شفقنا العراق-قال خبير في تاريخ الإسلام والتشيّع إن الإمام الرضا (عليه السلام) كان في أصعب وأطول المناظرات والحوارات، يتحاور مع خصمه ويجيب على أسئلته بالمنطق والاستدلال، من دون أن يقع في شراك أي استدلال باطل أو غير أخلاقي.
وأشار حجة الإسلام جعفري فراهاني في حوار مع شفقنا إلى دور الحوار في القرآن الكريم، وأضاف: لقد ورد في القرآن الكريم الحديث عن “الجدال”، كما استخدم أمر “قل” في العديد من الآيات، أي طلب من النبي (ص) أن يتحاور مع الناس ويبين لهم الحقائق الدينية، كما أمر النبي (ص) في مواجهة المخالفين بـ “الاحتجاج” و”الجدال الأحسن”.
وأكد أن سيرة وحياة النبي الأكرم (ص) وأهل البيت (عليهم السلام) علمتنا شروط الحوار، ويجب أن ننظر إليها بوصفها “نمطاً للحوار والمحادثة”. واليوم، تطرح مساحة كبرى لأنماط الحياة في مختلف مجالات وساحات مجتمعنا، وما كان يطرح في الغرب باسم “نمط الحياة”، قد أصبح اليوم رائجاً بين بعض الأكاديميين وطلبة العلوم الدينية، خصوصاً في موضوعات مثل الأسرة، والإدارة، والمجتمع، والمعيشة، والسياسة، والحكم، وغيرها.
ثم بين إن الحوار يحتل مكانة خاصة في منطق ورؤية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)،
السيرة العملية للإمام الرضا
وأضاف إن المبادئ والأسس التي طرحت في السيرة العملية للإمام الرضا (عليه السلام) في حوار الأديان والمذاهب، تتضمن العدالة، والكرامة الإنسانية، وحرية الفكر والعقيدة، ونفي التعصب والعنصرية، ومراعاة المبادئ الأخلاقية في المناظرة والحوار مع الآخرين. فالإمام الرضا (عليه السلام) كان في أصعب وأطول المناظرات والحوارات، يتحاور مع خصمه ويجيب على أسئلته باستخدام المنطق والاستدلال من دون أن يقع في شراك أي استدلال باطل أو غير أخلاقي.
وأوضح رئيس قسم الدراسات الأساسية في المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)، إن الإمام الرضا (عليه السلام) كان يولي أهمية للحوار والكلام مع مختلف الأشخاص، وقد بيّن معايير لذلك، فالحوار يجب أن يكون بعلم ووعي، وبحلم وصبر، وبمداراة ومحبة. فالحوار من دون محبة لا يفضي إلى نتيجة.
كما أشار إلى أن زمن الإمام الرضا (عليه السلام) كان له خصوصيات ومشكلات خاصة به.
ثم أكد بالقول: “كان الحكام أمثال هارون، والأمين، والمأمون، أناسًا قساة وعنيفين، وكانوا يسيئون استخدام مواقعهم وسلطاتهم. في مثل هذا الجو، يكون الحوار أمراً صعباً جداً، ولا يستطيع أيّ كان الاضطلاع به. لذا فإن شخصية كالإمام الرضا (عليه السلام) بما لديه من علم وصبر وحلم وتحكم بالمبادئ الدينية، كان قادراً على الحوار. ومع كل ذلك، لم يكن الحكام العباسيون يحتملونه، لا سيما أن الإمام، بعلمه ووعيه، كان يبيّن القضايا التاريخية والفقهية والسياسية والاجتماعية، ويصف الأوضاع السائدة، ويدعو الناس إلى طاعة الحكام العادلين وتحقيق العدالة في المجتمع”.
علماء البلاط
وأكد جعفري فراهاني أن الحوار في زمن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كان صعبًا للغاية، وقال: إذا أراد الإمام (عليه السلام) أن يتحاور مع زعماء المذاهب والأديان والعلماء، فكان ذلك صعبًا جدًا، لأن معظم علماء ذلك الزمان كانوا من علماء البلاط، ولم يكونوا يمتلكون الاستعداد للحوار، وإذا حضروا عند الإمام وسائر الأئمة (عليهم السلام) فكان ذلك بقصد الترويج لأنفسهم، ونقل تقارير كاذبة إلى الحكام.
وتابع: “في العصر الحاضر، وبالنظر إلى التقدّم الكبير، خاصة في مجال الفضاء الافتراضي، فقد فتح مجال واسع للحوار، وإن نجاحنا نحن المسلمين والشيعة في استخدام هذه الوسائل السمعية والبصرية والإنترنت صعب جداً. في هذا الحوار، مع الحفاظ على الجوانب العامة المذكورة، يجب أن يتحاور الأشخاص المتخصصون وذوو العلم والوعي بالمبادئ الدينية وبمنطق قوي”.
الجدال الأحسن
وقال جعفري فراهاني، إن “الحوارات بين الأديان تجرى منذ سنوات في إيران وبلدان أخرى، وقد عقدت حتى الآن العديد من الجلسات بين قادة وعلماء الشيعة وقادة الطوائف والمذاهب والأديان الأخرى. وما يهم في هذه الحوارات هو وجود معرفة كافية بالأديان الأخرى”.
وأضاف: لا ينبغي في الحوارات بين الأديان أن يكون هناك “دوغمائية”؛ أي لا ينبغي لعالم مسلم بعد عرض رأيه أن يتوقع من الطرف المقابل أن يخضع له مباشرة ويقبل كلامه. فالمقصود من “الجدال الأحسن” هو أن نعرض آراءنا وأقوالنا ونعطي الطرف المقابل فرصة للتفكير والتأمل في كلامنا، وربما يخضع لكلامنا في مرحلة ما.
منطلق المحبة والمداراة
وأكد: يجب أن نتحاور من منطلق المحبة والمداراة، وأن نعلّم الذين يريدون الدخول في هذا المجال (الجدال والحوار) أسلوب الحوار والمداراة، وأن نشجّعهم على الحوار برأفة ولطف، لا بالعنف والغضب والشتائم، فإن ذلك مدمر ومؤذٍ للغاية.
وأشار خبير تاريخ الإسلام والتشيع إلى أن النبي الأكرم (ص) كتب في أواخر عمره الشريف رسائل إلى زعماء الدول الكبرى في ذلك الوقت (إيران، ومصر، والحبشة)، وعندما رأى ملك الحبشة السلوك السلمي والمملوء بالرحمة للمسلمين، أدرك أحقيتهم وامتنع عن إعادتهم إلى الكفار. وهذه أنموذجات من الحوارات البنّاءة في تاريخ الإسلام التي يمكننا التعلم منها.
وأوضح: للأسف، فإن الجيل الحالي يعاني من ضعف ينبغي للمجتمع أن يعالجه. من ذلك أنه قد لوحظ في المدارس والجامعات أن الكثير من التلاميذ والطلاب لا يأخذون فترة التعليم بجدية لأسباب متعددة، ومعارفهم الدينية ضعيفة جدًا، ويتضح هذا الضعف أكثر في المراحل العليا.
وأكد جعفري فراهاني أن هذا الضعف يمكن أن يكون من جانب الأستاذ كما من جانب الطالب، وقال: يجب قدر الإمكان إزالة هذه الأضرار حتى تتابع المقررات التعليمية في المرحلتين المدرسية والجامعية من دون نقص أو خلل.
الفضاء الافتراضي
وأشار إلى أضرار الفضاء الافتراضي، وقال: لقد كان للفضاء الافتراضي إنجازات إيجابية للبشر، وسهّل الكثير من الاتصالات العلمية. كما كان للتقنيات والأدوات الحديثة في المجال الطبي إنجازات إيجابية أيضًا. ولكن هذه التكنولوجيا نفسها يمكن أن تكون أداة للفساد والخطيئة. بحيث يبث الأعداء عبر الفضاء الافتراضي محتوياتهم الفاسدة إلى الجيل الشاب، وبسبب قلة التجربة أو انعدامها، ينخدع هذا الجيل بسرعة. من الضروري أن تبذل الجهات المسؤولة، والأساتذة، والعائلات، والمدارس، والمجتمع برامج توعوية مختلفة لكيلا يقع هذا الجيل فريسة لهذا الفضاء الخطير.
واعتبر جعفري فراهاني التقوى والارتباط بالخالق الطريق الأهم لمواجهة الأضرار التي تواجه الجيل الشاب، وقال: يجب تنبيه الشباب إلى تقوية إيمانهم بالله، والاهتمام بالمبادئ الدينية. فإن الله، كما قال في القرآن: “لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ”؛ أي أننا خلقنا الإنسان حرًا لكي يسعى في سبيل الرشد، ويبتعد عن الانحراف والظلم، ويسعى نحو إكمال إيمانه بواسطة التمسك بالله وأداء الفرائض الإلهية. وإن السير في طريق الهداية الإلهية والابتعاد عن الغيّ والفساد هو السبيل الوحيد لتوجيه المجتمع وطبقاته المختلفة نحو السعادة والرقيّ والنجاة من الأضرار.

