
خاص شفقنا- اصبح مفهوم انتظار الفرج واحدا من المفاهيم الرئيسية التي تشكل ثقافة اتباع اهل البيت صلوات الله عليهم في زمن الغيبة ويعمل هذا المفهوم على بناء وقوام الشخصية الولائية من جهتين؛ الاولى: الصبر على البلايا والثانية : الامل بتغير الحال بوقوع الفرج.![]()
وعندما نورق صفحات التاريخ وننظر ماجرى على اهل بيت النبوة عليهم السلام واتباعهم من المصائب والبلاوى ندرك مدى حاجة الانسان للصبر والامل للاستمرار في الحياة والمضي في هذا الدرب المزروع بالاشواك.
وعندما نرجع الى الوراء وبالضبط في تلك الساعة التي بويع امير المؤمنين عليه السلام للخلافة لم يعد الامام اصحابه واتباعه بانهر من عسل بل صعد المنبر وخطب خطبة قال فيها : ” ألا إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة(1) ولتغربلن غربلة(2) حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم (3)، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا، والله ما كتمت وسمة (4) ولا كذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم “.
منذ ذلك الحين والبلايا والمصائب لاتدع ساحة المؤمنين من اتباع امير المؤمنين عليه السلام فقد احتوشتهم البلايا من كل جانب فلايخرجوا من حرب حتى تدهمهم اخرى ولايتفوقوا على فتنة حتى تصيبهم ثانية ولم يمض وقت طويل حتى شنت على امير المؤمنين واتباعه ثلاثة حروب شعواء شقت المسلمين وفرقت صفوفهم وجعلتهم طوائف واهلكت نفوسهم واستنزفت امكاناتهم، ولم يهدء المسلمون حتى بعد الصلح الذي عقده الامام الحسن عليه السلام وبرغم كافة العهود والمواثيق التي اخذها من اعداء الله واعداء رسوله الا ان عملية تصفية ومطاردة اتباع اهل البيت عليهم السلام كانت مستمرة.
وبلغت الجرأة بالمنافقين الذين تلبسوا برداء الدين الى درجة استهداف اهل بيت النبوة وتصفيتهم بتلك الطريقة البشعة التي لم يعرف التاريخ لها مثيلاً في يوم عاشوراء وزادوا من آلام اهل البيت واتباعهم عندما اخذوا نساءهم اسارى كما يفعلون بالكفار والمشركين.
واستمرت مصائب اهل البيت واتباعهم على طول عمر الدولة الاموية وما بعد ذلك يعني في عهد الدولة العباسية التي وجدت في تيار اهل البيت الجارف المنافس الحقيقي لسلطتهم المتآكلة الضعيفة وبرغم ان حركة الائمة الاطهار كانت حركة فكرية ثقافية؛ لاغير! ولم يكن من اهدافها الاستيلاء على السلطة غير ان بني العباس كانوا يجدون الضعف في انفسهم مقابل الولاء الجارف لائمة اهل البيت من قبل جماهير المسلمين.
ولذلك كان الحسد والخوف على ملكهم يدفعهم الى مضايقة الشيعة وقتل من يثبت انتماءه الى هذه الحركة حتى تشرد العلويون واتباع السلالة الطاهرة بين المدن والبلدان، بينما كان اعوان الطغاة والمتجبرين يتعقبوهم ويبحثون عنهم وبتربصون بهم الدوائر ووصل الامر بهم انهم كانوا يبنون بهم الجدران ويلقون بهم في الزنزانات ويرمونهم في الآبار.
وعندما نسمع ونرى مايجري على اتباع اهل البيت عليهم السلام على يد طغاة اليوم نفهم بالضبط معاناة الشيعة الاوائل في تلك الحقب المظلمة التي قل فيها الناصر والمعين فدواعش اليوم لايختلفون كثيراً عن اسيادهم السابقين في مستوى الوحشية ولافي مستوى الانحراف العقائدي الذي تجسده عقيدتهم التكفيرية المتخلفة التي تتناقض تماما مع حقيقة الاسلام الرحيم وتتضارب مع اخلاق نبي الاسلام صلى الله عليه وآله وسلم
ومااشبه اليوم بالبارحة عندما تكالبوا على دولة الامام علي عليه السلام وشنوا عليها الحروب ليعرقلوا بناء الدولة ويقوضوا دعائم اركانها ويشتتوا شملها ويفرقوا صفوفها، وهم اليوم يكررون الامر نفسه، من خلال تدمير البنية التحتية ومحطات الغاز والكهرباء ومصافي النفط في العراق.
لقد اجبر الامام علي عليه السلام على خوض ثلاثة حروب كبرى اضعفت الدولة وساهمت في نشر حالة التذمر والعصيان في البلد ، وبدل من ان تنتشر ثقافة البناء انتشرت افكار الخيانة ، وليس اليوم ببعيد عن تلك الايام ، فاتباع اهل البيت عليهم السلام يواجهون نفس المشاكل والازمات التي عاشها اسلافهم ، وهم اليوم يتعرضون للعدوان على يد قوى الشيطان والباطل ، حيث تستهدف اسواقهم وشوارعهم وحسينياتهم.
وفي زمن يعج بالمصائب والويلات والمآسي وتتكالب فيه الامم علينا وتتفق كلمتها على تدمير هذا البلد وتمزيق وحدته وكسر هيبته، في زمن الغدر وخذلان الصديق الذي وصل الى الحكم على ظهور هذا الشعب المسكين والمضطهد وراح يفكر بمصالحه ومصالح حزبه ويقدمها على مصالح الامة، في مثل هذه الاوضاع لايجد الانسان عوناً للترفع على مثل هذه المشاكل ونزول هذه المصائب سوى الصبر وانتظار الفرج.
فهناك المزيد من الروايات والاحاديث التي تحثنا على الصبر في مثل هذه الأوضاع حتى يأتي الفرج بإذن الله فالإمام علي عليه السلام یقول: “انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله، فإن أحب الأعمال إلى الله عزوجل انتظار الفرج ” (5)
ولافرج یحصل للشيعة والمسلمين كافة الا على يد صاحب الزمان الذي يملاها قسطا وعدلاً بعدما ملأت ظلماً وجورا لكن يجب ان نكون مستعدين لذلك اليوم وان نكون من المنتظرين لمقدمه حتى نؤازره ونمسح عن جبين هذه الامة عار الخيانة الذي ابتليت به بعد الغدر بسبط رسول الله، فقد اعتبر الامام الصادق عليه السلام ان المنتظر للامام المهدي كالمجاهد وقال عليه السلام: المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه (6) وقال علیه السلام فی حديث آخر “من مات منتظرا لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم في فسطاطه، لا بل كان بمنزلة الضارب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف” (7)
وكانت قضية القائم هي من القضايا الرئيسة ذات الاهتمام المشترك لدى عامة الشيعة والمسلمين منذ الأزمان الماضية وكانوا ياتون الى المعصوم ويسألونه عن القائم وماهي صفته وابن اي احد من الائمة يكون؟
فقد نقل عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي محمد بن علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام، وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره ؟ فابتدأني هو فقال: يا أبا القاسم ! إن القائم منا هو المهدي، الذي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمدا بالنبوة، وخصنا بالأمامة، أنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم ، لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا وإن الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى عليه السلام إذ ذهب ليقتبس لأهله نارا فرجع، وهو نبي مرسل، ثم قال عليه السلام: أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج”(8)
بقلم : محمد السيد
================================================
(1) بلبلة الصدر وسواسه
(2) والغربلة أيضا كناية عن الاختبار
(3) والمعنى أنكم لتميزن بالفتن التى ترد عليكم حتى يتميز خياركم من شراركم.
(4) أي ما سترت علامة
(5) محمد باقر – المجلسي – بحار الانوار- مؤسسة الوفاء – بيروت – لبنان- الجزء 52 / 123 / 7 و 122 / 4.
(6) محمد باقر – المجلسي – بحار الانوار- مؤسسة الوفاء – بيروت – لبنان- الجزء 52 / 129 / 24 وص 146 / 69 وص 111 / 20.
(7) نفس المصدر السابق
(8) محمد بن علي بن بابويه القمي – الشيخ الصدوق – كمال الدين وتمام النعمة ج 2 ص 377 ب 36 باب ما روي عن أبي جعفر الثاني محمّد بن علي [ الجواد ] في النصّ على القائم وغيبته وأنّه الثاني عشر من الأئمّة عليهم السلام.

