شفقنا العراق-بين مدن تتضخم وأرياف تفرغ من سكانها، يدق التعداد السكاني في العراق ناقوس خطر جديد. فمع تقلص الريف إلى أقل من 30% من إجمالي السكان، تتسارع هجرة الفلاحين تاركين وراءهم أراضي زراعية مهملة، وسط منافسة المحاصيل المستوردة وشح المياه وغياب الدعم الحكومي.
هذا التحوّل الديمغرافي لا يهدد فقط التوازن السكاني، بل ينذر بانهيار الأمن الغذائي وازدياد البطالة وأزمة سكن خانقة في المدن. فهل تتحرك الدولة لإنقاذ ما تبقى من الريف قبل فوات الأوان؟
وأثارت نتائج التعداد العام للسكان في العراق، “مؤشراً خطيراً” بحسب لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية وخبراء في الزراعة والاقتصاد، الذين دعوا إلى ضرورة وضع استراتيجية وطنية وانتهاج سياسات حكومية متوازنة ووقفة جادة تستند إلى أسس علمية صحيحة لمعالجتها.
وأعلنت وزارة التخطيط العراقية، اليوم الاثنين، عن النتائج الأساسية للتعداد العام للسكان، والتي أظهرت أن عدد سكان البلاد يبلغ 46 مليوناً و118 ألف نسمة، فيما توزع السكان حسب البيئة بواقع 70.17% في الحضر و29.83% في الريف في العراق، و84.57% في الحضر و15.43% في الريف بإقليم كوردستان.
الريف نحو 30%
وتقول عضو لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية، ابتسام الهلالي، إن “وجود 30% فقط لأراضي الريف، هو مؤشر خطير في وقت تعتبر الزراعة نفطاً دائماً ومورداً أساسياً لدعم الاقتصاد، إذ تعتمد دول كبرى على الزراعة وتقدم له الدعم للجانبين الإنتاجي والحيواني”.
وتضيف الهلالي: “أما في العراق، فقد تعرضت الزراعة منذ سنوات لإهمال كبير أدى إلى هجرة سكان الريف إلى المدينة لغرض العمل ما تسبب بهجرة الأراضي الزراعية، إضافة إلى تجريف الأراضي الزراعية والبساتين، ما دمر البنية الزراعية بشكل كبير”.
وتؤكد الهلالي، على أهمية “الدعم المتواصل للزراعة في سبيل عودة الفلاح لأرضه، لأنه ينبغي أن يكون توزيع السكان 50% قرى و50% مدن، للمحافظة على التوازن، وكذلك إصدار القوانين لدعم الزراعة، ومؤخراً كان هناك توجه كبير لدعم المزارعين من خلال منظومات الري والسماد والبذور، كما هناك قانونيْن مهمين تم التصويت عليهما”.
وعن هذين القانونيْن، توضح الهلالي، أن “القانون الأول هو تمليك 10 دوانم بدون بدل، كأن يكون للفلاح عقداً على 20 دونم، فإنه يتم تمليكه 10 دوانم منها، وبقية الأرض يقدم على شرائها بسعر رمزي، ومن ثم يضم جميع الأرض الـ20 دونم له، أما القانون الثاني فهو قانون المتفرغين الزراعيين رقم 24 لعام 2014، وهذا تم التصويت عليه العام الماضي، وفي هذا القانون تم اعطاء للمتفرغ الزراعي 50 دونماً وحصة مائية وقرض في سبيل عودة الفلاح للزراعة ويتمسك بأرضه”.
أسباب الهجرة من الريف
من جهته، يرى الخبير الزراعي، خطاب الضامن، أن “زيادة نسبة المناطق الحضرية على حساب المناطق الريفية هي نتيجة طبيعية للممارسات التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين، فمنذ عام 2003 جرت عمليات تجاوز واسعة النطاق على الأراضي الزراعية والبساتين وتم تحويلها إلى مناطق سكنية نتيجة لارتفاع أسعار الأراضي المخصصة للسكن والعقارات وعجز الدولة عن توفير قطع أراضي أو بناء مجمعات سكنية عمودية تلبي حاجة السكان من المساكن، لذلك صار تحويل الأراضي من الاستخدام الزراعي إلى الاستخدام العقاري أو السكني”.
ويضيف الضامن، أن “السبب الثاني هو تدهور قطاع الزراعة، فهو يعاني من منافسة المحاصيل الأجنبية منذ مدة، إلى جانب ارتفاع أجور الإنتاج، وتعرض الفلاحين إلى خسائر كبيرة في بعض المواسم، وبذلك هجر الكثير منهم الزراعة ولجأوا إلى الوظائف الحكومية ولا سيما في مجال العمل بالقوات المسلحة”.
ويتابع: “ثم أن توسع القطاع الحكومي في التعيينات واستيعاب الموظفين في دوائر الدولة، استقطب نسباً كبيرة من السكان في أطراف بغداد على سبيل المثال إلى داخل المدينة، وكذلك الحال ينطبق على باقي المحافظات، حيث يتوفر في مراكز المحافظات عادة، فرص العمل سواء في القطاع العام أو الخاص، لذلك صار التوجه نحو المدن في سبيل الحصول على فرص العمل وتحسين ظروفهم”.
تحويل الأراضي الزراعية إلى أغراض سكنية
ويحذر الخبير الزراعي، من أن “استمرار عملية تحويل الأراضي الزراعية إلى أغراض سكنية وعدم معالجة تحديات القطاع الزراعي، سوف يزيد من نسبة السكان الحضريين على حساب السكان الريفيين، وسوف يؤدي إلى المزيد من الإهمال في القطاع الزراعي، ما يؤكد الحاجة إلى وضع معالجات ووقفة جادة تستند إلى أسس علمية صحيحة لمعالجتها”.
ومن الأسباب الأخرى التي أدت إلى هجرة الريف، يوضح الباحث الاقتصادي، أحمد عيد، أن “هجرة الريف هو مؤشر خطير على التوسع الحضري الذي تشهده البلاد، وتعود هذه الهجرة لعدة أسباب أبرزها الهجرة الداخلية الناجمة عن الجفاف الذي تشهده القرى والأرياف، فضلاً عن الإهمال الحكومي المزمن والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وعدم وجود الحلول الكاملة والناجعة تجاه هذا الموضوع، فكل هذه العوامل أدت إلى تراجع الخدمات الأساسية في المناطق الريفية وانهيار القطاعات الزراعية والصناعية التي كانت مصدر رزق رئيس لسكان الأرياف”.
تحوّل يحمل مخاطر كبيرة
ويبين عيد أن “هذا التحوّل الديمغرافي يحمل مخاطر كبيرة أبرزها الضغط المتزايد على البنية التحتية للمدن وارتفاع معدلات البطالة وعسكرة المجتمع بلجوء أغلب الفلاحين إلى الوظائف العسكرية، بالإضافة إلى زيادة العشوائيات وتفاقم أزمة السكن بالمدن، بالمقابل تعاني المناطق الريفية من انخفاض الإنتاج الزراعي وانتشار الفقر وغياب الاستثمارات التنموية فيها”.
ويؤكد، أن “في حال استمرار هذه الظاهرة دون وجود سياسات حكومية متوازنة وجادة، فقد نشهد المزيد من النزوح الجماعي نحو المدن، وتآكل الرقعة الزراعية، وارتفاع معدلات الفقر بشكل أسوأ مما هي عليه الآن، ما يستدعي وضع استراتيجية وطنية للجفاف وتقضي على الفساد وتعيد الاستقرار، وتوفر فرص التنمية المستدامة ووسائل العيش الكريم في القرى والأرياف، لضمان توزيع سكاني متوازن، وتحقيق التنمية المستدامة في جميع أنحاء البلاد”.

