خاص شفقنا-يعرف اهل العالم “الراي العام” بانه “التعبير عن آراء جماعة من الأشخاص إزاء قضايا، مسائل أو مقترحات معينة تهمهم، سواء أكانوا مؤيدين أو معارضين لها، بحيث يؤدي موقفهم بالضرورة إلى التأثير السلبي أو الإيجابي على الأحداث بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في لحظة معينة من التاريخ“.
وهناك تعريف اخر لاهل العلم لـ “الراي العام” يقول :”الرأي العام هو تكوين فكرة أو حكم على موضوع أو شخص ما، أو مجموعة من المعتقدات القابلة للنقاش وبذلك تكون صحيحة أو خاطئة، وتخص أعضاء في جماعة أو أمة تشترك في الرأي رغم تباينهم الطبقي أو الثقافي أو الاجتماعي ، فيعترض ذلك مع الرأي الخاص الذي يشير إلى أمور ومسائل شخصية تتعلق بفرد واحد، فالرأي العام هو ذلك التعبير العلني والصريح الذي يعكس وجهة نظر أغلبية الجماعة تجاه قضية معينة في وقت معين“.
يوجد قاسم مشترك للتعرفين السابقين حول قضية الراي العام، وهو وجود اهتمام شعبي واضح ازاء قضية معروفة يعلم بها اغلب الناس بالشارع ولهم رأي إتجاهها، اي انها ليست قضية شخصية او تهم مجموعة قليلة من الناس فقط، الا ان التعرفين لم يتطرقا الى كيفية تحويل قضية ما الى “قضية راي عام”، فمثل هذه الكيفية هي خارج اطار التعرفين، فهذه الكيفية، اي تحويل قضية ما الى قضية راي عام، هي من اختصاص النخب الفكرية والسياسية والمجتمعية.
هناك مجموعات من قادة الراي العام في كل مجتمع، تتمثل بالاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنخب السياسية والاجتماعية والفكرية والفنية والادبية والاعلامية، والبرلمانات والاعلام الاجتماعي وصولا الى الشارع، فهذه الفعاليات بامكانها تحريك الرأي العام من خلال برامج منظمة متسلسلة لتحقيق “راي عام” ازاء قضية ما، بهدف حماية المجتمع من كل ما يمكن ان يهدده من مخاطر آنية ومستقبلية، تنطلق من مصالح سياسة او اجتماعية او اقتصادية او مذهبية او عرقية ضيقة.
من القضايا الخطيرة التي تواجهها المجتمعات العربية اليوم، هي محاولة الحكومات تكميم الافواه الحرة، المنادية بحقوق الانسان وكرامته، والمدافعة عن المظلومين والمضطهدين اينما كانوا، والكاشفة لسوءة الانظمة القمعية، دون ان يكون لها هدف الا اعلاء الانسان وتحصين المجتمعات من فيروس الافكار الهدامة والاموال القذرة، التي تفتك بالعقول بشكل اخطر بكثير من فتك القوة المجردة، وقد بان ذلك واضحا في مجتمعاتنا لاسيما بعد ما عرف بمرحلة “الثورات العربية“.
الانظمة الخليجية وخاصة تلك الدائرة في فلك السعودية تحاول تسويق قضية النائب الكويتي الحر الدكتور عبدالحميد دشتي على انها قضية شخصية تتعلق بنائب “اساء” الى دولة عربية ويجب بالضرورة ملاحقته وسجنه، ولا علاقة للمجتمع الكويتي او العربي بهذه القضية اطلاقا، فهي قضية محصورة بين شخص “متمرد” وبين القضاء الذي يجي ان “يوقفه عند حده” ليكون عبرة للاخرين.
النخب العربية اليوم امام امتحان في غاية الاهمية ، فوقوفها الى جانب قضية النائب عبدالحميد دشتي، وتحويلها الى قضية راي عام، هو وقوف مع النفس ومع المجتمع وتطوره وتحرره من قوى الظلام والاستبداد، فالذي يتعرض له دشتي الان، سيكون مصير الكثير الكثير من النخب العربية السياسية والاجتماعية والفكرية، في حال تم الابقاء على قضيته على انها قضية شخصية، فمصير دشتي الذي تلاحقه اموال ولوبيات السعودية في الدول الخليجية والعربية وحتى في العالم لمجرد انه تجرأ على قول كلمة الحق ازاء ما تعانيه الشعوب العربية في اليمن والبحرين وسوريا، بسبب فرض الرؤية السعودية على هذه الشعوب عبر المجاميع التكفيرية وضخ الاموال والسلاح.
وللتعرف على “الجريمة العظمى“ التى ارتكبها النائب دشتي واثارة غضب السعودية ، سنحاول المرور سريعا على جوانب من هذه“الجريمة التي لا تغتفر“: في 27 تموز/ يوليو الماضي قضت “محكمة الجنايات” الكويتية، غيابيا بحبس النائب دشتي 14 عاما و6 أشهر في قضية أمن دولة بتهمة “الإساءة للسعودية”، إلى جانب 3 أعوام بتهمة “الإساءة للبحرين”، وذلك لتصريحات في شباط/فبراير الماضي لقناة سورية طالب فيها بضرب أساس الفكر التكفيري الوهابي في عقر داره، وكان الحكم الصادر بحق دشتي سبقه اجراء تكثل برفع الحصانة النيابية عنه.
الحكم صدر ضد دشتي بالسجن بينما هو كان في خارج الكويت، ومن اجل ان تحشد الكويت العالم كله ضد دشتي لـ“تاديبه وتاديب” غيره في المستقبل اذا ما فكروا للتعرض ولو بالكلام للسعودية، عممت النيابة العامة الكويتية اسم النائب “عبد الحميد دشتي” عبر الإنتربول الدولي، لإحضاره وتسليمه للكويت.
الخطيئة الكبرى التي ارتكبها دشتي والتي لا تغتفر ابدا، كانت ظهوره على فضائية سورية، ومنذ ذلك الحين والرجل مطارد سعوديا ومن ثم خليجيا، بينما رجال السياسة والمسؤولين الخليجيين عسكريين وسياسيين، يظهرون على فضائيات “اسرائيلية” وهم يتصافحون ويتعانقون مع الصهاينة، بل ان العديد منهم زار “اسرائيل”، دون ان تحرك هذه اللقاءات شعرة واحدة من جسد اصغر مسؤول خليجي، بل ان الطامة الكبرى ان العديد من المنابر الحكومية والفضائيات في الدول الخليجية تحولت الى منصة للمتطرفين من الوهابية والسلفية، حيث تفوح من كلماتهم وخطاباتهم رائحة الطائفية النتنة، وهي خطابات “داعشية” بالكامل، دون ان يتحرك اي مسؤول سياسي للجم هؤلاء الذين ينفخون ليل نهار في نار الفتنة الطائفية، وكأن الفتنة تحولت الى طوق نجاة لانظمتهم.
الدكتور دشتي وفي لقاء اجرته معه صحيفة “الاخبار” اللبنانية في بداية هذا العام وتحديدا في 14 اذار مارس، توقع كل الاجراءات التي اُتخذت ضده فيما بعد ، وهذا بعض ما قاله دشتي:
– وفي خضم تلك الحروب القائمة، من اليمن إلى سوريا، فإن أكثر ما يعنيني الشأن الوطني الكويتي. نحن كدولة مؤسسات ودستور، وبرلمان يمتلك كامل الصلاحيات، يزعجني جداً أن أجد مسايرة الكويت للسياسة الصدامية الارتجالية، لأن ذلك يتناقض مع اقتناعاتي كمواطن.
– أما من يعترض على مواقفي، التي يكفلها الدستور، فليكن بأسلوب ديموقراطي حضاري، وليس بالسباب والتهديد، لأن أكثر من 90% منها لم يأت من الكويت، رغم أن بعضها كانت تهديداً بالقتل، كتغريدة تبيّن أنها كُتبت من الداخل، وذكرت «إننا نحضّر لاغتيالك في جنيف، ومخالبنا أقرب إليك من حبل الوريد».
وقد تواصلنا بعدها مع إدارة «تويتر»، الذين زوّدونا، بدورهم، برقم «الآي بي» IP، فقدمنا شكوى رسمية، وقامت السلطات الكويتية وأمن الأمم المتحدة بواجبيهما. واعتبر تلك التهديدات بمثابة إخطار لـ«الدواعش» بالتحرك.
– للمرة الثالثة، تقدّم السفير السعودي ضدي بشكوى، كاسراً عرف التعاون ونمط العلاقة بيننا وبين الجهة التي يمثلها. وما دمنا لا نجد من يتصدّى لهذا النوع من التدخّل، من نواب مجلس الأمة والجمعيات الأهلية، فسنستمر في دفع الثمن. واليوم، حصانتي تمسّها تلك الشكوى وبهذه الكيفية. للأسف، الحكومة الكويتية تتلقى الشكاوى وتحوّلها إلى المحاكم. والمستنكر في هذا أن معظم تلك الشكاوى لدوري الحقوقي في جنيف، دفاعاً عن حقوق الإنسان. حتى مملكة البحرين تقدّمت بشكاوى ضدي، وهم الذين زجّوا بعدد من الزملاء الحقوقيين في السجون.
– تقود السعودية تلك الحملة عبر إمبراطوريتها الإعلامية، كـ«العربية» و«أم بي سي» وصحيفة «عكاظ» و«السياسة»، وعشرات آلاف حسابات التواصل الاجتماعي، ذات الأسماء الوهمية. لكن تلك الحملة لم ولن تثنيني عن التراجع. وحين هاجمني أكثر من 40 برلمانياً، اعتمدت سياسية الاحتواء معهم، مؤكداً عدم تركي رفع لواء الدفاع عن حقوق الانسان. ولا أخشى إعداماً ولا سجناً ولا إسقاطاً للجنسية.
وللوقوف على شخصية النائب عبد الحميد دشتي نتناول اهم مراحل حياته ونشاطاته ، فهو من مواليد 1954 انتمى الى الكلية العسكرية في الكويت وتخرج منها عام 1974 حيث عمل في القوات الجوية كطيار وتدرج في عدة مناصب حتى عام 1982 حيث قدم استقالته وانتقل للعمل السياسي والتجاري.
المؤهلات العلمية: فضلا عن كونه خريج الكلية العسكرية بالكويت، فهو حائز على ليسانس تجارة من جامعة بيروت العربية، وليسانس حقوق من جامعة الاسكندرية ودبلوم في الدراسات العليا ودكتوراه من جامعة الابداع في فرنسا التابعة للاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية.
المناصب التي شغلها: يرأس مجلس ادارة العديد من الشركات في كل من الكويت وسوريا، شغل عدة مناصب كويتية وعربية ودولية في اتحادات معنية برياضة الفروسية. شغل منصب القنصل الفخري لجمهورية ساحل العاج في الكويت. ساهم بشكل فاعل في تأسيس عدة اتحادات عمالية في الكويت، محامي أمام المحاكم الدستورية ومحاكم التمييز في دولة الكويت، عضو في اتحاد المحامين العرب، عضو الاتحاد الدولي للمحامين، رئيس اللجنة الدولية لدعم المحاكمات العادلة وحقوق الانسان، رئيس اللجنة القانونية للجمعية السورية الفلسطينية لحق العودة.
ولطالما عرف الدكتور دشتي بتأييده الشديد للمقاومة في لبنان وفلسطين. كما أنه من أشد المناصرين للنظام السوري والرئيس بشار الأسد ضد الجماعات التكفيرية والارهابية التي تخرب في سوريا. كما أنه من يناصر حق الشعب البحريني في ثورته ويعلن جهارا معارضته للعدوان السعودي على اليمن وقد تعرض للشتم والضرب على أيدي نائب اخر في مجلس الامة الكويتي بسبب مواقفه الجريئة. وقد تخلل مسيرته مواقف كثيرة مشرقة وقد تكون زيارة عائلة الشهيد “عماد مغنية” في لبنان من أهم الخطوات التي قام بها وأدت الى موجة انتقادات واسعة اعتبرته “عميلا” لحزب الله وايران.
اكثر من 450 منظمة حقوقية وشخصيات حقوقية واعلامية وسفراء وبرلمانيين واسرى محررين، ناشدوا في بيان رفعوه الى امير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بالتراجع عن الاجراءات التعسفية ضد النائب دشتي.
هذا البيان يمكن ان يكون الخطوة الاولى على طريق طويل ينتهي بتحويل قضية النائب دشتي من فضية شخصية الى قضية راي عام تمس مصالح الشعب بالصميم، لكي لا يستفرد الحكام بالنخب السياسية والاجتماعية والفكرية، فالنخب الحقيقية هي تلك التي تعيش الآم وامال شعوبها وتعبر عن تطلعاتها، كما عبر ويعبر النائب الحر عبد الحميد دشتي عن امال وتطلعات الشعب الكويتي بكل صدق وامانة.
النهاية

