شفقنا العراق-فيما تشير الجهات المختصة إلى استمرار عمليات تأهيل المواقع الأثرية والترميم والإعداد للملفات قبل تقديمها حسب المعايير المشترطة دوليًا، يحاول العراق إلى إدراج مجموعة جديدة من المواقع الأثرية على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بعد سنوات على إدراج الأهوار في جنوب البلاد ومدينة بابل الأثرية وغيرها من الأماكن الأخرى في سبيل الحفاظ عليها.
وتأتي هذه الخطوة بعد جهود طويلة من التنقيب والترميم والتوثيق، بالتعاون مع خبراء محليين ودوليين، بهدف الحفاظ على التراث الثقافي والتاريخي الذي يعكس تنوعا وغنى الحضارات التي قامت على أرض العراق، كما من المتوقع أن تسهم هذه الخطوة في زيادة الاهتمام العالمي بتلك المواقع وتعزيز السياحة الثقافية، إلى جانب توفير دعم دولي لحمايتها من التهديدات البيئية والبشرية.
ويقول مدير دائرة التراث العالمي في الهيئة العامة للآثار والتراث، مثنى عبد داود، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “هناك تنسيقًا بين الهيئة ووزارة الثقافة والسياحة والآثار حول تأهيل وترميم المواقع المرشحة على لائحة التراث العالمي”.
ويضيف داود، أن “العراق يمتلك ستة مواقع مدرجة على اللائحة وهي مدن بابل وأور وآشور والحضر وسامراء والوركاء، بالإضافة إلى قلعة أربيل، وجميعها تتم صيانتها من قبل دائرة الصيانة والحفاظ على الآثار في الهيئة أو بالتعاون مع منظمة اليونسكو وصندوق النصب العالمي”.
ويتابع: “يوجد الآن 14 موقعًا عراقيًا على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي يجري الإعداد لها، ومن أهمها درب زبيدة أو طريق الحج البري، وهو مشترك للعراق والسعودية، ويقع بين الكوفة ومكة المكرمة، وكان يسلكه التجار والحجاج فيما مضى، وتوجد مناطق أثرية على جانبيه”.
الإقبال الكبير من السياح
ويلفت إلى أن “الإقبال الكبير من قبل السياح والوفود الأجنبية على العراق، تستهدف غالبًا المواقع المدرجة كتراث عالمي مع وجود فترات معينة تتمثل بالخريف والربيع تكون الأكثر استقبالًا للزوار، أما الفصول المتبقية فيكون العزوف حاضرًا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وشدة البرودة”.
معتبرًا أن “العوامل التي أدت لزيادة إقبال السائحين يجب دعمها بتقديم الخدمات وتعبيد الطرق المؤدية للمناطق الأثرية لتسهيل تفويج السياح، إذ يتم الآن الانتهاء من إنجاز هذه الخدمات لبعضها”.
ويشرح داود، المعايير التي يتم هذا الإدراج على أساسها بالقول إنها “10 معايير تقسم الى قسمين، الأول من ست نقاط تختص بالمواقع الثقافية وهي: أن تمثل إحدى روائع العقل البشري المبدع، وأن تتجلى فيها تأثيرات متبادلة قوية جرت على امتداد مدّة من الزمن أو داخل منطقة ثقافية معينة من العالم، تتعلق بتطور الهندسة المعمارية أو التكنولوجيا أو الصروح الفنية أو تخطيط المدن أو تصميم المناظر الطبيعية، وأن يقف شاهدا على تقليد ثقافي أو حضارة لا تزل حية أو حضارة مندثرة.
مضيفًا بالقول: كذلك أن يكون نموذجًا بارزًا لنمط من البناء أو لمجمع معماري أو تكنولوجي أو لمنظر طبيعي يمثل مرحلة أو مراحل مهمة من التاريخ البشري، وأن يقدم نموذجًا بارزًا لمستوطنة بشرية تقليدية أو لأسلوب تقليدي لاستخدام الأراضي أو لاستغلال البحار، يمثل ثقافة أو ثقافات معينة أو يمثل التفاعل بين الإنسان وبيئته لاسيما عندما يصبح عرضة للاندثار بتأثير تحولات لا رجعة فيها وأن يكون مقترنًا على نحو مباشر أو ملموس بأحداث أو تقاليد حية أو بمعتقدات أو بمصنفات أدبية أو فنية ذات أهمية عالمية بارزة.
المواقع الطبيعية
ويكمل حديثه: “فيما القسم الثاني من المعايير يتكون من أربع نقاط تخص المواقع الطبيعية وهي، أن ينطوي على ظواهر طبيعية منقطعة النظير أو يضم مناطق ذات جمال طبيعي استثنائي وأهمية جمالية فائقة، وأن يقدم أمثلة فريدة لمختلف مراحل تاريخ الأرض، بما في ذلك سجل الحياة على الأرض وللعمليات الجيولوجية الهامة الجارية والمؤثرة في تطور التشكيلات الأرضية أو المعالم الجيومورفية أو الفيزيوغرافية الهامة، وأن يقدم أمثلة فريدة للعمليات الإيكولوجية والبيولوجية الهامة المؤثرة في تطور النظم البيئية الأرضية ونظم المياه العذبة والنظم الإيكولوجية الساحلية والبحرية والجماعات النباتية والحيوانية، وأن يشتمل على أهم المواطن الطبيعية وأكثرها دلالة لصون التنوع البيولوجي في عين الموقع بما في ذلك المواطن التي تحتوي على أجناس مهدده ذات قيمة عالمية استثنائية من وجهه نظر العلم أو المحافظة على الثروات”.
شهرة عالمية للمواقع العراقية
من الجدير بالذكر أن إدراج المواقع في لائحة التراث العالمي لا يوفر فقط شهرة عالمية للمواقع العراقية، بل يضمن أيضا دعمًا دوليًا لحمايتها، وهذا يشمل الحماية القانونية التي تقدمها اتفاقيات دولية مثل اتفاقية اليونسكو عام 1972 بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي، في ظل التحديات التي تواجه المواقع الأثرية في العراق، مثل النهب والتدمير خلال النزاعات المسلحة ما يجعل السعي الحثيث للإدراج أمرًا ضروريًا.
ويمتلك العراق أكثر من 150 ألف موقع أثري في عموم أراضيه، وذلك في أحدث إحصائية للهيئة المعنية أصدرتها عام 2022، وتضم تلك المواقع آثارا حية للحضارات الآشورية والبابلية والأكدية والحضرية والإسلامية، وكل ما يتعلق بحضارات وادي الرافدين، لكنها تواجه صعوبة كبيرة لانتشارها في المناطق الصحراوية البعيدة عن المناطق السكنية مع قلة عدد الحراس لحمايتها.
وفي السياق ذاته، يوضح محمد البياتي، مدير عام صيانة الآثار في الهيئة العامة للآثار والتراث، أن “المواقع التي تم ترشيحها سابقا هي مدينة بابل الأثرية، حيث جرى تأهيلها بالتعاون مع المنظمات الدولية، كما تم ترشيح مدينة سامراء، ويوجد حاليًا فيها تأهيل بالتعاون مع محافظة صلاح الدين، إضافة إلى ترشيح ملف مدينة آشور”.
ويبين البياتي، أنه “الآن يتم العمل على ترشيح مشروع درب زبيدة أو ما يعرف بطريق الحج البري بالتعاون مع الجانب السعودي، وهو ملف عابر للحدود يحتوي محطات استراحة للحجاج بواقع 13 محطة بالمجمل تنقسم إلى أربع محطات في العراق وتسع في السعودية”.
درب زبيدة
وعلى الرغم من نشوء طريق الحج البري بين الكوفة في العراق، والديار المقدسة في الحجاز، منذ أوائل نشوء الدولة العربية الإسلامية، فإنه عرف بـ”درب زبيدة” نسبة لزبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور وزوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، وذلك بعد الجهود التي بذلتها برعاية الطريق ودقة مساره ومحطاته وتوفير كل المستلزمات المطلوبة له حتى أصبح أشهر الطرق، ما تسبب بذيوع شهرته وانتشار أخباره في مختلف المصادر والمراجع، وقد وصل إلى أوج ازدهاره في العهد العباسي الأول.
ويؤكد، أن “الهيئة ووزارة الثقافة لمستا وبشكل ملحوظ الزيادة الكبيرة في أعداد السياح للعراق، وهي تعرف أن لها أسبابا منها الاهتمام بالمواقع الأثرية التي تجذب السياح، إضافة لتحسن الوضع الأمني في عموم البلاد، فضلا عن إقامة الفعاليات والمهرجانات من قبل سفارات الدول الأجنبية في المواقع الأثرية”.
وبينما يسعى العراق على مر حكوماته المتعاقبة إلى جمع شتات مقتنيات المتحف الوطني الذي نهب إبان الاحتلال الأمريكي عام 2003، حيث نجح باستعادة سبعة آلاف قطعة، ولكنه لا يزال هناك ما يزيد على ثمانية آلاف أخرى مفقودة، من بينها قطع أثرية تعود لآلاف السنين وأقدم المواقع في الشرق الأوسط، حسب مقال سابق لكريج باركر مدير التعليم بمتاحف جامعة سيدني الأسترالية.
ومع ذلك، تواصل بعثات التنقيب التابعة للجامعات الأجنبية المختصة بعلم الآثار عملها منذ سنوات في أراضي العراق بحثا عن تاريخ الحضارات المدفونة لغاية الآن ولم تكتشف الكثير من أسرارها، ما يؤشر وجود ثروة لا يمكن حصرها وفائدتها مستقبلًا فيما لو تم استغلالها بشكل أمثل لتكون موردًا سياحيًا يرفد البلاد وموازنتها التي تعاني من اعتمادها على ثروة النفط فقط لتمويل جميع الاحتياجات.
لائحة التراث العالمي
من جهته، يرى أستاذ الآثار واللغات القديمة في جامعة المثنى، أبا ذر الزيدي، أن “هناك العديد من المواقع الأثرية التي ممكن أن ترشح للأدراج في لائحة التراث العالمي، لاسيما وأن عدد المواقع الأثرية والتراثية العراقية المدرجة تكاد لا تتناسب مع العدد الضخم الذي يمتلكه العراق من المواقع الأثرية المهمة والتي تصل إلى 15 ألف موقع آثار مكتشف، لكن المدرج عالميًا منها ستة مواقع فقط”.
ويلفت الزيدي، إلى إن “قسم التراث العالمي في الهيئة العامة للآثار والتراث هو المعني بإعداد ملفات المواقع الأثرية العراقية لترشيحها للتصويت من قبل منظمة اليونسكو لإدخالها ضمن لائحة التراث العالمي وهي عملية ليست سهلة بإعداد ملف الموقع، إذ يحتاج جهدًا كبيرًا ودراسة معمقة لإكمال الملف بموجب المعايير التي وضعتها منظمة اليونسكو”.
لافتًا إلى أن “هناك آليات متبعة في صيانة المواقع الآثارية المدرجة على قائمة التراث العالمي مثل مدينة بابل الآثارية والوركاء ودرب زبيدة ومدينة سامراء الآثارية”.
ويوضح أن “المعلوم هو كون كافة أعمال الصيانة التي أجريت في سامراء بجامع الملوية وقصر الخلافة هي إجراءات تصحيحية لأعمال الصيانة الخاطئة التي أجريت سابقا، ووفق ملاحظات تقرير ممثل اليونسكو، كذلك هو الحال بالنسبة إلى أعمال الصيانة والتأهيل التي تجري حاليًا في مدينة بابل الأثرية بمعبد ننماخ وبوابة عشتار وموقع طاق كسرى في المدائن من قبل منظمة الآثار العالمي”.
ويؤكد الزيدي، أن “الاستثمار السياحي للمواقع الأثرية يحتاج إلى جهود كبيرة وأموال ترصد في هذا المجال لتأهيلها من اجل تفويج السياح من كافة أنحاء العالم سيما وأن العراق يشهد استقرارًا امنيا ملحوظًا”.
داعيًا إلى “تكاتف الجهود من قبل الحكومة المركزية ووزارة الثقافة والسياحة والآثار من أجل تأهيل المواقع الأثرية والتراثية في العراق لان العديد من المواقع لا تزل بحاجة لتعبيد الطرق المؤدية إليها وتوفير المياه والكهرباء والفنادق وأماكن الاستراحة والترفيه سبلًا دائمة لجذب الزوار”.

