شفقنا العراق ــــــ في منتصف الليلة الفاصلة بين آخر يوم من ديسمبر/كانون الأول، وأول يوم من يناير/كانون الثاني من كل عام، اعتادت أغلب شعوب العالم على الاحتفال بتوديع سنة وقدوم أخرى جديدة وفقاً للتقويم الميلادي، وبما يعرف برأس السنة الميلادية، ورغم أن هذه اللحظة تبتعد ولو لبضعة أيام عن أعياد الميلاد التي يحتفل بها العالم المسيحي في 25 ديسمبر/كانون الأول و7 يناير/كانون الثاني، لكن الدارسين لتاريخ البشرية وخصائصها الروحية والثقافية، يُجمعون على أن اختيار لحظة زمنية معينة لتكون مَعبرا للمرور بين زمنين يُتخيّل أنهما مختلفان، لا يخلو من ارتباط برواسب قديمة تعود إلى زمن الأساطير والقلق الوجودي الذي يسِم البشرية ويدفعها للبحث عن معالم تساعدها في فهم موقعها من الوجود والكون والزمن.
بين بابل والصين والرومان والمسلمين
لقد جاءت الرسالة السماوية التي بلّغها الأنبياء والرسل منذ بداية الخلق حاملة لخبر يقين يحدّد شكل وطريقة وهيئة بداية الخلق، وآخرها رسالة الإسلام التي تضمّنها القرآن الكريم بما يسرده من تفاصيل الخلق الإلهي للسماوات والأرض، واستخلاف آدم عليه السلام لحمل الرسالة وعمارة الأرض.
لكنّ الثقافة الإنسانية بما انتهت إليه في الزمن الحاضر من مادية وكونية فرضتها الأمم المتغلّبة، لم تسلم من رواسب الماضي القديم من أساطير ومعتقدات ظلّت تحمل الإنسان على محاولة الإمساك بلحظة يستطيع فيها الاعتقاد أنه بصدد تطهير نفسه من أخطاء ومساوئ الماضي وفتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة.
وإذا كان القرن الماضي قد شهد إذعان المجتمعات البشرية في عمومها للتقويم الميلادي الذي بات شبه موحَّد كونيا، وأصبح رأس السنة الميلادية نقطة انطلاق جديدة للسنوات التي يقسّم إليها الزمن البشري، فإن فكرة الاحتفال برأس السنة ليس جديدا ولا مرتبطا بالثقافة الغربية ولا المسيحية.
بل إن المنطقة التي كانت مهدا للإسلام شهدت على مرّ التاريخ -على غرار انطلاق الرسالات السماوية منها إلى جميع بني البشر- مواقع زمنية أخرى للاحتفال برأس السنة. وتتربع على عرش السيادة أربعة تقويمات زمنية في الحياة البشرية الحديثة، إذ تُعتبر الأكبر والأكثر انتشارا، وهي التقويم الصيني والفارسي والميلادي والهجري.
لكن أبرز وأقدم هذه المواعيد السابقة واللاحقة للتقويم الميلادي في الاحتفال برأس السنة هو “التقويم البابلي” الذي يكاد يحوز الإجماع حول أسبقيته في الاحتفال برأس السنة كلحظة للعبور الجماعي من زمن إلى آخر، بما يقتضيه ذلك من طقوس وتقديس وفصل بين مستقبل وماض.
وإلى جانب التقويم الهجري الذي يعتبر المرجع الزمني الأول لأكثر من مليار ونصف مليار مسلم عبر العالم، تعرف المنطقة العربية تقويمات زمنية أخرى متفرعة عن الثقافات المحلية، أشهرها وأكثرها انتشارا هو ما يعرف بعيد “النيروز” المتحدر من رأس السنة البابلية، ورأس السنة القبطية الذي يعتبر امتدادا للتقويم المصري القديم، ثم رأس السنة الأمازيغية التي يُحتفل بها في دول شمال إفريقيا.
يوم الاعتدال الربيعي.. رأس السنة الآشورية
يعتبر التقويم الآشوري أقدم التقويمات القائمة حتى الآن، ويصادف الأول من أبريل/نيسان من كل عام عيد رأس السنة الآشورية الذي يحتفل به كلٌّ من الآشوريين والسريانيين والكلدانيين، وذلك في كل من العراق وتركيا والجزيرة السورية، وفق طقوس خاصة تمتد طيلة اثني عشر يوما.
ويحتفل المسيحيون السوريون بمنطقة الحسكة والقامشلي، كل سنة بعيد “أكيتو” الذي يعني “يوم الأرض” أو رأس السنة وعيد “أكيتو بريخو” الذي يعني ” رأس سنة مبارك”. احتفالات يتميّز بها هؤلاء المسيحيون عن باقي السوريين، بل وحتى عن المسيحيين العرب.
وفي الجانب العراقي، يتم الاحتفال بعيد رأس السنة الآشورية تحت اسم “أكيتو”، ويعتبر المحتفلون هذه المناسبة تذكيرا بتفوقهم التاريخي على الحضارات الإنسانية الأخرى.
يتميّز هذا التقويم بإطلاق أسماء على 10 أشهر فقط في أول الأمر، بينما تُرك الشهران المصادفان لفصل الشتاء دون اسم حتى القرن السابع قبل الميلاد، حيث تمت تسميتهما بشهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط.
وبينما بقيت بعض الطوائف المسيحية في العراق وسوريا تحتفل برأس السنة البابلية والآشورية في الأول من أبريل/نيسان؛ انتقل عيد أكيتو من بابل إلى آشور، ومنها انتقل إلى الكرد والفرس والشعوب الأخرى ليمثل الاحتفال بعيد الربيع، واتَّخذ مسميات أخرى مثل “النوروز” و”النيروز”، الذي يقام في 21 مارس/آذار، الذي يصادف موعد الاعتدال الربيعي ويتزامن مع الأول من أبريل/نيسان البابلي.
ويحل في العام 2022 الميلادي، عام 6772 حسب التقويم الآشوري، وذلك بدءا من شهر نيسان/أبريل القادم. ويدافع ورثة هذا الاحتفال عنه معتبرين إياه التقويم الشرقي الأصلي، لارتباطه بتاريخ حدوث الاعتدال الربيعي وبزوغ سنابل القمح وانطلاق دورة حياة جديدة. ويذهب هؤلاء المدافعون إلى أن احتفالهم هذا سبق احتفال الفراعنة برأس السنة بقرابة 500 عام.
نيروز قبطي.. وفيضان النيل
بعد حوالي 500 عام من التقويم الآشوري، بدأ التقويم القبطي الذي يعتبر تقويما نجميا، يبدأ من يوم 12 سبتمبر/أيلول من كل عام حيث قسم المصريون القدماء السنة إلى 13 شهراً وكل شهر 30 يوماً، والشهر الأخير هو الشهر القصير ويتكون من 5 أو 6 أيام فقط.
ويعني اسم “النيروز” -الذي يطلق على رأس السنة- في اللغة القبطية الأنهار، وهو موعد اكتمال فيضان النيل. وتعد بداية السنة القبطية هي بداية السنة الزراعية في مصر إذ يتبع الفلاح المصري منذ القدم التقويم القبطي في الزراعة الذي يبدأ بشهر “توت”.
وإلى الجنوب من مسار نهر النيل، وتحديدا في إثيوبيا، يجري الاحتفال برأس السنة في الموعد نفسه ، إذ يتخذ الأمر بعدا دينيا مسيحيا أكثر، لكون الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية تعتقد بأن المسيح عليه السلام ولد في غير اليوم الذي تعتقد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أنه ولد فيه، وهو ما يوجِد فرقا مقداره سبع أو ثماني سنوات بين التقويم الإثيوبي والميلادي.
وتعتبر إثيوبيا الدولة الوحيدة في العالم التي لها تقويم خاص بها يختلف عن التقويم الميلادي في عدد الشهور والأيام. ويحرص الإثيوبيون على ارتداء الزي الشعبي في اليوم الأول من العام، وغالبا ما يكون زيا أبيض تفاؤلا واستبشارا بالعام الجديد، فضلا عن نحر الذبائح.
التقويم الصيني
يطلق الصينيون اسم أحد الحيوانات على كل سنة من تقويمهم الخاص الذي يعتبر تقويما قمريا، يعتمده نحو خمس سكان العالم.
ورغم أنه يوصف بالقمري، إلا أنه في حقيقة الأمر تقويم شمسي-قمري، حيث يعتمد على دورتي الشمس والقمر، ويسمى أول يوم “عيد الفانوس” أما ليلة العيد فتعرف باسم “تشوشي”، ويحتفل بها الصينيون حول العالم.
ويعود الأصل التاريخي للسنة الصينية إلى حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وقد وضع أول الأمر لمساعدة المزارعين على معرفة مواسم الزراعة المهمة. وعلى طيلة قرون من التقاليد الزراعية الصينية، كان عيد رأس السنة هو الفترة التي يمكن للمزارعين أن يستريحوا فيها من عملهم بالحقول.
ونتيجة لذلك، اكتسب العيد الصيني تقاليد التجمع العائلي والاحتفالات في أنحاء البلاد. ونمت مع هذه العطلة الزراعية مجموعة من الأطعمة الخاصة مثل الفول السوداني وبذور اللوتس، وطقوس التنظيف المنزلي، والألعاب النارية وتوزيع المعايدات في أظرف حمراء.
وتتكون السنة الصينية من 12 شهراً في الغالب، وتحمل كل سنة اسماً من الأبراج الصينية الـ 12 التي يهتم بها الصينيون كثيراً.
ويعتمد التقويم الصيني على دورتي الشمس والقمر، فتبدأ السنة الصينية كل عام في يوم مختلف، لكن الشهر يتحدد عن طريق حركة القمر. وهو بذلك يختلف عن التقويم الشمسي كما يختلف عن العام القمري الذي يعرف بأنه المدة التي يحتاجها القمر للدوران 12 دورة حول الأرض مثل التقويم الهجري العربي.
رأس السنة الأمازيغية
في منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا عموما، نجد احتفالات شعبية واسعة الانتشار، تتعلّق برأس السنة الأمازيغية، والتي تبلغ هذه السنة (2022) عامها الـ2972، وذلك بدءا من 12 يناير/كانون الثاني المقبل، حيث يجري تبادل التهاني بمقدم السنة الجديدة.
ينقسم المؤرخون حول أصل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية إلى فريقين، فريق يرى أن اختيار هذا التاريخ من يناير/كانون الثاني يرمز للاحتفال بالأرض والزراعة، ما جعلها معروفة باسم “السنة الفلاحية”.
أما الفريق الثاني، فيربطها بالاحتفال بذكرى اليوم الذي انتصر فيه الملك الأمازيغي “شيشناق” على الفرعون المصري “رمسيس الثاني”.
عمليا تشير جل الطقوس والعادات المتبعة في الاحتفال برأس السنة الأمازيغية إلى الأرض وخيراتها، فعادة ما يذبح المحتفلون ديكا قبل غروب شمس آخر يوم من السنة، ليكون طبقا رئيسيا للعشاء.
وتفضل بعض الأسر في الجزائر مثلا إعداد أطباق الكسكسي والشرشرم والرفيس، وتحضير الخبز بالأعشاب، وتناول المكسرات والفواكه المجففة مع توزيع حلويات على الأطفال.
أما في المغرب فتعد الأسر بعض الأطباق المحلية الخاصة ووجبة الكسكسي بالدجاج أو اللحم بسبعة أنواع من الخضر أو أكثر.
وفي الوقت الذي تستمر فيه المطالب باعتماد هذا اليوم عطلة رسمية في المغرب، تعتبر الجزائر أول دولة في شمال أفريقيا تقر رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية، وذلك منذ العام 2018.
التقويم الهجري.. آخر العنقود
من بين جميع التقويمات المعتمدة في العالم، يكاد التقويم الهجري يكون الأكثر انتشارا والأكبر حجما بالنظر إلى عدد المعنيين به، والذين يقدرون بأكثر من مليار ونصف مليار مسلم.
ولا يسلم هذا الموضوع من اختلافات بين العلماء والمذاهب، حيث يحرّم البعض الاحتفال برأس السنة الهجرية باعتباره بدعة، بينما يحث البعض الآخر على ذلك باعتباره استحضارا لذكرى مثقلة بالعبر والمواعظ.
يحتفل المسلمون برأس السنة الهجرية في الفاتح من محرم من كل سنة، وذلك إحياء لذكرى الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. وتعتمد جل الدول الإسلامية هذا اليوم كعطلة رسمية، تتوقف فيه الإدارات الرسمية والمدارس عن العمل.
ويعتمد هذا التقويم الهجري المرجع القمري في احتساب أيام الشهور، مما يجعل السنة الهجرية أقصر من نظيرتها الميلادية بنحو 11 إلى 12 يوما.
المصدر: الجزيرة

