خاص شفقنا-واهم من يعتقد إن أردوغان لم يتأثر بمحاولة الإنقلاب العسكري الأخيرة، وواهم أكثر من ذهب في تحليله نحو الحكمة القديمة القائلة: “الضربة التي لا تكسر الظهر تُقويه“!
قبلَ يومين فقط؛ كانَ أردوغان رجل الإمبراطورية العثمانية العَصي، حاول بشتى السُبل والوسائِل إظهار قوتهِ في العالم، تَدخلَ بالشؤون الداخلية لسوريا والعِراق، مُحاولاً توسيع مدى نُفوذه الشخصي، ودَخلَ في أزمة (ليّ أذرع) مع روسيا، محاولاً كسب الإتحاد الأوربي وأمريكا.
وقد إدعى أردوغان مراراً وتكراراً، إن الجيش التُركي قادر على مجابهة أقوى جيوش العالم، مرةً كرسالة لروسيا التي باتت عدوة، وأخرى لإستمالة الدعم العربي لهُ ولخلافتهِ المزعومة، ويُعدُ ما حدث في مصر بعد الإنقلاب العسكري على مرسي أكبر دليل، على وهم أردوغان الحالم بالخلافة العثمانية، فقد أدى تهوره الشخصي، إلى قطع العلاقات (المتينة سابقاً) معَ مِصر.
نعم؛ قد يكون الإنقلاب أنتهى ولكن؛ هذا لا يمنع أن نقول إن أردوغان تلقى ضربة موجعة، قد تهدد بقاءه في الحكم، فعلى أساس قوة الجيوش تُقاس قوة الدول، وعلى أساس طاعتها للنظام تُقاس قوة الحاكم، وفي الحالتين وجدَ أردوغان نفسهُ خائباً، وبانَ إلى العلن زيف قوتهِ المزعومة!
بمجرد إنطلاق الإنقلابيين في مهمتهم، تمت السيطرة على أهم المباني الحكومية في البلاد، كمجلس النواب ومقر الرئِاسة التركية، وأيضاً تم قطع أهم الجسور في العاصمة، كذلك تمت السيطرة على القنوات الفضائية الحكومية، وهذا يأخذنا إلى البحث بخطاب إردوغان الذي قال فيهِ، إنهم أعداد قليلة من الجيش!
في الحقيقة؛ لو كانوا أعداد قليلة كما يقول الرئيس التركي، فإن ذلك يثبت للعالم أجمع مدى ضعف المنظومة الأمنية في العاصمة أنقرة، إضافة إلى ضعف شُخصَ سابقاً على المنظومة الإستخبارية، التي لم تَعرف شيء عن الإنقلاب، إلا عندما تمّ محاصرة مبناها!
كذلك؛ في ساعة ونصف فقط، لا يجد أردوغان قناة فضائية واحدة ممكن أن تعرض خِطابهِ، ليناشد أنصاره عبر برنامج التواصل الإجتماعي “سكايب“، وهذه في حدِ ذاتها تعني الكثير، وأهمها إن الأنقلابيون جردوا أردوغان من كل شيء، في دقائقٍ قليلة.
إن الإنقلاب بالتأكيد لم يكن وليدة الساعة، بل إن أردوغان عبر مسيرتهِ الطويلة خَلقَ كثيرٌ من الأعداء، بالضبط مثلما خَلقَ نزاعات غير مُبررة مع الدول الصديقة، فقد أبعدَ الرئيس السابق عبدالله غول، وضربَ بشدة حليفهُ الستراتيجي دواوود أوغلوا، وخلقَ من فتح الله كولن عدواً، إضافة إلى حربهِ الطويلة ضد أكراد تركيا والمؤسسة العسكرية.
إن الأحداث الأخيرة في تركيا، قد تُجبر أردوغان على إعادة التفكير في قرارتهِ المتسرعة، فهو بالتأكيد لن يعود أقوى من السابق، لإن ورقة الإنقلاب ستبقى فاعلة كورقة ضغط، وربما تصريح وزير الخارجية السعودي الأخير الذي قالَ فيه: “تركيا غير قادرة على مواجهة معارضة داخلية“، فيهِ تمهيد لهذا الإنقلاب، خاصةً وإن الجبير مهدَ لتصريحهِ أعلاه بالقول: “ليسَ بإستطاعة تركيا خيانة الدماء السورية بهذه السهولة“! وهذان تحذيران قويان جداً، قد يكونا أصل هذا الإنقلاب “السينمائي“، على أثر غضب امريكي_سعودي من تصريحات تركية بعودة العلاقات مع سوريا.
بقلم: مسیح حسن

