شفقنا العراق-تناول أبو الفضل فاتح في مقاله الجديد، مختلف أبعاد تطورات فلسطين الجديدة، وبين إن استراتيجية إسرائيل على المدى الطويل تتمثل في إفراغ غزة من السكان والسيطرة على القطاع.
إن الفصل العنصري والاحتلال سمتان لا تنفصلان عن هُوِيَّة الكيان الإسرائيلي. لذلك يعلن وزير حرب الكيان رسميًا وأمام مرأى العالم ومسمعه: “أننا سنقطع المياه والكهرباء والوقود والغذاء عن قطاع غزة تمامًا ونتعامل مع سكانه كالحيوانات”.
هذه الكلمات وباعتبارها عارًا تاريخيًا، ليست غير متوقعة من المسؤولين الإسرائيليين. لكن الويل لمراكز السلطة التي تراقب وتبقى صامتة! الويل للسياسيين الذين يبدو أنهم استسلموا أمام الفصل العنصري الرسمي الذي يحكم إسرائيل!
لقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) 83 مرة في تاريخ الأمم المتحدة كان 53 منه بشكل مباشر لمنع أي انتقاد لسياسة الاحتلال والعنف التي تنتهجها إسرائيل.
لقد سمعنا رؤساء الدول الغربية يقولون مرارًا وتكرارًا إن “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”، لكننا لم نسمعهم يقولون مرة واحدة ولو مجاملة، أن “لفلسطين الحق في الدفاع عن نفسها”!
فإسرائيل في مبدأ السياسة الخارجية الأمريكية وعدة دول غربية قضية يمكن أن تضحى من أجلها جميع المبادئ.
أما حرية التعبير وحقوق الإنسان فأصبحت مزحة سوداء.
ففي هذه الأيام بالذات حذرت المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا من أي نوع من الدعم لفلسطين. كذلك فقد فرضت في بعض الحالات أحكامًا بالسجن وجرمت رفع العلم الفلسطيني!
ما السبب في صمت هذه الضمائر؟ كيف يمكن للغرب أن يحل هذه المفارقة الصارخة والشنيعة بين حقوق الإنسان ودعم الصهيونية؟ كيف سيصدق الناس في جميع أنحاء العالم دعوة الغرب لحقوق الإنسان؟ إذا لم يكن هذا خيانة لحقوق الإنسان، فما هو بالذات؟
الإله الذي خلق اليهود والمسيحيين قد خلق المسلمين أيضًا
لا شك بأن قتل الأطفال والأبرياء أو أسر المدنيين أمر مدان في أي مكان في العالم. فتعاليمنا الإسلامية غنية بتوصيات عدة توجه بضرورة رعاية الجانب الأخلاقي والاهتمام بالأطفال والنساء والمدنيين والأبرياء في الحرب.
كما وأعتقد بضرورة الاهتمام الدائم بالمدنيين والالتزام بالمبادئ الإنسانية مهما كانت ديانتهم أو مذهبهم أو عرقهم، فلا فرق هنا بين المدني المسلم أو المسيحي أو اليهودي أو الزرادشتي.
وبالطبع لا أساوي بين المحتل ومن يرضخ تحت الاحتلال.
فالإله الذي خلق اليهود والمسيحيين قد خلق المسلمين أيضًا، ومن خلقنا قد خلق أيضًا شعوبًا أخرى.
فمرجع الشيعة الأعلى قد أخذ بيد كل من المسلمين السنة، والإيزيديين، والمسيحيين بعد الغزو الداعشي على حد سوءا مقدمًا دعمه لجميعهم. فهل من أحد بين قادة الغرب السياسيين والدينيين من يدعم أهل غزة المظلومين؟ هل من أحد يقول ويقر بأن هذه العاصفة قد زرع الصهاينة ريحها بجرائمهم؟!
ولقد سمعنا كلمات لا حصر لها من بايدن وترامب ورؤساء إنجلترا وفرنسا وألمانيا. لكن كيف يمكن للسيد أوباما، وهو خريج كلية الحقوق في جامعة ستانفورد، أن يغض الطرف عن دماء ودموع أطفال غزة المضطهدين ويتجاهل نحو قرن من الأكاذيب والاحتلال ويقول ببساطة: “إننا نقف إلى جانب حليفتنا إسرائيل!” كيف لجامعي قانوني محنك أن يعلن وقوفه إلى جانب حليفه بدلًا من أن يقول إنه يقف إلى جانب العدالة والإنسانية والأخلاق والحقوق؟ أليس هذا تجني على العلم والإنسانية والثقافة؟
الاحتلال لا يبرر! لكن كيف سيبرر سلوك الغرب الإعلامي؟
لا فرق بين احتلال واحتلال وأي احتلال مدان.
ولكن كيف يمكن لوسائل الإعلام الغربية، التي تدين احتلال روسيا لأوكرانيا، أن تصمت في وجه احتلال دام سبعين عامًا، أو حتى تنعي المحتلين؟ وكيف يمكن الجمع بين المعايير المهنية وكل هذا الانحياز لمصلحة إسرائيل وكيف سيتم تبريره في معاهد الدراسات الإعلامية غدًا؟ فمن برر زورًا إهانة القرآن الكريم ومقدسات مليار مسلم تحت ذريعة حرية التعبير، كيف جعل من إسرائيل أقدس مقدسات العالم وخطًا أحمر لا يمكن تجاوزه؟ ثم إن ما يجري في الفضاء الإعلامي الافتراضي من حذف للمنشورات التي تتناول فلسطين، هو مفارقة مريرة أخرى!
القضية الفلسطينية قضية الجميع، وأمن فلسطين أمن الجميع
إن قضية فلسطين هي قضية الشرق الأوسط كله والعالم أجمع شاء من شاء وأبى من أبى، ولا يمكن محوها بسيف الرِّقابة والحذف.
لكن وبطبيعة الحال، هناك أوجه قصور عدة من جانب داعمي القضية. فضعف وسائل الإعلام في الدول الإسلامية وضعف إرادة حكامها تسبب في غياب الدعم الشامل للفلسطينيين ومعاناة مزدوجة لهم.
وقد استغل الغرب هذا الضعف وفرض على الفلسطينيين أشد الحروب شراسة تحت ذريعة السلام، ولم يطالب بشيء سوى الخنوع لإسرائيل.
فطوال سبعين عامًا، ضحت أميركا سمعتها من أجل أمن الكيان الإسرائيلي لكنها لم تفكر ولو يومًا واحدًا في أمن فلسطين. لقد جعلت أمريكا السلام الظاهري والهدوء القسري معيارًا لها وتنظر إلى ما يبادر إليه ضحايا الاحتلال من أفعال وردود أفعال لأخذ حقوهم إخلالًا لهذا الأمن.
لكن ومع ذلك، فقد أثبتت سبعون عامًا من التجارِب والأحداث بأن التنمية المستدامة في الشرق الأوسط ليست ممكنة دون أمن مستدام لفلسطين. ومع ذلك فإن الاستثناء الوحيد بين جميع الدول في هذا العالم هو إيران التي كرست كيانها لفلسطين، وقد بلغ ذلك مبلغًا أثار انتقادات بعض الأوساط الإيرانية.
إذن لا يمكن لأحد أن يقول إن فلسطين ليست قضيتنا، لكن ما يمكن مناقشته هو مستوى التدخل في القضية الفلسطينية، ويجب أن يكون تابعًا للتعاليم والمبادئ الضميرية والقانونية والمصالح العليا لكل أمة.
تحرير فلسطين تحرير المنطقة كلها
إن تاريخ فلسطين الحزين وصمة عار العالم المتحضر فتاريخ الصراع بين فلسطين وإسرائيل وتاريخ احتلال هذه الأرض لم يبدأ مع نشرة أخبار مساء يوم 7 أكتوبر 2023. فمنذ سبعين عامًا يبحث الفلسطينيون عن حق وجود ملتصق بهويتهم، أي أرض آباءهم وتاريخهم ولغتهم وثقافتهم.
منذ سبعين عامًا احتلت أرض أمة واخترع كيان لم يلتزم بأي معاهدة سلام، ولا بأي قرار للأمم المتحدة، ولا بأي مبدأ إنساني؛ كيان اعتدى على كل الدول المحيطة به مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان واحتل أجزاء منها عدى فلسطين. وبدلًا من العقاب والعتاب، تلقى المحتل دعمًا لم ينقطع قط، أما اللوم والتهديد فكان من نصيب من احتلت أرضه! كذلك الحوار فكان مسرحية تكررت بين الحين والآخر!
فالحوار الذي أجراه الغرب وإسرائيل مع الفلسطينيين كان أشبه بوضع “سيف على الرقبة” يبحث عن طريقة قطع رؤوس الفلسطينيين وطريقة إخراجهم من بيوتهم!
فالغرب وإسرائيل يسعيان وراء إنكار أمة بِرُمَّتها وإسكاتها تمامًا، وهذا حلم لا يتحقق!
على الغرب أن يعلم أن حصيلة ما ينفق عليه ليست مجرد سبعين عامًا من الظلم، بل ستكون سبعين عامًا من المظلومية والمقاومة التي ستتحدى حضارة الغرب يومًا ما.
لربما قد تغير بعض وسائل الإعلام الغربية مكان الظالم والمظلوم، لكن عصر إخفاء الجرائم قد ولى بفضل تقنيات التواصل، ثم إن الضمائر المستيقظة تسجل كل قطرة دَم تراق على أرض غزة وغيرها من الأراضي الفلسطينية.
وفي ظل سجن غزة الذي يكوّن الأطفال تحت سن الخامسة عشر، جزءًا كبيرًا من سكانه ويقتلون كل يوم، لن يشعر الراحة أي امرئ حر في العالم، كما لن يشعر العالم العدالة والحرية دون تحرير فلسطين.
إسرائيل لم تنتصر في أي معركة وجهًا لوجه
ولهذا السبب فإن إسرائيل، ورغم كل الدعم، أصبحت أكثر انكماشًا على نفسها يومًا بعد يوم.
فسابقًا إذا أصبحوا وعقدوا العزم في تل أبيب، كان جنودهم غدًا يحتفلون بالانتصار في عمق لبنان ومصر.
ذلك أن كل قوة إسرائيل تعود إلى أيام جهل العالم وضعف الفلسطينيين، حين كان الغرب أو غيره من القوى يتحكمون بالجيوش العربية أو مستوى تسليحها.
كذلك فإن القوة العسكرية الإسرائيلية تحققت بشكل رئيس بفضل التقانة التي تبرعت بها الولايات المتحدة أو بفضل الإنفاق الهائل على نظام التجسس أو شراء الجواسيس ومن ثم الاغتيالات.
لكن الحقيقة تظهر بأن إسرائيل لم تنتصر خلال العقود الأربعة الماضية في أي حرب دارت رحاها بين رجل ورجل حتى مع انتهاكها لجميع القوانين. فكلما وقفت ضد الكيان الإسرائيلي مجموعة متماسكة ومقاومة، فإن إسرائيل لم تنتصر بالرغم من كل الفوارق العسكرية.
وهذا ما شهدناه في حرب لبنان عام 2006 وعدة حروب في غزة. والآن نراهم ومنذ عدة سنوات يبنون الحواجز والجدران حول أنفسهم.
كذلك فإن ما تفعله إسرائيل في فلسطين عمومًا – قتل الناس العزل- ليس له أي قيمة عسكرية.
فقصف غزة وهي لا تملك أي مضاد للطائرات، بطائرات أمريكية حديثة جدًا، لا يسمى أبدًا عملية عسكرية! وإنما انتقام لا يعوض بأي حال من الأحوال فشل الجيش الإسرائيلي والاستخبارات الإسرائيلية في 7 أكتوبر.
إمكانية نظرية المؤامرة وانتشار الحرب؟
بعد أحداث 7 أكتوبر، بدأ البعض يسوق لـ “نظرية المؤامرة” وأن الإسرائيليين وراء أحداث ذلك اليوم.
فهذه الآراء جلها تعود لمن يزعم بأن سلطة إسرائيل وهيمنتها غير قابلة للتدمير.
لكن إذا اضطر نظام أن يحيك مؤامرة بهذه الأبعاد لارتكاس عدوه فيعرض سلطته لمثل هذه العاصفة، فذلك لا يعني حنكته وفطنته وإنما قوة عدوه.
لكن ليس من المستبعد تمامًا أن يبادر من أوجعته أحداث يوم 7 أكتوبر، إلى استغلال الظروف والتخطيط لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية على مستوى العالم.
فهو الآن في موقف محرج ومنشغل بقتل الناس في غزة وقلق من فتح الجبهة اللبنانية.
ولذلك، فرغم أن دخول الضفة الغربية وعرب الداخل في إسرائيل، وإلى حد ما الجبهة اللبنانية، في المعركة ليس مستبعدًا، لكن إمكانية امتداد الحرب إلى أجزاء أخرى من العالم ليست قوية.
لكن النار هي طبيعة الحرب ويمكن أن تمتد شعلتها إلى أماكن أخرى.
ولذلك، فمن الضروري أن نعد العدة ونستعد لها.
استراتيجية إسرائيل في القصف الغاشم على غزة
ما نشهده هذه الأيام في غزة هو استمرار لسياسة إنكار الشعب الفلسطيني وترهيبه، وكذلك قتل المدنيين وتدمير البِنَى التحتية وترك الأراضي المحروقة في انتهاك صارخ لكافة القوانين الدولية.
وقد أكدت وكالات الأمم المتحدة إن هجمات إسرائيل الجديدة خلفت آلاف الضحايا بين شهيد وجريح من المدنيين من بينهم ما لا يقل عن 500 طفل فضلا على نزوح الآلاف. كما وتواصل إسرائيل استخدام الأسلحة المحرمة، بما في ذلك القنابل الفسفورية.
يحاول الإسرائيليون تحويل قطاع غزة إلى أرض غير صالحة للسكن في استراتيجية طويلة المدى، ثم نقل أهلها إلى أراض أخرى مثل مصر عبر الإبادة الجماعية والإبعاد القسري، ونهاية احتلال غزة!
ولربما إنهم كانوا يحملون هذه الفكرة الخبيثة منذ حين وقد سمحت لهم الظروف الجديدة تطبيقها، ولعلهم يطالبون بتدخل مباشر من الولايات المتحدة المباشر لتنفيذ فكرتهم.
دوافع عمليات 7 أكتوبر
يبدو أن عملية الفلسطينيين صممت بدافع تغيير هذه المعادلة بشكل كامل، وإيقاف عملية التطبيع العربي مع إسرائيل ولا سيما السعودية (التي تؤثر على فلسطين مصيرًا وصيرورة)، وكذلك كسر هيمنة إسرائيل الأمنية عسكريًا وبأبعاد غير مسبوقة. ثم الانتقال إلى وضع يمكنهم من تحقيق أكبر عدد من المكاسب -بورقة الأسرى- في المفاوضات المحتملة بعد انتهاء المعركة، ثم ضمان مصالح طويلة المدى إلى جانب تحقيق الاستقرار. وهذا ما نجح حزب الله في تحقيقه إلى حد بعيد في مفاوضات عام 2006.
الكلمة الأخيرة
لو اتخذ العالم خلال السبعين سنة الماضية الموقف الصحيح لما غسل الشعب الفلسطيني ثياب حداده وأعراسه بحمام من الدماء، ولما شهدنا هذه المأساة الكبرى. فالحرب الراهنة هي حرب الرصاص والإرادات. إن غزة اختبار للضمائر المستيقظة والصامتة، وكل قطرة دم تسال في غزة هي عار على الإنسانية.
فإذا وحد الفلسطينيون صفوفهم وكلمتهم واستقرت الدول الإسلامية على دعم فلسطين كما يدعم الغرب إسرائيل، فإن تغيير مصير فلسطين والمنطقة ممكن بالرغم من إرادة القوى العالمية. وفي هذه الحالة سنرى وجهًا جديدًا للمنطقة؛ فمن مصلحة الجميع أن لا يبقوا متفرجين!
إن كل خطوة تتخذ لاستعادة حقوق الفلسطينيين هي استعادة للإنسانية، وسوف تصب في مصلحة الجميع وتزيد من استقرار المنطقة. فإذا أطلق العنان لإسرائيل يجب أن ننتظر كوارث كبرى واستمرار غياب الاستقرار.
علمًا إن 70 عامًا من التاريخ أثبتت أن سياسة العنف لن تجلب الأمن لإسرائيل أبدًا. وأن الإرادة والعزم لن تكسرها الإبادة الجماعية.
فحتى لو تم القضاء على من يحمل السلاح، وهو أمر غير ممكن بالطبع، فإن أطفال اليوم سوف ينهضون غداً ويأخذون بحقوقهم أرضهم.
فهل انتهى كل شيء عندما لم يكن بيد الفلسطينيين سوى الحجارة؟ وما بالك واليوم أصبح الفلسطينيون أقوى من أي وقت مضى.
بقلم أبو الفضل فاتح–شفقنا

