شفقنا العراق-أثارت قضية هجرة أهالي الجنوب نحو كربلاء، لغطا كبيرا في الفترة الأخيرة، خاصة بعد دعوات أطلقت من نواب المحافظة بمنع دخول أهالي الجنوب لها والاستقرار فيها.
ويضمن الدستور العراقي، حرية التنقل والسكن في كل محافظات العراق، دون أي قيود، بما فيها العاصمة بغداد، على عكس ما كان يتبعه النظام السابق، حيث منع التنقل والسكن وخاصة بغداد، ورهنها بوجود صورة قيد تثبت أن المشتري من سكنة بغداد قبل عام 1957.
“فقدت أرضي الزراعية والماشية، ولم يبق لي شيء في ميسان التي ولدت وعشت فيها، كل همي أصبح البحث عن فرصة عمل وسكن لعائلتي”، لخص محمد عواد (53 عاما) معاناته بسبب أزمة الجفاف، لكنه لم يترك مصيره للمجهول، بل قرر التوجه لمحافظة كربلاء للسكن والعمل، تاركا خلفه تاريخ عائلته بالزراعة.
كان عواد، يملك أرضا زراعية مساحتها 2 دونم غزيرة الانتاج، وكانت مصدر دخل ثابت لعائلة، لاسيما وأنه ورثها عن أبيه، تحولت هذه الأرض اليوم إلى جرداء ولم تعد زراعتها توازي ما ينفق عليها بسبب الجفاف.
“الجفاف دمر أغلب الأراضي الزراعية بالمحافظة، الكثير من المزارعين هجروا أرضهم وتوجهوا للبدء بأعمال جديدة، لتوفير القوت اليومي، وهذا الأمر غير متوفر بمدننا، فتوجهنا إلى كربلاء، أنا وبعض من المزارعين الآخرين المقربين مني، بغية البحث عن عمل وتوفير سكن لائق”، هذا ما يقوله عواد.
حركة عمل مستمرة
ويضيف أن “كربلاء من المدن التي تشهد حركة عمل مستمرة بلا توقف، وفيها مواسم زيارات وسياحة كبيرة، وهذه كلها بالنسبة لنا تعتبر عامل جيد لتوفير المال، على عكس المدن الأخرى التي تفتقر إلى الحركة التجارية، فكانت المدينة خيارنا الأول والأخير”.
وحول مصير أرضه، يوضح عواد “تركتها ولم أقم ببيعها، فهي أرض زراعية ممتازة، وكما ورثتها من أبي سيرثها أبني من بعدي، وعسى أن يأتي اليوم الذي تعود فيه الأرض لوضعها السابق وتدر الخير الوفير”.
ويشهد البلد، أقسى أزمة جفاف في تاريخه، حيث اشتدت الأزمة منذ 4 سنوات بسبب تقليل تركيا وإيران للإطلاقات المائية، حيث لم يستلم من تركيا سوى 30 بالمئة من حصته المائية المقررة، فيما قطعت إيران المياه بشكل كامل.
أزمة سكن حقيقية
ويقول علي الميالي، نائب محافظ كربلاء إن “محافظة كربلاء تعاني اليوم من أزمة سكن حقيقية، وبدأت تتولد أحياء سكنية عشوائية غير منظمة”.
ويضيف الميالي، أن “هناك جهات سياسية عملت على استمالة عواطف الناس وكسب ودهم، مما أدى إلى زيادة الهجرة العشوائية في السنوات الاخيرة”، مطالبا وزارة الداخلية بـ”تدقيق تدفق دخول المواطنين من المحافظات الأخرى وعدم التساهل للحفاظ على أمن المدينة، التي عملت الحكومة المحلية على توفره لضمان زيارة العتبات المقدسة فيها”.
تدهور الزراعة
قائممقام مدينة كربلاء حسين المنكوشي، يبين أن “التغييرات المناخية في أغلب مدن العراق والجفاف وقلة الامطار، وخاصة في مناطق الجنوب، وما ترتب عليها من نفوق للحيوانات وتدهور الزراعة، كلها عوامل أدت إلى نزوح أهالي الجنوب نحو كربلاء، حيث وجدوا فيها الملاذ الآمن وفرص العمل”.
ويتابع أن “أهالي الجنوب، وجدوا في أحياء التجاوز بالمحافظة والمناطق الزراعية المملوكة للدولة، ملاذا لهم، لرخص ثمنها، حيث اشتروها وهي عبارة عن عقود زراعية أعطيت لغرض تنمية الزراعة لا بغرض السكن، كما أنها لا تحتوي على أبسط مقومات العيش، لكن جرى استغلالها لضعف تطبيق القانون”.
ويشير إلى أنه “نعمل حاليا على جرد العوائل التي نزحت للمحافظة نتيجة التغير المناخي وايجاد فرص عمل لهم، ووضع برامج بغية تهيئة بيئة آمنة ومستقرة لهم، وفي نهاية هذا العام مطلوب منا توفير احصائيات دقيقة وتقديمها إلى الأمم المتحدة، بشأن العائلات التي نزحت بسبب الجفاف”.
ومنذ أعوام، يشهد العراق هجرات كبيرة من الأرياف إلى المدن بسبب تراجع مناسيب المياه والجفاف، ما أدى إلى انهيار الواقع الزراعي وتدهور تربية الحيوانات.
ارتفاع أسعار العقارات
إلى ذلك، يؤكد زهير الحسناوي، وهو صاحب مكتب عقارات في كربلاء، أن “الهجرة التي شهدتها المحافظة من المحافظات الجنوبية والمجاورة تسببت بارتفاع أسعار العقارات إلى الضعف، كما هناك مجمعات سكنية كثيرة أنشأت على أطراف المدن، إلى جانب مبادرة المصرف العقاري وقرض صندوق الاسكان، فكلها اسباب جعلت من سعر العقار مرتفع”.
ويستطرد أن “سعر الدونم من الأراضي الزراعية، كنا نبيعه سابقه بين 300 – 400 مليون دينار، أما اليوم قفز سعره إلى مليار و600 مليون دينار، وسعر قطعة الأرض كان 15 مليونا واليوم اصبح 50 مليون دينار”،
مؤكدا أن “هناك تقصير من الدولة بتوفير مجمعات سكنية رخيصة الثمن للمواطنين ذوي الدخل المحدود، ما دفع بعضهم إلى اتخاذ أراضي الدولة مكانا للسكن وهو ما يسمى بالتجاوز”.
المصدر: العالم الجديد

