شفقنا العراق-في الكتاب تبيان بأنّ بعض الناس يتصوّر أنّ مفهوم الانتظار مفهوم رجعي جامد يدعونا إلى السكون والسكوت عن الظالمين والعياذ بالله. في حين أن العكس هو الصحيح. فهذه العقيدة وهذا المفهوم هما اللذان يعطيان الأمل والحيوية للإنسان. لأنّ هناك قانوناً أو سنّة إلهية تتمثل في أنّ الذي يكون مظلوماً، أو مع الحق فإنّ الله ناصره. وهذه السُنّة تتحقق في أجلى صورها بالإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، لأنه عبد صالح، ولي لله سبحانه، ومع الحق.
كما أن مناسبة شريفة كريمة تتمثل بميلاد خاتم الأوصياء وإمام العصر والشفيع الذي لا يزال ناظراً ورقيباً الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه مناسبة كهذه لا بدّ أن تكون محطة تزوُّد وانطلاق للمؤمنين الرساليّين، وحافزاً قوياً لهم للتّقدم على طريق التطوّر، والطموح الرّسالي المستمدّ من وجود الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف.
لنهتدِ به إلى الحق
الأولى أن نقول يا حجة الله متى نراك.. لنه هو يرانا ولا نراه فلو عرف الإنسان مستوى درجة الإمامة، ولو عرف أن الإمام والامامة هما الدرجة التي تسبق والتي تلحق درجة النبوّة، فإبراهيم عليه السلام كان نبياً ورسولاً من أولي العزم حينما امتحنه الله سبحانه بأشد الامتحانات؛ وأمره أن يذبح ابنه بيده، وبعد أن اجتاز إبراهيم عليه السلام كل الامتحانات، جعله الله سبحانه إماماً ﴿وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124).
إذا عرفنا ذلك، فلا بد أن نستفيد من هذه المعرفة، ولنتساءل عن كيفية إقامة علاقة حقيقية تربطنا بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكيف نمتّن هذه العلاقة، وهل أن الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الذي لا يريد إقامة مثل هذه العلاقة معنا أم أننا نحن الذين لا نريد ولا نسعى إليها
. بهذه الروحية العالية أقدم لكم مفهوم الانتظار للإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويدعونا لمعرفة هذه الحقيقة، ولمعرفة أنّ مولانا المهدي هو إمام، وأنّه حيّ يعيـش معنــا ويرانا من حيث لا نراه، وأنه مطّلع على أحوالنا ويراقب صفحات أعمالنا التي تعرض عليه يومياً، وأننا بحاجة ماسة إليه، لبركاته لنهتدي به إلى جادّة الحقّ والصواب. ارتبط مفهوم الغيبة ارتباطاً وثيقا بالتاريخ الاسلامي، اذ لم تكن هذه الفكرة وليدة ظرفها بل كانت متأصلة ومتجذرة ابتداءاً من عصر الرسالة، فقد وردت الكثير من دلالاتها في القرآن الكريم والسنة المطهرة. وعليه يجب على كل مؤمن بولاية أهل البيت “عليهم السلام” أن يهيأ نفسه لأنتظار صاحب الامر”عجل الله فرجه .
ففي القرآن الكريم جاءت آيات بينات لاريب فيها ولا شك تنص على الغيبة
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(سورة الانبياء: الآية 105.)، قد اكد الطبرسي في كتابه مجمع البيان ما تحمله هذه الآية من بعد زمني لكون الارض تلك المساحة الواسعة مهما خضعت لحكم الاقوياء، فان دولة الظالم لا تدوم وسرعان ما يتحقق الوعد الالهي بوجود دولة يحكمها الصالحون
مما لا شك فيه ان قضيّة الإمام المهدي بن الحسن العسكري(عليهم السلام) اخذت موقعاً بارزاً في الفكر والتراث ، وهي لا تختص بمذهب دون مذهب؛ فعند الاطلاع على المصادر الإسلاميّة لمختلف المذاهب نلاحظ حضوراً لقضيّة الإمام الحجة، والروايات موجودة في مختلف كتب المسلمين، وهي ليست رواية أو روايتين، بل هي من حيث الإجمال وبغض النظر عن درجاتها من حيث السند والاعتبار تصل إلى المئات، وكلّها تؤكّد على ثبوت هذه الحقيقة، وإن النبي الاكرم محمد (صلى الله عليه وآله) قد بشّر أمته بمجيء رجل من أهل بيته يكون به ختام الدنيا، حيث يقيم حضارة العدل والحق. ومن الأمور التي حظيت باهتمام بارز وموقعية واضحة في التراث الإسلامي مسألة (الإمام المهدي المنتظر) الذي يلحظ الإشارة إليه، والتبشير بخروجه في آخر الزمان في كل كتب الحديث عند المسلمين، وهي روايات متكاثرة ومتواترة ولا يمكن إنكارها وتؤكد هذه الأحاديث الشريفة على حتمية خروج رجل من أهل البيت (عليهم السلام) في آخر الزمان، ومن ولُد فاطمة (عليها السلام) تحديداً، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ما ملت ظلماً وجوراً.
عن إسحاق بن يعقوب أنه ورد عليه من الناحية المقدّسة( الحجه ابن الحسن عج) على يد محمد بن عثمان السفير الثاني وأما علة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عزّ وجلّ يقول :
{ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } ، إنه لم يكن أحدٌ من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعةٌ لطاغية زمانه ، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعةَ لأحدٍ من الطواغيت في عنقي
وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب ، وإني لأمانٌ لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمانٌ لأهل السماء ، فاغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم !.. ولا تتكلّفوا على ما قد كُفيتم !.. وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج !.. فإنّ ذلك فرجكم ، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب !.. وعلى من اتّبع الهدى . المصدر الاحتجاج ص 92
قد سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كيفية الانتفاع بالإمام المهدي (عليه السلام) في غيبته ، فقال : ( إي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها السحاب ) ( إكمال الدين 1 / 253 ) .
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال ـ بعد أن سئل عن كيفية انتفاع الناس بالحجة الغائب المستور ـ : (كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب ) ( إكمال الدين 1 / 207 ) .
وروي أنه خرج من الناحية المقدسة إلى إسحاق بن يعقوب على يد محمد بن عثمان : ( وأما وجه الإنتفاع بي في غيبتي ، فكالإنتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب ) ( إكمال الدين 2 / 485 ، الإحتجاج 2 / 284 ) . فيمكن أن يقال : إن الشبه بين مهدي هذه الأمة وبين الشمس المجلّلة بالسحاب من عدّة وجوه :
1 ـ المهدي (عليه السلام) كالشمس في عموم النفع ، فنور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسطه .
2 ـ إن منكر وجود المهدي (عليه السلام) كمنكر وجود الشمس إذا غيبها السحاب عن الأبصار .
3 ـ إن الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كل آن انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر ، فكذلك في أيام غيبته (عليه السلام) ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كل وقت وزمان ولا ييأسون منه .
4 ـ إن الشمس قد تخرج من السحاب على البعض دون الآخر ، فكذلك يمكن أن يظهر في غيبته لبعض الخلق دون البعض .
5 ـ إن شعاع الشمس يدخل البيوت بقدر ما فيها من النوافذ وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع ، فكذلك الخلق إنما ينتفعون بأنوار هدايته بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسهم ومشاعرهم من الشهوات النفسية والعلائق الجسمانية والإلتزام بأوامر الله والتجنب عن معاصيه ، إلى أن ينتهي الأمر حيث يكون بمنزلة مَن هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب
الشرح
أن غرض الأمثلة تقريب الأمر إلى ذهن السائل, خاصّة ً إذا كان مطلباً صعب المنال وهذه الطريقة هي طريقة الأنبياء والأئمة في بيان المعارف عن طريق المثال الحسي ولذا ترى كلامهم سهل المنال حتى على البسطاء بخلاف كلام الفلاسفة المنصب بقالب العقليات المجردة.
والتمثيل بالشمس المغيبة بالسحاب تمثيل بأمر حسي لتقريب ذهن السائل إلى وجود فائدة وأثر وظيفة للإمام غير بيان الشريعة ظاهراً, بل إن له التأثير الوجودي والتلقي منه للفائدة يكون عن طريق الإفاضة الوجودية, فإذا فهمنا ذلك سوف نفهم سبب التمثيل بالشمس.
وإنا لنلاحظ أن البون شاسع بيننا في فهم معنى الإمامة وسعة وظائفها، فإن الإمام عندنا خليفة الله والواسطة بين السماء والأرض وواسطة الفيض وثبت له كل ما ثبت للنبي (صلى الله عليه وآله)، فهو يقوم مقامه فله الولاية التكوينية والهداية التكوينية فضلاً عن الولاية التشريعية والهداية التشريعية ظاهراً، والحكومة والإمرة في الدنيا شأن من شؤون الإمامة ثبتت له كما ثبتت له المناصب والوظائف السابقة, ومن هنا حصر الإمامة بالولاية الشرعية والقيادة السياسية
ينبغي الاستفادة من الثقافة المهدويّة في بناء الكفاءة استعداداً للمشاركة في بناء الواقع والمستقبل الموعود؛ فإن المؤمن الذي ينتظر أن تملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويتطلّع لإزالة الظلم والجور عنها ينبغي أن يهيّأ نفسه بالكفاءة والقدرات ليكون جزءاً من عمليّة تحقيق هذا الوعد الإلهيّ كما نقرأ في فقرات الدعاء:
“اللَّهُمَّ إِنَّا نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ، تُعِزُّ بِهَا الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفَاقَ وَأَهْلَهُ، وتَجْعَلُنَا فِيهَا مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى طَاعَتِكَ، وَالْقَادَةِ فِي سَبِيلِكَ، وَتَرْزُقُنَا بِهَا كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة [دعاء الإفتتاح ].
جعلنا الله وإياكم من المتمسكين بولايتهم والمدافعين عنهم ورفع الله عنّا وعنكم كل شكف وشبهة .
الشيخ احمد الساعدي/كتابات في الميزان
————————
المقالات والتقارير المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–

