوصات الطبية، وتلك العوامل الاجتماعية مترابطة، وتتطلب تدخلات شاملة للحد من انتشار الثلاسيميا.
مبادراتٌ خيريَّة
يلعب العمل التطوعي دوراً حيوياً في الحد من المرض والتبرع بالدم وفقاً للناشط في إحدى منظمات الإغاثة سيف عبد الجبار، وأكد :” نقوم بتنظيم حملات خيرية للتبرع بالدم لصالح مرضى الثلاسيميا، وهذه المبادرات التي تعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال روابط مخصصة، تهدف إلى استقطاب أعداد أكبر من المتبرعين بشكل دوري، لإنقاذ حياة المرضى وتخفيف معاناتهم، من خلال توفير الدم اللازم.
وشدد عبد الجبار على أهمية تلك الحملات، التي تعكس التزاماً إنسانياً، بتعزيز التضامن المجتمعي ودعم الفئات المحتاجة، وتتماشى مع مبادرات عالمية مثل اليوم العالمي للمتبرعين بالدم، كذلك ضرورة التوعية الصحية والتثقيف حول الأمراض والكشف المبكر عنها، والقيام بالتطعيمات والفحوصات، مما يحد من انتشارها.
الاهتمام البرلماني
عضو لجنة الصحة النيابية النائب باسم خضير الغرابي قال : انطلاقاً من مسؤوليتنا التمثيلية ومتابعتنا الحثيثة لمناشدات المواطنين، اكدنا لوزارة الصحة بخطورة مرض الثلاسيميا الذي يمثل تحدياً صحياً واجتماعياً كبيراً في العراق، حيث تتجاوز الحالات المسجلة (27000) حالة، ويعاني المصابون من تكاليف علاج باهظة ومضاعفات تؤثر بشكل مباشر على متوسط العمر”.
وأكد “وفي إطار سعينا لإيجاد حلول جذرية، نشيد بالجهود المبذولة، لا سيما من قبل هيئة الصحة والتعليم الطبي في العتبة الحسينية المقدسة، التي بادرت بإجراء عمليات زرع النخاع كحل علاجي جذري وتبنت تكاليفه الباهظة للأطفال”.
زراعة النخاع
ونوه الغرابي بأننا “تابعنا هذا الملف مع الوزارة، والتي أجابت تأكيدها بدراسة الموضوع من قبل اللجنة الاستشارية لأمراض الدم الوراثية، ودعم برنامج الفحص المبكر للمقبلين على الزواج، وتأييد إجراء عمليات زراعة نخاع العظم للمرضى”.
وشدد الغرابي في ختام حديثه على أن هذه الخطوات مهمة ونشدد على ضرورة تضافر الجهود لتضمين المبالغ اللازمة في الموازنة لدعم علاج هؤلاء المرضى، والاستمرار في المتابعة، لضمان توفير أفضل سبل الرعاية، والحفاظ على أرواح أبنائنا وبناتنا المصابين بالثلاسيميا.

