شفقنا العراق متابعة ــ طرح الاستهداف الأمريكي الأخير لحركة النجباء في العراق، تساؤلات حول ما إذا بدأت واشنطن باتباع أسلوب الضربات الأمريكية الاستباقية ضد فصائل المقاومة العراقية، الأمر الذي ينذر بتصاعد التوتر على الساحة الميدانية في البلاد.
ومع انتهاء الهدنة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي صباح يوم الجمعة الماضي، استأنفت الفصائل العراقية المسلحة استهداف قواعد للقوات الأميركية في العراق والأراضي السورية المجاورة.
وليلة أول من أمس الأحد، قصفت طائرة أميركية مسيّرة منصة لإطلاق الصواريخ قرب مدينة كركوك، وقتلت 5 من أفراد “حركة النجباء”.
وبحسب الرواية الأمريكية جاء ذلك خلال “محاولتهم تنفيذ هجوم جديد على قاعدة حرير الجوية في أربيل” التي تضم مئات العسكريين الأميركيين.
وهذه العملية تعتبر أول “هجوم استباقي أميركي” في العراق، بما يرفع من سقف التوقعات حيال مآلات التصعيد الحالي بين واشنطن والفصائل العراقية المسلحة.
المقاومة العراقية تتوعد بالرد
القيادة المركزية الأمريكية قالت في بيان لها أنه “في 3 كانون الأول/ ديسمبر، بالقرب من كركوك بالعراق، اشتبكت القوات المخصصة لقوة المهام المشتركة، عملية العزم الصلب، مع 5 مسلحين كانوا يستعدون لإطلاق طائرة بدون طيار هجومية في اتجاه واحد”.
وقال البيان إنّ القوات الأمريكية ردت “دفاعًا عن النفس” باستخدام طائرة بدون طيار أمريكية، “مما أسفر عن مقتل جميع المسلحين الـ 5 وتدمير الطائرة بدون طيار الخاصة بهم”.
ولفتت إلى أنه “تم إخطار قوات الأمن العراقية بالضربة وتوجهت إلى الموقع، حيث أكدت مقتل المسلحين وتدمير الطائرة بدون طيار”.
وأعلنت النجباء في العراق، استشهاد كوكبة من قواتها “تم استهدافهم من قبل طيران الاحتلال الأمريكي المسير في محافظة كركوك شمال العراق”، وذلك “أثناء تأديتهم الواجب المقدس”.
الأمين العام لحركة النجباء أكرم الكعبي هدد أمس الإثنين في تدوينة على موقع X، الولايات المتحدة بالقول: “ليعلم المحتل الآثم أن استشهاد ثلة من الأبرار المجاهدين النجباء لا يزيدنا إلا إصرارًا وثباتًا ويوقد جذوة الثأر في قلوبنا”.
وأضاف: قسمًا بالأيتام وبدموع الأمهات الثكالى وقلوب ذويهم المستعرة ودماء الشهداء الزاكيات ستدفعون ثمن جريمتكم باهظًا”.
وتابع “فالعراق عراقنا والأرض أرضنا أيها المارقون الغزاة المجرمون وسنطهرها قريبًا من دنسكم ونحررها من استعماركم والله على ما نقول شهيد”.
الضربة الثالثة من نوعها
وتأتي هذه الضربة الثالثة من نوعها، بعد استهداف ضواحي جرف الصخر جنوبي بغداد، في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
وذكرت مصادر عراقية مُقربة من الفصائل المسلحة، أن ضربة جرف الصخر دمّرت ورشة لصناعة وتهيئة الطائرات المسيّرة ثابتة الجناح، تعود لكتائب حزب الله العراقية.
ويرفع ذلك من احتمالات أن تكون واشنطن قد وضعت برنامج الطائرات المتنامي عند الفصائل العراقية المسلحة المدعومة من طهران، ضمن قائمة أهدافها.
ونفذت واشنطن فجر 22 نوفمبر، ثلاث ضربات جوية في آن واحد أودت بحياة 9 عناصر من الحشد الشعبي وأدت إلى جرح آخرين.
وكانت الولايات المتحدة استهدفت أرتالاً للفصائل العراقية في الثرثار وأبو غريب في محافظة الأنبار غربي العراق، ضمن ما تقول إنه رد على هجمات استهدفت قواعدها في العراق وسورية.
رسائل أميركية بنوعية الأهداف
وقال نائب سابق في البرلمان العراقي عن تحالف “الفتح” بزعامة هادي العامري، لـ”العربي الجديد“، إن القصف الأميركي فجر 22 من الشهر الماضي، أدى إلى تدمير ورشة لإعداد الطائرات المسيّرة في جرف الصخر.
وأكد مشترطاً عدم الكشف عن هويته، أن المبنى الذي قُتل داخله 5 من أعضاء الجماعة المسلحة، كان يضم طائرات مُسيرة مفخخة، إلى جانب معدات توجيه عن بعد وأجهزة تستخدم في تحديد المواقع (جي بي أس).
وأكد مصدر آخر مُقرب من “كتائب حزب الله”، لـ”العربي الجديد”، أن القصف الأميركي أدى إلى إعادة نظر في جميع مواقع الفصائل، خصوصاً تلك التي تحتوي على ترسانة عسكرية مُتقدمة لها، وجرى نقل جزء منها فعلياً إلى مواقع أخرى.
وأضاف أن “الهجمات الأميركية تشير إلى وجود معلومات مسبقة عن مواقع مستودعات مهمة”.
نوعية الأهداف التي وجهت لها واشنطن ضرباتها الجوية في العراق، تؤكد أنها لم تكن تهدف لإيقاع خسائر بشرية في صفوف “كتائب حزب الله”، بقدر ما هي رسائل رد لها دلالات يفهمها الطرف العراقي الحكومي والسياسي، كما يقول العقيد الركن السابق والخبير الأمني عباس الخفاجي، لـ”العربي الجديد”.
وأضاف الخفاجي أن “واشنطن لو أرادت إيقاع عدد كبير من الضحايا لاستهدفت مواقع وتجمعات في الأنبار وصلاح الدين تحوي العشرات من العناصر تلك، وكذلك داخل سورية”.
لكن وفقاَ للخفاجي فإن “الهدف كان توجيه رسالة مفادها بأن مواقع ومنشآت السلاح الخاصة بكم مكشوفة لنا وممكن تدميرها كليا”.
وقال الخبير الأمني إن “استهداف جرف الصخر التي هي في الأساس خارج سلطة الدولة، ومن ثم استهداف موقع للطائرات المسيّرة داخل هذه المنطقة، فهمهما جيداً قادة الفصائل وكذلك حكومة محمد شياع السوداني”.
معتبراً أن الضربة الأميركية كانت “إيذاناً بوضع القوات الأميركية برنامج الطائرات المسيّرة لدى الفصائل العراقية المسلحة على لائحة أهدافها في العراق، وحتى الصواريخ التي باتت تبلغ مديات تتعدى 40 كيلومتراً”.
الضربات الاستباقية الأمريكية
وتختلف آراء خبراء عسكريين ومحللين سياسيين عراقيين بشأن أسلوب الضربات الاستباقية الأمريكية، وما إن كان قيام القوات الأميركية باستهداف الفصائل العراقية سيمر بسلام، لـ”وجود تنسيق” مع بغداد، أم قد يفضي إلى فوضى لا يتحملها الوضع الأمني.
أستاذ العلوم السياسية و خبير العلاقات الدولية العراقي، الدكتور مهند الجنابي، يعتبر في حديث لموقع (سكاي نيوز عربية)، أنه منذ بدء القوات الأميركية في توجيه ضرباتها للفصائل العراقية (في جرف الصخر ببابل وأبو غريب ببغداد خلال نوفمبر) بما اختلفت قواعد الاشتباك بين الجانبين.
استراتيجية ضربة بضربة
أما عملية الأحد، في كركوك، فيرى الجنابي أنها “رسمت معالم جديدة” في التعامل الأميركي مع هجمات هذه الفصائل، وهي اعتماد استراتيجية “ضربة بضربة”، فأي ضربة تتلقاها من الفصائل، سيتم الرد عليها، وربما تكون “موجعة”.
ولا يتوقع الجنابي لهذا الأمر انعكاسا سلبيا على العلاقات بين واشنطن والحكومة العراقية.
قائلا إن “هذه الضربات، بحسب البيانات الرسمية الصادرة من الجانبين العراقي والأميركي، تأتي بتنسيق بينهما، ولا تمثل إحراجا للحكومة التي أعطت الضوء الأخضر”.
كما يشير لوجود “حالة تفكك واضحة” في معسكر الفصائل المسلحة، على حد تعبيره، نتيجة خلافات وانتقادات تتعلق بالموقف من ضرباتها للقوات الأميركية حالة تفكك واضحة في معسكر الفصائل المسلحة العراقية، وهناك خلافات وانتقادات بينية فيما يتعلق بالموقف من هذه الضربات.
إلا ان الحكومة العراقية سبق ونددت في بيان، 22 نوفمبر الماضي، بشن القوات الأميركية ضربات على مواقع لفصائل في البلاد، باعتبارها “انتهاكا واضحا” لسيادة العراق، كما نددت في نفس الوقت بـ”أي عمل أو نشاط مسلح يتم من خارج المؤسسة العسكرية”، باعتباره “خارجا عن القانون”.
القلق على “هيبة الدولة”
من ناحيته، وحول الضربات الاستباقية الأمريكية، يخشى المحلل السياسي العراقي، علي البيدر، أن ينتهي الأمر لـ”فوضى أمنية، وخرق لحالة الاستقرار الأمني التي يعيشها العراق، ما ينعكس على سيادة البلاد” فيما بعد.
ويرفض البيدر استخدام الولايات المتحدة العمل العسكري، قائلا إن “السلوك الأميركي مرفوض باعتباره خرقا لسيادة البلاد”.
كما يرى أن الحكومة “في حرج كبير”، سواء بسبب استهداف الفصائل للمصالح الأميركية، أو بقيام القوات الأميركية بالرد.
ومع بقاء أيام فقط على انتخابات المجالس المحلية المقررة 18 ديسمبر الجاري، والقلق من أن تؤثر عليها هذه التحركات العسكرية، يدعو المحلل السياسي العراقي كافة الأطراف إلى “خيار الهدنة في هذه المرحلة على أقل تقدير، حفظا لهيبة الدولة، ودعما لجهود الحكومة في الاستقرار الأمني والخطوات الإصلاحية”.
كما يحذر البيدر من أن تستغل الجماعات الإرهابية ما يجري للقيام بتحركات من جانبها تربك البلاد المقبلة على الانتخابات.
————————–
التقارير التي يعاد نشرها من المواقع الأخرى تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–

