خاص شفقنا العراق-لا نحلق في آفاق الضباب، لا نلهث خلف مناطق السراب، لا نعتكز على أضغاث الأحلام، لا نرتقي كِتَفَة الأوهام، لا نتطاول على الحقيقة الحاضرة فينا والآلام التي تقرّح جفوننا وتؤذينا، لا ننكر ضآلة النضج ونزر الوعي وتنامي الجهل الذي يغِير على آننا ويعرقل غدنا ويخدش ماضينا.
لا نهرب إلى الأمام بعواطفنا وأحاسيسنا من النقص ومواطن الخلل الموجودة في قراءاتنا ومراجعاتنا ومقارناتنا واستقراءاتنا وحفرياتنا واستنتاجاتنا وسائر مناطق الفراغ فينا، لا نعالج آفاتنا إلّا بأدوات المعرفة ومناهجها الحافظة كلّ اُصولنا وقيمنا ومبادئنا، الملبّية طموحاتنا وأمانينا، لا نهتم إلّا بصنع الفكرة التي تغترف من معين الاُسس القدسية وجوهر الرسالة الإلهية مؤنتها وحاجتها كي تسمو بنا إلى سلالم العزّ الإنساني والكمال الإيماني والفلاح الربّاني مشفوعةً بواسع القبول ودعم اللبّ الجمعي، الفكرة التي ترشدنا وتهدينا، لا نهجر ولا ننسى تلك الأخلاق التي حملها الدين لنا بعقل وروح ولسان وفعل وتقرير سيّدنا وراعينا، خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد الأمين واستمرّت باستمرار ولاية الأئمّة الطاهرين وستبقى لظهور حجّة الله على العالمين بقاءً – لها ولطرّ مضامين الفكر والنبأ العظيم – تحفظه عناية السماء بوجود نوّاب الإمام (عج) المراجع العظام وسائر العلماء الكرام والأعلام من النخب الطيّبة والكوادر الخيّرة وصالح المؤمنين.
الأخلاق التي لولاها لَما بُعِث رسولنا وهادينا. فلا نتجاوز الخطوط الحمراء ولا نلبّي رغبات الذات ولا تركبنا الشهوات ولا نستبدّ ولا نحيف ولا نلبس جلد الحرباء، لا بهتان لا غيبة لا كذب لا خيانة لا خلف وعد ل انكث عهد لا طغيان.
هذه اللاءات ونظائرها من اللاءات ليست أُمنيات لا “مدينة فاضلة” لا عبث لا أحلام لا مثاليات، إنّها حقيقة الإنسان التي ينبغي أن تكون “فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله”، إنّها حقيقة رسالة السماء التي غدونا عنها غرباء وهي عنّا بُعْد المشرق والمغرب بَعْداء، مشرق البركات والإفاضات الربوبية والأنوار القدسية والفلاحات السرمدية، مغرب الروح واُفول الخير وتلاشي الإشارات والتوبة الرحموتية.
بلا استثناء، كلّنا ننسى، نغفل، نسهو، نخطأ، كلٌّ بحدّه وحجمه، لكنّنا لسنا جميعاً نألم ونندم ونستغفر ونتوب، فما أروع وأجمل أن ندرك ثمرة الوقوف على مناطق الفراغ في أعماقنا وحنايانا من نقصٍ وخللٍ ونسيانٍ وغفلةٍ وسهوٍ وخطأ فينا، وقوفَ العارف الخبير، وقوفَ النادم المستجير، لاشكّ انّها الخطوة الأسمى نحو العمل بـ “اللاءات” المعهودة ونظائرها الاُخرى، لنبلغ العلا ونفوز بالكأس الأوفى.
مجمل الأمر بأسره شيءٌ واحد، إنّه الحُبّ، “وهل الدين إلّا الحُبّ”، فإن أحببنا بذاك الحُبّ انغرست تلك اللاءات فينا وامتدّت جذورها في أعماقنا وتشعّبت فروعها وأغصانها مورقةً فوّاحةً بأريج الوئام وعبق الأمان ومسك الإيمان، مترنّمةً بترانيم السماء وبذاك النداء، نداء الإنسان بربيع القرآن، شهر الرحمة والرضوان، شهر ليالي القدر الحسان، شهر شهادة إمام الإنس والجان وعدل الفرقان، “شهر رمضان الذي اُنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان”.
بقلم: كريم الأنصاري

