خاص شفقنا-تتشاطر جميع الشعوب الحب للاوطان، وهذا الحب يدفعها في ان تضحى حتى بخيرة شبابها من اجل الدفاع عن تراب الوطن، اذا ما تعرض للخطر، فحكايات الشعوب مع المستعمرين والمحتلين والطامعين، حكايات طويلة مكتوبة احرفها بالدم ، الا ان نهاية هذه الحكايات هي واحدة رغم اختلاف تفاصيلها ، وهي انتصار الشعوب.
من الشعوب المعروفة بمشاعرها الوطنية المتجذرة وبحرصها الشديد بكل ما يتصل بالوطن والارض والكرامة الوطنية، هو الشعب المصري، الذي كان من اوائل الشعوب العربية والاسلامية التي انتفضت ضد المستعمرين والطامعين، ومن اوائل هذه الشعوب في نيل الاستقلال والتحرر، وكان من رواد الحركة التحررية في العالمين العربي والاسلامي، وبسبب هذه الخصائص التي يتصف بها، يعتبر الشعب المصري من اكثر الشعوب العربية والاسلامية، التصاقا بالقضية الفلسطينية، وقدم من اجلها الغالي والنفيس، ومن اكثر الشعوب كرها للمحتلين الصهاينة.
بعد اتقافية كامب ديفيد، اعتقد البعض ان جذوة الوطنية قد خبت في قلوب بعض المصريين، بسبب تلك السياسات الخاطئة التي اعتمدتها الحكومات المصرية بعد اتفاقية كامب ديفيد، الا ان ردة الفعل السريعة والقوية للشعب المصري، بمختلف انتماءاته السياسية، ازاء الاتفاق الذي ابرمته الحكومة المصرية مع الحكومة السعودية، والقاضي بتنازل مصر للسعودية عن جزيرتي “صنافير وتيران” الواقعتان عند مدخل خليج العقبة في البحر الاحمر، اكدت مرة اخرى ان الشعب المصري مازال اكثر شعوب المنطقة تمسكا بترابه وكرامته الوطنية.
الاتفاقية التي وقعتها مصر والسعودية في أبريل نيسان الماضي على هامش زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز للقاهرة، اثارت احتجاجات كبيرة في مصر وسط اتهامات من جماعات معارضة للحكومة بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير مقابل استمرار المساعدات السعودية.
رغم أهمية هذه المساعدات بالنسبة للمصريين لانعاش اقتصادهم المتدهور جراء سنوات من الاضطرابات السياسية، اعتبر كثير منهم نقل تبعية الجزيرتين مسألة “كرامة وطنية”، وشارك آلاف منهم في احتجاجات في أبريل نيسان دعت اليها حركة تطلق على نفسها اسم “الحملة الشعبية لحماية الارض، مصر ليست للبيع″، فاستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع واعتقلت المئات منهم، وحوكموا بتهمة التظاهر دون تصريح لكن برئ الكثير منهم أو خففت عقوبتهم إلى الغرامة المالية فقط.
من حسن الحظ تلقت الحكومة المصرية وبسرعة رسالة الشعب المصري التي اكدت وبشكل واضح: الفوائد الاقتصادية التي ذكرتها الحكومة والتي ستترتب عن التنازل عن الجزيرتين وبناء جسر يربط مصر بالسعودية ، لم تغر الشعب المصري، بل على العكس تماما، كل ما قيل عما ستجنيه مصر من فوائد اقتصادية لتنازلها للسعودية عن الجزيرتين، جرحت كرامة الشعب المصري اكثر، وهذه الرسالة كانت كافية لتحيل الحكومة المصرية القضية الى القضاء ليبت فيها، فجاء الحكم تاريخيا ومدويا، حيث قضت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة، برئاسة المستشار يحيى دكرورى، نائب رئيس مجلس الدولة، يوم الثلاثاء 21 حزيران/يونيو، ببطلان الاتفاقية واستمرار تبعية الجزيرتين للسيادة المصرية، وقال القاضي في حكمه الذي أذاعته قنوات تلفزيونية إن المحكمة قضت “بقبول الدعوى شكلا وبطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة في أبريل 2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية”، كما حكم القاضي ببطلان “ما ترتب على ذلك من آثار أخصها استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البري المصري وضمن حدود الدولة المصرية واستمرار السيادة المصرية عليهما وحظر تغيير وضعهما بأي شكل أو إجراء لصالح أي دولة أخرى”.
وقال خالد علي وهو أحد المحامين الذين رفعوا الدعوى أمام القضاء الإداري ان الحكم هو حكم تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى وهو أهم وأقوى حكم في تاريخ مجلس الدولة (القضاء الإداري) في مواجهة السلطة التنفيذية.
تعقيبا على حكم القضاء الإدارى ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، قال مجدي العجاتي وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب في بيان جاء فيه: ”يؤكد المجلس احترامه لأحكام القضاء المصرى، وفى هذا الإطار، قامت هيئة قضايا الدولة بالطعن على حكم القضاء الإدارى، القاضى ببطلان توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية”، وهذا الموقف الحكومي يؤكد رغم كل ما قيل، على وجود رغبة لدى الحكومة المصرية لاغلاق ملف القضية بصورة مشرفة.
مازالت ردود الافعال في بدايتها ازاء الحكم الذي الغى اتفاقية رسم الحدود بين مصر والسعودية والتنازل عن جزيرتي صنافير وتيران، ولكن من الواضح انه ليس هناك في مصر من سيأسف على هذا الحكم، حتى في داخل الحكومة التي ابرمت الاتفاق، فالشعور بالكرامة الوطنية والتمسك بالتراب الوطني هو القاسم المشترك بين المصريين جميعا دون استثناء، شعبا وحكومة ، فهذه هي مصر التي نعرفها.
شفقنا العربي

