شفقنا العراق ــ يعد نهر أو شط الحلة، من أشهر أنهار العراق والأكثر أهمية من حيث الموارد المائية إذ يبلغ طوله أكثر من 101 كيلومتر مربع، ويرتبط بنهر الفرات، فهو المنبع الرئيس، حيث يبدأ من الحدود الشمالية لمحافظة بابل وينتهي بمحافظة الديوانية.
“ولدت على بعد موجتين من نهرها”، بهذه الكلمات يبدأ الشاعر الحلي الكبير موفق محمد، إحدى قصائده التي تتغنى بنهر مدينته الحلة (مركز محافظة بابل) أو ما يسمى شعبيا بـ”شط الحلة” المتفرع من نهر الفرات، حيث يعد من أهم وأبرز معالم المدينة، قبل أن تتغير ملامحه، متأثرا بالإهمال والتلوث.
ويرتبط نهر الحلة، ارتباطا وثيقا بكافة مجالات المدينة، فهو المسؤول عن ري المزروعات ومياه الشرب، وليس الحلة وحدها، فهو يمتد لمحافظتين أخريين تعتمدان عليه أيضا، لكن التلوث بات يهدده.
معلم من معالم الحلة
ويقول مدير بلدية الحلة أحمد محمد، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “شط الحلة، يعد من الموارد المائية المهمة وأهم معلم من معالم المدينة، لكن كثرة المخالفات أدت لتخريبه، إلا أن الحكومة المحلية تعمل على تبطين الشط”.
ويضيف محمد، أن “إزالة المخالفات من مسؤولية جميع الدوائر وليست فقط البلدية، فالأمر يتعلق بصحة المواطن والبيئة”، موضحا أن “دور البلدية يمتد لما بين 200 – 300 متر، وهي منطقة سوق الخضار، ولدينا صعوبة فيها لأن الكثير من المخالفات تحصل فيها، بسبب الباعة في السوق، ونعمل على ايجاد مواقع بديلة لهم”.
وينوه إلى أن “فرق إزالة التجاوزات تعمل على وضع حد وعقوبات للمتجاوزين وغرامات وفق ما أقره مجلس الوزراء وقدرها 500 ألف دينار، كما باشرت مديرية بلدية الحلة بغلق المطعم العائم (العوامة) الواقع على ضفاف شط الحلة بين جسر باب الحسين وجسر بيلي، بسبب المخالفات التي يرتكبها في الشط”.
تلوث بيئي في نهر الحلة
وكانت جامعة بابل، أعلنت قبل سنوات عن توصل فريق بحثي إلى وجود تلوث بيئي في شط الحلة بـ”مركبات هيدروكربونية”، مشيرة إلى أن هذه المركبات تعد السبب الرئيس للأمراض السرطانية، ولاحظ الفريق البحثي ان هذه المركبات موجودة بتراكيز عالية في النهر والتي تعد مصدرا رئيسيا للتلوث الناتج من صب مخلفات العمليات الصناعية وعمليات حرق الوقود في النهر.
أحمد علي (28 عاما) أحد الباعة في سوق الخضار المطل على شط الحلة، يبين خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “هذا العمل هو مصدر رزقنا، لكن هناك بعض الباعة يقومون برمي التالف من الخضار بالشط لعدم وجود أماكن مخصصة لنا لرمي النفايات، مثل تخصيص حاويات، لذا نناشد الجهات المعنية بتخصيص أمكان لرمي النفايات”.
ويعبر علي عن رفضه “الانتقال إلى مكان أخر، فمنذ سنوات ونحن نعمل هنا وأهالي الحلة يعرفون جيدا المكان والباعة، ويقصدون هذا السوق للتسوق بسبب أن أسعارنا مناسبة”.
يذكر أن من أهم مشاريع الحلة، هو مشروع مجاري الحلة الكبير، المعطل منذ سنوات، وكان مجلس المحافظة السابق أعلن في العام 2014، عن إحالته إلى شركتين محليتين للتنفيذ وبتكلفة 400 مليار دينار، لكن لم ينفذ، ومؤخرا أقر مجلس الوزراء، الاستمرار بالتعاقد بين محافظة بابل وشركة (GCITS Babel Limited)، (ائتلاف الشركات) المشار إليها في قرار مجلس الوزراء (242 لسنة 2020)، بشأن عقد مشروع مجاري الحلة الكبير/ المرحلة الأولى.
مصدر مائي لثلاث محافظات
محافظ بابل، وسام الجبوري، يوضح خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “شط الحلة تقع عليه 70 بالمئة من الأراضي الإروائية ومصادر المياه، مثل محطات الإسالة والزراعية، فالمحافظة تستمد قوتها من هذا الشط، إضافة إلى أن محافظتي الديوانية والسماوة تعتمدان على مياه الشط أيضا”.
ويلفت إلى أن “التجاوزات التي تمس الحالة البيئية للنهر، تمكنا من السيطرة على جزء منها، فكانت هناك مجموعة من الانابيب ترمي المياه الآسنة في الشط، وقد أوقفناها بالتعاون مع الدوائر المعنية مثل مديرية المجاري ودوائر البلدية في الوحدات الادارية التي يمر بها النهر، لكن نعاني من مقطع سوق الخضروات حيث يصعب السيطرة عليهم”.
متابعا “كما المياه الآسنة ومياه الصرف الصحي تتمثل مشكلتها بعدم وجود مشروع للمجاري يحفظ الحالة البيئية الصحيحة للمياه، هذا يشكل لنا عقبة كبيرة”.
ويشير “وفرنا أجهزة رقابية وفرق خاصة بتوجيه من الحكومة المحلية ومجلس حماية وتحسين البيئة، وكلها تحارب بشكل واضح من خلال الغرامات والرسوم وغلق بعض المخالفات، فلابد من توفر الخدمات في المناطق التي يمر بها الشط للحد من المخالفات”.
مكب للنفايات
يذكر أن فريقا بحثا، أكد العام الماضي، عن تعرض شط الحلة إلى مستويات عالية من التلوث وأصبح مكبا للنفايات نتيجة رمي الكثير من فضلات الأسواق والخضر ومياه المحال والحيوانات الميتة، وكذلك المنظفات والمخلفات الطبية وفضلات المطاعم والعلب البلاستيكية والصفائح الكارتونية ومخلفات المنازل وغيرها، محذرا من استمرار التلوث البيئي للشط لأنه سيؤدي لامحالة إلى تفشي الأمراض الوبائية الخطيرة مثل السالمونيلا والتيفوئيد واي كولاي وغيرها من أمراض الجهاز الهضمي والكلى والجلدية والسرطانية.
جدير بالذكر أن هناك العديد من مشاريع إنشاء معامل لإعادة تدوير النفايات وتحويلها إلى مواد صالحة للاستخدام، مثل الأسمدة أو فرز المواد الصلبة فيها، قد طرحت خلال الأعوام الماضية، لكن في العام 2014 وبسبب الأزمة المالية والحرب على تنظيم داعش توقفت أغلبها.
نقاط التلوث
إلى ذلك، يبين مدير بيئة بابل مكي الشمري، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “شط الحلة يعاني من تلوث كبير وتصل نقاط التلوث فيه إلى ثلاثين نقطة، ومديرية بيئة بابل تولي اهتماما كبيرا لموضوع تلوث الشط والمصادرالمائية، خاصة وأن الشط مقامة عليه الكثير من مشاريع الماء، وهذا يجعله بتماس مباشر مع المواطن”.
ويتابع أن “اجراءات البيئة متمثلة بتطبيق القانون البيئي، حيث فرضنا عدة اجراءات منها إزلة نقاط التجاوز مثل مطعم كان مشيد في السابق على الشط وغلقه وفرض غرامة مالية على مديرية مجاري بابل في منطقة الفارسي، وهي إحدى نقاط الصرف الصحي، بغير تغيير مسار هذه النقطة”.
ويستطرد أن “العيادات الطبية المنتشرة على الشط، تساهم أيضا بتلوثه عبر رمي النفايات الاعتيادية والطبية فيه، ما يشكل خطورة كبيرة، وقد طالبنا الحكومة المحلية بإنشاء مجمع كبير بعيد عن الشط للعيادات الطبية، والإلتزام برمي النفايات الطبية وحرقها بالمحارق الطبية الخاصة”.
وكانت شعبة الحد من مخاطر الكوارث في وزارة البيئة، أكدت العام الماضي، أن مليونا و500 ألف متر مكعب ترمى كمخلّفات سائلة في نهر دجلة ببغداد فقط من مصانع ومصاف ومحطات توليد كهرباء ومستشفيات.
ووفقا لتقرير سابق لوزارة البيئة، فإن 42 ألف لتر ترمى في مياه النهر كل ثانية، في حين يتسبب كل لتر منها في تلويث أربع لترات نظيفة.
رفع التجاوزات
بالتوجه، إلى مدير دائرة الموارد المائية في المحافظة فالح السعيدي، فيؤكد خلال حديث لـ”العالم الجديد”، على “رفع التجاوزات عن شط الحلة، ولن نتهاون مع أي متجاوز أي كان”.
وحول مشروع التوسعة، يبين أن “الأتربة الناتجة عن توسعة شط الحلة ضمن مشروع التبطين، تعود إلى بلدية الحلة وعلى البلدية تجهيز مكان لجمعها”، مبينا “كما أن مديرية الموارد تقوم حاليا بهدم جميع بحيرات الأسماك غير المجازة، وهذه الحملة جاءت بأمر من رئيس الوزراء لرفعها بسبب شح المياه”.
ويردف أن “هناك حملة لإزالة كافة التجاوزات على شط الحلة، والتي تعيق العمل بمشروع كورنيش شط الحلة من جهة جسر پيلي (جسر الاطباء)”.
يشار إلى أن شط الحلة ليس الوحيد، إّ برزت أزمة كبيرة تمثلت باجتياح أمراض خطيرة لقضاء الميمونة في محافظة ميسان بسبب تلوث المياه، بعد أن تلوث نهر البتيرة الذي يغذي قرابة 200 ألف نسمة موزعة على عشرات القرى المنتشرة في الأقضية والنواحي الواقعة على ضفافه بشكل كامل بسبب رمي المياه الثقيلة فيه، دون أي عملية تصفية لها، ما أدى الى إصابة المواطنين بالجرب، حيث تم تسجيل أكثر من 550 حالة، والتيفوئيد والتهاب الكبد الفيروسي بواقع 1700 حالة مرضية، فضلا عن أكثر من 3000 اصابة بالإسهال، إضافة إلى أمراض جلدية أخرى
المصدر: العالم الجديد

