شفقنا العراق-بلغت الخطوات الدبلوماسية التي اتخذتها “الإمارات”، على مدى الأسابيع الماضية؛ المحطة الإيرانية. إذ قام الشيخ “طحنون بن زايد”، مستشار الأمن القومي الإماراتي، بزيارة العاصمة “طهران” أمس الإثنين، في زيارة هى الأولى من نوعها يقوم بها مسؤول إماراتي رفيع إلى “إيران”، منذ العام 2016م.
تأتي هذه الزيارة بعد جولة، “علي باقري”، نائب وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية، في “الإمارات” و”الكويت”، بتاريخ 26 تشرين ثان/نوفمبر الماضي؛ حيث التقى “أنور قرقاش”، وزير الدولة للشؤون الخارجية. آنذاك؛ صرح “باقري”، قائلًا: “اتفق الطرفان على فتح آفاق جديدة في العلاقات مع الكويت والإمارات”. بحسب تقرير “آرمين منتظري”؛ في صحيفة (اعتماد) الإصلاحية الإيرانية.
زيارة نادرة قبل “مفاوضات فيينا”..
يُذكر أن “الإمارات” كانت قد خفضت، في العام 2016م، مستوى العلاقات مع “إيران”، إثر هجوم بعض العناصر المتشددة على مبنى “السفارة السعودية”، في “طهران”؛ احتجاجًا على إعدام رجل ديني شيعي سعودي.
وحاليًا؛ تبدو “الإمارات” ماضية في توجهاتها الإقليمية الجديدة وتميل في إطار استمرار ملف المباحثات “الإيرانية-السعودية” إلى تطوير مستوى علاقاتها مع “طهران”.
ووفق الموقع الإعلامي (نور نيوز)؛ التقى الشيخ “طحنون”، شقيق ولي عهد “أبوظبي”، مع “علي شمخاني”، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. كما التقى، “باقري”، مع “طحنون”، قبيل إنطلاق الجولة الجديدة من المفاوضات النووية في “فيينا”.
مرحلة تخفيض التوتر..
وكانت العلاقات “الإماراتية-الإيرانية” قد دخلت، في الفترة: (2016 – 2018م)، حالة من السكون الكامل، وفي العام 2019م؛ سعت “الإمارات” مجددًا إلى اتخاذ عدد من الخطوات التي من شأنها تحسين العلاقات مع “إيران”، وذلك بعد هجمات المقاومة اليمنية على ناقلات “النفط” في الخليج والمنشآت النفطية في “المملكة العربية السعودية”.
وفي نيسان/إبريل من العام 2021م؛ بدأت “السعودية” مفاوضات مباشرة مع الجانب الإيراني؛ للقضاء على المشكلات العالقة.
وقبل نحو شهر؛ أكد “أنور قرقاش”، في تصريح إلى وكالة أنباء (رويترز)، عزم “الإمارات” خفض مستوى التوتر مع “إيران”، باعتباره جزء من السياسات الدبلوماسية الإماراتية؛ وقال: “رغم السبق الإماراتي للحد من التوتر مع إيران، لكن ما تزال أبوظبي تتخوف من السلوكيات الإيرانية في دول: كالعراق وسوريا واليمن ولبنان، لكن المواجهة بين الطرفين سوف تفرض على كل دول المنطقة تكلفة باهظة”.
دول الخليج والاتفاق النووي..
وتأتي زيارة الشيخ “طحنون” الحالية، إلى “طهران”، بعد أيام من المفاوضات الإيرانية غير المباشرة مع “الولايات المتحدة”، في “فيينا”؛ على خلفية إحياء “الاتفاق النووي”.
وكانت المفاوضات قد انتهت، الجمعة الماضي، بإعلان الأطراف الأوروبية و”الولايات المتحدة” رفض المقترحات الإيرانية، مع التأكيد على استئناف المفاوضات مرة أخرى، خلال الأسبوع الجاري.
وتعتقد القيادات الإماراتية؛ أمثال “قرقاش”؛ في تباطؤ مسار تحسين العلاقات مع “إيران”، لكنه سيُكلل بالنجاح في نهاية الأمر. وتتابع دول الخليج مسار المفاوضات النووية في “فيينا” بحذر وترقب.
وتعتقد دول: “الإمارات” و”السعودية”؛ أن “الاتفاق النووي” منقوص؛ لأنه لا يشمل البرنامج الصاروخي الإيراني وشبكات الحرب بالوكالة في المنطقة. مع هذا لا تُعارض تلك الدول استمرار المفاوضات وجهود إحياء “الاتفاق النووي”.
احتواء تهديدات “طالبان”..
وأغلب الظن أن التطورات الأفغانية ستكون أحد محاور مباحثات الشيخ “طحنون” في “إيران”. فما يجري على الأراضي الأفغانية يُثير المخاوف الإمارتية من جهتين، الأولى: ظهور الفاصل المتشددة في المنطقة، والثانية: تغير دور “الولايات المتحدة” في المنطقة.
وتوصل الإماراتيون، قبل سنوات؛ إلى حقيقة أن صراع الفصائل الإسلامية المتشددة في المنطقة، يُهدد مصالحها الاقتصادية والسياسية. في حين كانت “الإمارات” تُعارض خلال السنوات الماضية؛ أي حركة إسلامية متشددة، ويمكن مشاهدة هذه السياسة الإماراتية في “السودان”، وكذلك مواجهة نشاط حركة “الإخوان المسلمين”.
وإنطلاقًا من اشتراك الحدود “الأفغانية-الإيرانية”، تولي “الإمارات” أهمية حيوية للمفاوضات مع “إيران”؛ بشأن احتواء تهديدات (طالبان) المحتملة.
أضف إلى ذلك، تأثير تغير الدور الأميركي بالمنطقة على دول: كـ”الإمارات”، التي تعمل على تغير توجهات سياساتها الخارجية وبناء تحالفات جديدة.
من الموضوعات الأخرى التي من المحتمل مناقشتها بين الجانبين، مسألة العلاقات “الإماراتية-الإسرائيلية”. وقد سعت “إيران”، منذ وقعت “الإمارات” اتفاقية السلام مع “الكيان الصهيوني”، إلى التعامل مع هذه المسألة بحذر، بحيث لا تتحول إلى ذريعة للتوتر مع دول كـ”الإمارات”.
واعتمدت مواقف جهاز السياسة الخارجية الإيرانية مبدأ حسن الجوار. لكن من البديهي أن تتخوف “إيران” أمنيًا واستخباراتيًا إزاء العلاقات “الإماراتية-الإسرائيلية”، على شاكلة وجود المسؤولين الصهاينة الفعال في “الإمارات”؛ واحتمالات بناء قواعد تجسس وعمليات سيبيرانية إسرائيلية في “الإمارات” وغيرها. لكن يبدو أن “إيران” تميل للحديث حول هذه المخاوف في لقاءات خاصة.
وفي هذا الصدد، أجرت صحيفة (آرمان ملي) الإصلاحية الإيرانية؛ الحوار التالي مع، “دياكو حسيني”؛ محلل السياسات الخارجية، للحديث عن مراحل تذبذب العلاقات “الإيرانية-الإماراتية” وإرتباطها بـ”الاتفاق النووي”…
التغيرات الأمنية بالمنطقة ومدى الاعتماد على “واشنطن”..
“آرمان ملي” : هل ترتبط زيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي بمفاوضات إحياء “الاتفاق النووي” ؟
“دياكو حسيني” : اتضح في فترة “دونالد ترامب”؛ أن فرض الضغوط على “إيران” لن يؤدي إلى تغيير سياسات “طهران” تجاه عدد من القضايا التي تنطوي على جوانب أمنية بالنسبة لـ”الجمهورية الإيرانية”.
من ثم أقتنعت دول المنطقة بأنها تضررت بفكرة أن التعاون مع “الولايات المتحدة” قد يؤدي إلى تغيير السلوكيات الإيرانية. واكتملت هذه القناعة في فترة، “جو بايدن”؛ الذي أبدى ميلًا من جهة أخرى للحد من التوتر بين “إيران والسعودية والإمارات”. لأن هذا التوجه قد يساعد من منظور إدارة “بايدن” في حلحلة أزمة “الاتفاق النووي”.
وأيقنت إدارة “بايدن” عجزها عن التفاوض مع “إيران” بخصوص القضايا الإقليمية، لذا من الأفضل الحد من التوتر الإيراني مع دول المنطقة.
وكانت المقاومة الإيرانية بخصوص عدم التفاوض مع “الولايات المتحدة” الخاصة بقضايا المنطقة مؤثرة. وأدركت دول المنطقة أن الإدارة الأميركية لن تعمل، خلال السنوات الثلاث المقبلة؛ على رفع مستويات التوتر مع “إيران”، وأن المفاوضات سوف تقود رغم التذبذب الكبير إلى إحياء “الاتفاق النووي”.
وعليه؛ لو لم توفق دول المنطقة نفسها مع هذه الحقائق، فسوف تتخلف عن الشكل الجديد الذي يتبلور في العالم. بالوقت نفسه تسبب إنتهاء الحرب السورية وفشل الحرب اليمنية، (بغض النظر عن السياسات الأميركية)، في بحث دول المنطقة عن حلول داخلية لتلكم الأزمات.
وتحرك الدول العربية الهاديء باتجاه “سوريا” كان سببًا في اكتساب العلاقات بالمنطقة؛ شكلًا جديدًا لا يقتصر على “إيران” و”الإمارات”.
وبنظرة أشمل للأحدث في “سوريا” و”اليمن” لم تكن في صالح “الولايات المتحدة” وحلفاءها، ناهيك عن إجبارها على الخروج من “أفغانستان”.
كل هذه التطورات دفعت دول المنطقة إلى عدم الاعتماد على “الولايات المتحدة”؛ فيما يخص الحوزة الأمنية كالسابق، والتركيز في تعاملاتها مع الدول الكبرى بالمنطقة بدلًا من “الولايات المتحدة”.
مشاكل حدودية..
“آرمان ملي” : هل تحول الإدعاءات الإماراتية بخصوص الجزر الإيرانية، إلى عقبة في مسار ترميم العلاقات بين البلدين ؟
“دياكو حسيني” : الإدعاءات الإماراتية بخصوص الجزر الإيرانية؛ مسألة ليست جديدة وتعود إلى سنوات ولا تتعلق بتوتر العلاقات خلال السنوات الأخيرة. والواضح أن الخلافات الحدودية كانت سببًا في مشكلة بين “إيران” و”الإمارات”، لكن بالوقت نفسه طوت العلاقات “الإيرانية-الإماراتية” مسارها العادي.
ولا أتوقع أن تؤدي التحركات الإماراتية تجاه “إيران” إلى حلحلة كل الاختلافات العالقة. لكن يمكن توقع بالنظر إلى الإمكانيات الكبيرة للتعاون بين البلدين، أن يظل مستوى العلاقات بمنأى عن التوترات الأخيرة كما الفترة السابقة.
إسرائيل والعلاقات “الإيرانية-الإماراتية”..
“آرمان ملي” : هل يمكن مستقبلًا توطيد العلاقات بين “إيران” و”الإمارات” بالنظر إلى التطبيع الإماراتي مع “إسرائيل” ؟
“دياكو حسيني” : يُدرك الطرف الإيراني أن أحد أسباب التطبيع الإماراتي مع “إسرائيل” كان ارتفاع معدلات التوتر بين “طهران” و”أبوظبي”.
إذ ساهم هذا التوتر في تدخل “الولايات المتحدة” وتحفيز “الإمارات”، بصحبة “البحرين”؛ إلى بناء علاقات سياسية مع “إسرائيل”. ولو تُريد “إيران” الحد من العلاقات “الإماراتية-الإسرائيلية”، فسيكون عليها القيام بخطوات من شأنها عودة العلاقات الإماراتية مع “إيران” إلى الشكل العادي.
وهذا غير ممكن؛ إلا من خلال مسار تقوية التعاملات الدبلوماسية وتطوير العلاقات التجارية بين البلدين. من ثم لن تتحول العلاقات “الإماراتية-الإسرائيلية”، على المدى القصير؛ إلى عامل للحد من التوتر، لكن حال دخول التعاون الإماراتي مع “إسرائيل” المراحل الأمنية والعسكرية، فسوف تتراجع بالقطع حرارة العلاقات الإيرانية مع “الإمارات”.
ترجمة د. محمد بناية
————————
المقالات والتقارير المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–

