آخر الأخبار

المالية تقر مسودة مشروع الدليل الوطني لموازنة البرامج والأداء

شفقنا العراق - أعلنت وزارة المالية، اليوم الخميس، إقرار...

الشمري يؤكد رفض العراق لأي اختراق لسيادته وعدم تهديد دول الجوار

شفقنا العراق - أكد مدير مكتب القائد العام للقوات...

الحلبوسي يبحث مع حسين ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة

شفقنا العراق - بحث رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي،...

الزيدي يبحث مع المالكي استكمال تشكيل الكابينة الوزارية

شفقنا العراق- بحث رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي،...

من هدي الأئمة.. المرجعية الفكرية للإمام علي بن موسى الرضا

شفقنا العراق- شكّل الإمام الرضا عليه السلام في مقابل...

تفجير إسرائيلي ضخم في بلدة الطيبة

شفقنا العراق - نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرًا ضخمًا في...

أنصار الله​ تستهدف مصفاة سعودية بطائرتين مسيّرتين

شفقنا العراق - ذكرت قناة "العربية"، أنّ "حركة "​أنصار...

النعمان: الوفد الأمني الزائر للسعودية يناقش أمن الحدود والتنسيق الاستخباري

شفقنا العراق - أكد الناطق باسم القائد العام للقوات...

استشهاد مدير شرطة غزة في قصف إسرائيلي

شفقنا العراق- أعلنت وزارة الداخلية في قطاع غزة، اليوم،...

وزارة العدل توضح ما حدث في سجن الحلة الإصلاحي

شفقنا العراق- فيما أكدت أن الوضع مستقر وتحت السيطرة...

وزير العدل السوري: تشكيل لجان عراقية سورية لبحث ملف معتقلي داعش

شفقنا العراق - أكد وزير العدل السوري مظهر عبد...

ما المراد من ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؟

شفقنا العراق-معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ...

دور الإمام الرضا في نشر الإسلام وتربية الصفوة العلمية

شفقنا العراق- قد أثمر تربية الإمام الرضا لجيل من...

زيدان يبحث مع الرئيس السوري التعاون في المجالين القضائي والقانوني

شفقنا العراق - استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع اليوم...

خبير قانوني: زيارة زيدان إلى سوريا تعزز التنسيق القضائي وتخدم المصالح المشتركة

شفقنا العراق-أكد خبير قانوني أن زيارة رئيس مجلس القضاء...

الداخلية تضع المبنى الجديد لإصدار البطاقة الوطنية في الناصرية بالخدمة

شفقنا العراق - وضعت وزارة الداخلية المبنى الجديد لإصدار...

مكتب السيد السيستاني يحدد موعد غرة شهر ربيع الاول لعام 1448 للهجرة

شفقنا العراق- حدد مكتبُ المرجع الديني الأعلى السيد علي...

وزير الدفاع السعودي يؤكد وقوف بلاده إلى جانب العراق

شفقنا العراق - أكد وزير الدفاع السعودي خالد بن...

العراق وتركيا يبحثان آليات تنفيذ الأحكام واسترداد الأموال والمدانين بالفساد

شفقنا العراق- تتجه بغداد وأنقرة إلى تعزيز التعاون في...

رئيس أركان الجيش يستقبل قادة جدد ويؤكد أهمية تطوير الأداء العسكري

شفقنا العراق- شدد رئيس أركان الجيش الفريق أول قوات...

نواب: القوات العراقية جاهزة لمرحلة ما بعد التحالف الدولي

شفقنا العراق- يدخل العراق مرحلة جديدة مع اقتراب الموعد...

داخل صهريج فارغ.. إحباط تهريب 45 ألف حبة مخدرة من سوريا

شفقنا العراق- أحبطت الهيئة العامة للجمارك، اليوم الخميس، محاولة...

أربعة ملفات تشريعية تتقدم داخل البرلمان.. طعون عضوية النواب تبقى معلقة

شفقنا العراق-شهدت جلسة مجلس النواب استكمال إجراءات تشريعية شملت...

العراق وبريطانيا يبحثان تهدئة التوترات وتعزيز التعاون

شفقنا العراق-بحث رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي مع...

تنظيم ورشة الذكاء الاصطناعي وإدارة حشود زيارة الأربعين برعاية العتبة الكاظمية

شفقنا العراق- نظمت العتبة الكاظمية المقدسة الورشة التخصصية بعنوان:...

السيد السيستاني.. الصقر الذي حمل أمة على راحتيه

شفقنا العراق- قدر لي في سني التغرُّب التي ابتليت بها أسوة بكثير من العراقيين أن أعمل في غير بلاد هربًا من مكروه طرق بابي أو كاد، وسعيًا وراء لقمة تحفظ كرامتي، كان من بينها دولة لم أسمع بها من قبل وهي النيجر، وفيها كانت أيامي أشد سوادًا من حنك الغراب، فلا صحب من أبناء البلاد أجاذبهم أحزان الغربة ومآسيها، أو أسمر معهم. ولا رفقة تنظر بعين المودة لهذا المُغَرَّب الذي أحسن إليها، وأساءت إليه باتهامه بعديد التهم لأنه جاء بزعمهم من العراق كي يفسد عقيدة الطلاب ويحولهم عن مذهبهم.

وقبل غروب شمس يوم من أيام رمضان من سنة 1996م شعرت ببركان يتفجر في أنحاء جسدي بسبب ما تناهى إلى سمعي مما يعانيه أبناء بلدي من وعوز ومآس في ذلك الشهر، وبسبب نكد تلك الغربة التي ما مررت بمثلها من قبل، فكتبت مقالة بعنوان «زمن الصقور»، نفست فيها عن حزن وغضب، وتمنيت من بين ما تمنيت أن يبعث الله لذلك الشعب المنكوب صقرًا من زمن مرَّ ولم يعد يستطيع انتشاله من همومه، ويأخذ بيده إلى شاطئ الأمن والعدل والمساواة، ويفرج كربته، ويعيد مُغَرَّبيه، ويحول حياته إلى وارف لا سموم فيه، ويغلب سلطة الحق على الباطل الذي استشرى آنذاك كالسرطان في كل زوايا البلاد، ومزقها شر ممزق، وأدى إلى رحيل من استطاع الرحيل من خيرة كوادرها، واستشهاد من رزق الشهادة بها.

ومرت سنيات تنقلت فيها من غربة إلى أخرى، ولم يفارقني الأمل آنذاك بتحقيق معجزة الصقر، وفي عنفوان ذلك البلاء اجتاحت البلاد جيوش الاحتلال، وهوى الصنم على رأسه، وعلى الرغم من هول ما حدث فقد أمَّلنا خيرًا، وحلمنا وحق لنا احلم؛ ولكن عتمة خيمت ألجمت العقول عن التفكير؛ فبدلاً من اتحاد كلمة أبنائه، وحرصهم على أمواله ساد هرج ومرج كان لزامًا أن يسودا، بسبب أوجاع الماضي ومآسيه، وانشغل بعض المحرومين بنهب الفتات، وطغى اللصوص المحترفون في جنباته طغيانًا لم تعرفه إلاَّ عصور الاجتياح التتري. وقبل أن تهدأ تلك الموجة العاتية بدأ الأخوة من كل الطوائف بالاقتتال فيما بينهم، هذا ينظر إلى ماضيه يوم حكم، وذاك يتحدث عن حقه الذي سلب منه منذ قرون، وبين هذا وذاك تطالعت رؤوس الشياطين كي تجد مكانًا لها وسط ذلك المولد الكبير، وتأججت نار كادت تحرق البقية الباقية من الأخضر، وشاركت مجاميع ممن لا يعرفهم أحد من قبل ادَّعت الوعي وحب الوطن والإخلاص له بكل تلك المصائب التي دفعت كثيرين إلى اليأس والقنوط، وعلى الرغم من أصوات المخلصين من كل الطوائف والتيارات التي نظرت إلى المستقبل بعين الماضي كي يعتبر الآخرون، فإن أصواتها لم تسمع لأن الضجيج كان يصم الآذان؛ فمزقت أجساد، وهدمت مساكن، وهجرت أسر، وتباكت دول على الشعب المنكوب في الوقت الذي شاركت بتدميره. ومن عجيبات الأحداث أن آلافًا مؤلفة من كل طوائفه ذبحت وتذبح باسم الجهاد وحب الوطن والدفاع عن حقوقه، وجميع من شارك بتلك المجازر بريء من كل القيم الإنسانية والسماوية. وكلما مرت الأيام وحلم الشعب الذي لا يد له بما حدث ويحدث بكوة نور تبزغ من جديد نالته يد الإرهاب برياحها السود السَّموم من حيث لا يحتسب، وهكذا ما مرّ يوم إلا ورأينا سرادقات عزاء تنصب في هذه المدينة أو تلك، وأصوات تمزق الصخر أسى وحزنًا، ولا نسمع من حكومتنا الرشيدة المنتخبة غير الشجب والاستنكار، وغير التهم المتبادلة بين هذا وذاك، إلى أن طفح الكيل، وما عاد للمخلصين من أصحاب الفكر والكفاءة قدرة على الاعتراض أو إبداء المشورة والرأي بعد أن بحت أصواتهم.

ويوم ضجت البلاد بالنكبات، وبلغت فيها الروح الحلقوم، رفرف لإمام الصقر الحلم في سماء البلاد فجأة كي ينتشلها من كبوتها على الرغم من هول الحصار الذي فرض عليه، فكان العون والسند لها أمام موجات للاوعي التي اجتاحتها بعد انتهاء عصر الطاغية، وكان قوة ضاربة لم يستطع الطغيان بكل جبروته أن يقف في وجهها.

ووسط ذلك الحريق الذي لم ينطفئ بعد، شمخ الصقر مرَّات فوق الركام والحرائق وأوجاع الملايين على الرغم من وهن الجسد، والثمانين التي تجاوزها فحمل هموم العراقيين وأوجاعهم ومأساتهم هكذا على راحتيه، واستطاع بكل سماحة الإسلام إقناع جميع طوائفهم بقدرته على معالجة أوجاعهم وتضميد جراحهم وانتشالهم من كبوتهم إن استمعوا إلى نداء العقل والحكمة والرشاد، وسرعان ما التفَّ السواد الأعظم من حوله، فقد وجدوا فيه الرجل الذي لا تشوب سلوكه شائبة، وليس للآخر فيه من مطمع،لا تلين عريكته، ولا تكسر شوكته، قنع من الدنيا بحطامها، ولا هو من الساسة كي تتلاعب به السياسة بلعبتها، ولا هو وجه لطائفة كي تضربه بأخرى، ولا هو طامع بأمر فيشترى بتحقيقه له، ولا هو يقبل مالاً من أحد فقد اكتفى بالكفاف منذ أن كان، واستمر طاهر الرداء نقي النفس عظيم المقام في نفوس الجميع.

وزارته نخب من أقطار الدنيا تحتل واجهة الثقافة والفكر والسياسة، ولم تكن قبل دخولها عليه تظنه بذلك الشموخ فكرًا ووعيًا ومعرفة بأحابيل السياسة، فبهرها بكل ذلك، حتى كادت تتصاغر أمام علمه وحكمته وبعد نظره ومعرفته بخبايا الأمور، وساد شعور غريب بينهم حول مصدر هذه الطاقة الجبارة التي تتفجر في جنبات هذا التقي العابد الزاهد الواهن الجسد، واحتل ما بين عشية وضحاها واجهة أخبار العالم، بل كان مبعث حيرة العالم وتساؤله وانبهاره، كيف يستطيع من بيته الذي بالكاد تصل إليه الشمس أن يكون بكل تلك الحكمة والشجاعة وذلك الشموخ، ومن أين استمد قوته الجبارة التي تدعو إلى الذهول، كيف استطاع تحريك الملايين بأسطر معدودات من دون حاجة إلى أبواق السياسة المرئية والمكتوبة والمسموعة التي لا يملكها كي يوصل صوته من خلالها.

وفي خضم غياب الوعي وانهيار الدولة لم يجد المخلصون من ملجأ لحفظ ما يمكن حفظه من المال العام إلا ذلك الرجل الذي اتفقت البلاد على عدالته وحرصه يستفتونه في أمورهم، ويلجأون إليه في الأزمات، فتساقطت فتاواه كحجارة من سجِّيل على رؤوس اللصوص وقطاع الطرق من السياسيين وغيرهم، وتلاحقت؛ فلا يجوز الاستحواذ على الممتلكات العامة، ولا يجوز أخذ شيء منها، ومن أخذ فهو ضامن لها، ويحرم التعامل بها، ولابد من التحفظ عليها وتسليمها لاحقًا إلى الجهات ذات الصلاحية، ولا يجوز الاستيلاء على البنايات الحكومية الفارغة أو السكن بها، ولا يجوز توزيع محرمات البلديات أو البناء بها، ولا يجوز استعمال بعض الممتلكات المسروقة في إطار الخدمة العامة. ولا يجوز شراء المواد الغذائية والمواد الأولية من المعادن وغيرها وتهريبها إلى الخارج، ولا يجوز التصرف في الوقود المخزون، ولا يجوز التصرف بالآثار العراقية، ويحرم بيعها أو الاتجار بها ولابد من إعادتها إلى المتاحف العراقية..

ولا يجوز القصاص أو التشهير بمن كان له دور مباشر أو غير مباشر في إيذاء الناس أو الاعتداء عليهم أو نهب ممتلكاتهم، لأن ذلك موكل بالقضاء العادل. وحين شاعت في الأوساط العراقية أن عددا من الصهاينة قد دخلوا العراق وأنهم يبذلون أسعارًا خيالية لشراء الممتلكات، قال: لا يجوز البيع، والثمن سحت.

وفتح بعضهم مكاتب في هذه المدينة أو تلك تتحدث باسم الحوزة العلمية، فصرح بأنه لا علاقة له بتلك المكاتب، وهي غير مخولة من قبله. ولآت كثيرة تجد بعضها مبثوثًا في الكتاب الذي أصدره صديقنا الأستاذ حامد الخفاف حول فتاوى السيد الإمام.

ويوم اضطره المرض إلى السفر للعلاج زمرت الأبواق الشيطانية وهللت، واتهمته بشتى التهم؛ لقد هرب من الساحة، لقد تآمر على الشعب مع الإنجليز، لقد هرَّب ملايين الدولارات، لقد سمح لقوات الاحتلال أن تغزو العراق، إنه يلتقي بهم كل يوم، إنه يتشاور معهم، يعقد الصفقات معهم، يلتقيه ممثلو الاحتلال بصورة دورية، وشارك من لا يخشى الله بتلك الفرى من دون خوف أو رادع من ضمير، وأرادوا تشويه صورته بكل وسيلة ممكنة، هو ليس بعربي، لا يعرف الكتابة بالعربية، لا يحسن التحدث بها، ولا يحق له التدخل في شأن البلاد لأنه ليس من أهلها، وكأن الرجل قد تدخل في شأن من شؤونها لصالح دولة أو طبقة ضد أخرى، وكأنه لم يكن منذ أن كان على مسافة واحدة من كل الاتجاهات، وترك تلك الأبواق تعوي كما الذئاب المسعورة ولم يرد على أحد بكلمة واحدة ممن أساء إليه شخصيًّا، وكان بمنتهى الشفافية والوضوح مع من كال له تلك التهم، ليس غير: لم يصدر مثل هذا، لم يقل، لم يجوِّز، لم يلتق، لم يقابل، وتثبت الأيام أن ما صدر عنه هو الصدق، وأن ما أشار به هو الصواب، وأن ما اقترحه هو الصحيح، وأن من كذب عليه اليوم، كذب على رسول الله من قبل، وكلاهما سيتبوأ مقعده من النار.

وكانت الأفواه النتنة بين حين وآخر تتهمه بالانحياز، ولكنه كان يحلق وهو ينوء بأوجاع شعبه، ليعلن أنه مع الشعب والمواطنين على مسافة واحدة، سواء أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، من السنة أو الشيعة، ومن العرب أو غيرهم، من أحزاب اليسار أو اليمين، من المسلمين أو العلمانيين، وهكذا ألجم تلك الأفواه بحبال من مسد.

وحين فتح عينيه بعد إجراء الجراحة قرر العودة من فوره إلى مدينته وإن كلفته حياته، ولم تنفع معه اعتراضات الأطباء، أو إلحاح المقربين، فقد وصلته أنباء عن احتراب بعض أبناء مدينة جده، حتى كاد يحيلها إلى مدينة أشباح، والتفَّ القريب والبعيد من حوله لمنعه، ولكن قيودهم كانت بالنسبة لذلك العملاق أوهى من نسج العنكبوت، وعاد، وقاد مسيرة لم يشهدها العالم من قبل أولها في النجف وآخرها في البصرة، وفور وصول طلائعها انطفأ ذلك السعير في وقت لم تستطع فيه كل قوة الدولة والاحتلال من إطفائه.

وشاء الاحتلال أن يعد دستورًا للبلاد على مقاسه، واجتمعت دنيا من حول الرجل الواهي الجسد لإقناعه بصواب ذلك الرأي بحجة إنقاذ البلاد كي تخطو إلى الأمام، ولكن مزاعمهم لم تنطل على الرجل الذي عركته الأحداث، واستطاع بهيبته، وبالتفاف جيوش أبناء البلاد من حوله فرض الانتخابات على المحتل، لأن أية سلطة لا تتمتع بصلاحية تعيين أعضاء مجلس لكتابة الدستور، لأن الدستور يكتبه من يمثل الشعب؛ وحاولت جهات بكل الوسائل المباشرة وغير المباشرة أن يعدل عن رأيه بحجة ما يمكن أن يقع، وشارك الإعلام العالمي بكل صحفه المرموقة كي يغير رأيه، ولكنه لم يعدل عنه. بل بين أن الواجب الديني والوطني على الشعب أن يتحمل مسؤولياته كاملة، فاضطرت الواجهة الحاكمة إلى الانصياع، وخرجت الجحافل وسط أزيز الرصاص وهمجية الخوف بالملايين من كل الطرقات، فكان المجلس الذي صاغ الدستور وسط كل الأجواء السلبية التي سادته، وطبيعي أن لا يمثل تطلعات أطيافه، وطبيعي أن يشعر كل طيف أنه قد تنازل للآخر عن بعض حقوقه، بل تنازل ممثلو الكتلة الأكبر عن كثير من حقوقها بحجة رأب الصدع، ولأن غالبيتهم كان منحازًا إلى حزبه ومصلحته، ولأن الماضي شكل لتلك الأطياف عقد القهر والظلم التي لن تزول بين عشية وضحاها.

وحين بدأ الشعب يسترد وعيه شيئًا فشيئًا، وبدأت النيران التي تأججت في كل مكان بالخفوت، واستقرت مدن بدأت تتطلع إلى عهد جديد، عز على جوقة الشر أن يطل الضوء من كوة الأمل، فخرجت قوى الظلام من جحورها من جديد، فكان الأربعاء الدامي، والتحق به الأحد الأسود، والتحقت مدن ببغداد، فتناثرت مئات الجثث وامتلأت أروقة المستشفيات بالجرحى من الذين لا دخل لهم بأي مطمع باستثناء العيش الآمن والسلام، ولم تستطع فئة الإعلان عن فعلتها أو التباهي بها، ولم تستطع حكومتنا الرشيدة أيضًا أن تفعل شيئًا يقنع الشعب الذي مكنها من تصدر السلطة، جل ما استطاعت القيام به هو الشجب والاستنكار، وجل ما قام به ساستنا الأفذاذ هو استغلال دماء الأبرياء للدعاية لأنفسهم، وجل ما قام به مجلسنا النيابي الموقر هو الانشغال بسن قوانين تضمن له الحق في نهب أموال الشعب، أما الجيش فهو لحمايتهم، وحماية حكومتهم الرشيدة، وأما الميزانية فحصة الأسد منها لهم، وأغلب الباقي منها فعلى موظفيهم وحراسهم، وأما الفتات فهو للشعب المسكين الذي لم يكسب شيئًا من سياستهم إلا «سوف».

وفي أوج انتظار الشعب للجولة الجديدة من الانتخابات طلع عليهم صقر البلاد من جديد فصرح بأنه ليس مع القائمة المغلقة، وإنه لا يؤيدها ولا يشجع عليها، وأن الشعب لابد أن يعرف من يمثله. كلمات في أسطر قليلة قلبت كل حسابات المحترفين. ولما كان الباطل يعلِّم الدهاء والاحتيال فقد التف السياسيون على باطلهم من جديد، لأن مصالحهم هي الأهم، وليس الوطن.

كان الصقر يحلق بين حين ليس بطويل وآخر بعد أن قاسى شعبه الأمرين مما تفعله الصفوة الحاكمة بأبناء البلد، ومن زاره شعر بمدى المرارة التي يعاني منها، ولقد حث كل شخص توسم به الخير أن يقوم بواجبه الديني والأخلاقي والوطني، وأن يسبح ضد التيار؛ حثهم بقوة، على الرغم من علمه أن الأبواب موصدة في وجوههم وأن الزحام شديد من الصعب أن يشق.

ولما كنت ابن البيئة التي انحدر منها ذلك الصقر، فقد مررت خلال نصف قرن أو يزيد على شخصيات جلست مجلسه، وتحدثت عنها المدينة بشتى الأحاديث من هول ما لاقته من عنت وجور، ولكني لم أسمع من قبل بمثيل لذلك الصقر الذي استطاع مواجهة جيوش جيشها العالم. وواجه من المحن ما لم تواجهه تلك المجموعة الخيرة من كبار المجتهدين على مر القرن المنصرم. كانت محنته محنة أمة امتحنت بشتى الشدائد والعقبات، وحاول الطغيان أن يقضي عليه بكل وسائله، بالسجن مرة قبل الاحتلال، وبتشريد طلبته وقتلهم في وضح النهار، وبفرض الإقامة الجبرية عليه وبمحاولات اغتياله في أخر، ولكنه بقي صامدًا لم تحركه النكبات على شدة قسوتها، ثم من بعد واجه العالم الذي احترب على أرض العراق. وكان صموده أسطوريًّا جديرًا أن يدفع وسائل الإعلام العالمية من الشرق إلى الغرب لمعرفة سرِّ الرجل ومصادر قوته.

وكنت كبقية العراقيين الذين امتحنوا بالمأساة أرقب الأحداث وأحترق بإوارها، وأرقب الرجل الصقر كيف يستطيع مع كل أزمة فرش جناحيه على سماء العراق فيطفئ النار التي كانت تتأجج هنا وهناك، ومع كل نار كانت السهام توجه إلى صدره، وتنشر السموم في طريقه، وفي كل مرة يخيب ظنهم، حتى أصبح هاجس كل الشرفاء في العالم، واقترن اسمه بأسماء أعلام الإصلاح والتنويريين في التاريخ.

وقدر لي أن أعود إلى العراق بعد سبعة عشر عامًا من التغرب، وكان كل همِّي أن أتشرف برؤية الرجل الصقر بأية وسيلة، ورأيت ذلك على البعد عزيزًا، فما أشد الزحام على باب بيته المتهاوي الجنبات؛ وهيأت للحلم ما أملك من طاقة قبل أن أدخل أرض الوطن، ويوم يسر الله ذلك العسير في اليوم الثاني من وصولي إلى النجف الأشرف دارت في مخيلتي صور شتى، وكان لقاء لن أنساه ما حييت، خيل إلي أني في حضرة رجل من عالم آخر علمًا وتواضعًا وبساطة وبعد نظر، فقد رأيته وليس له من همٍّ إلاَّ هم هذا البلد ومأساته الكبرى، ويحدثك بيته بأثاثه المتواضع أنه عازف كجده عن كل بهرج الدنيا وملذاتها، فليس في تلك الغرفة المتواضعة التي لا تعرف الشمس طريقا للدخول إليها غير مرتبات يجلس عليها الضيف أكل الدهر عليها وشرب، وغير وسادة خلف ظهره، وكان كل حديثه يدور حول حق الوطن على أبنائه، وحول حق الجميع في العيش به، وحول حق القانون العادل أن يسود، وحول حق الشعب بالتعليم والصحة والوظيفة والعيش الكريم، كله حول الحق، وكله حول ضرورة قيام صفوته بواجبها لدفع الضرر عنه، وكأنه حين يحدثك يقتطع مقاطع من عهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رضوان الله عليه. ورأيته في لقاء ثان يدور في الفلك ذاته، ولكن حديثه كانت تغشاه مرارة أكبر مما يحدث، مرارة حول هدر المال العام،ومرارة من الفساد الذي استشرى، ومرارة من (سوف) التي مازالت تتردد على ألسنة المسؤولين، ومرارة بسبب تقهقر مسيرة البلاد في الزراعة والصناعة والصحة والتعليم. كان يتكلم بملء صوته الواهن ويحمل الصفوة من زائريه مسؤولية النهوض بالوطن من جديد، إنه وطنكم لا تتخلوا عنه، انهضوا به، لا تتركوا مجالاً للصوص وقطاع الطرق أن يعيثوا فسادًا به. ليس لي من مصلحة في بلادكم ولا في غيرها، وليس لي من همٍّ إلا سعادة شعبكم والشعوب الإسلامية بل وشعوب العالم أجمع. ولا أشك في أن أي زائر يملك فسحة من عقل إلا ويشفق على ذلك الرجل ويزداد عجبًا من قدرته على فهم الأحداث وتشخيصها قبل وقوعها، بل يخرج من بيته وهو يشفق على نفسه لأنه لا حول له ولا قوة لأن تيار الباطل كان عنيفًا.

وبسبب من ظروف يطول شرحها استشرى الفساد في كل مكان، وسادت الرشوة والمحسوبية، ونهب المال العام من جديد، واستولى كثر من القائمين على الأمر بأملاك البلاد، ووصل بطريقة أو بأخرى من لا يستحق المنصب إلى منصبه، وسنت قوانين لتشريع النهب ما أنزل الله بها من سلطان، وانتشر لصوص السياسة في كل مكان، وكل يتحدث عن بياض ردائه وقدرته على الإصلاح، وكاد الشعب ينفجر من هول ما يلاقيه ويراه، وبدأت الروائح العفنة تنساب في أروقة السياسيين، بل إن الملايين التي خرجت في المرة الأولى تقلصت إلى الثلث في المرة الثانية والثالثة، وساد ثراء فاحش بجوار فقر مدقع، ونهبت أموال، وبرزت قلاع في هذه المدينة أو تلك يعلم الشعب أنها ليست لمستغليها، ويعجب من مصادر الأموال التي أنفقت عليها.

وخوفًا من أن يطمع الطامعون من جديد فاجأ كل السياسيين ومن تكتل مع هذا أو ذاك بأن الزمن الذي يمكن فيه تمرير الأشياء بحسب رغبات القوى المتحالفة قد ولَّى، وأن من وصل إلى سدة الحكم في غفلة من الزمن قد ذهب زمنه، وليس أمام من لعب لعبة السياسة إلا أن يعدل من مساره قال كل هذا كي يتحمَّل الشعب في جولة الانتخابات مسؤولية ما يحدث له في قابلات الأيام ويتحمل مغبة اختياره، إن كان جاهلاً أو عالمًا، أو كان نقي الرداء أو قد تلوث رداءه، ولكن الأصفر الرنان كان له دوره، وللإعلام والمقالات التي زينت بكل عبقريات المفسدين دورها.

كان الفساد يزداد يومًا بعد آخر، حتى اضطر الصقر إلى مقاطعة زواره من السياسيين بسبب روائحهم التي تزكم الأنوف، وأوصد الباب في وجوههم، ونصح وألح في النصح، وتوقع فأصاب، وازداد طغيان الفساد في طول البلاد وعرضها، وطغى اللصوص طغيانًا كافرًا، وشبعت طائفة حتى كادت التخمة تقتلها، ولكنها لم ترعوِ، وجاعت أخرى حتى كادت تلحس التراب،وأثناء الانشغال بتوزيع الغنائم أضاع اللصوص نصف البلاد بدم بارد وهم في جحورهم ينعمون بالحامض الحلو. وساد صمت كصمت القبور من هول الصاعقة.

هنا حلق الصقر من جديد، ورأى بعينه البصيرة أن الواجب الشرعي يدفعه إلى إعلان الجهاد الكفائي لإنقاذ البلاد، ولم يكتف بذلك، وإنما قلب الطاولة من بعد على رؤوس الفاسدين، وتلاحقت فتاواه وأعلنها مدوية زلزلت عروش، ونداء يتلوه نداء، وهب الشعب المنكوب عن بكرة أبيه، وتطوع الشعب للدفاع عن وطنه من كل الطبقات، واختبأ اللصوص في جحورهم إذ لم تنفعهم خطبهم الرنانة ولا سمت الوقار الزائف الذي ارتدوه، ووجد الشعب في فتاوى الصقر قديمها وحديثها سندًا يستندون إليه، فكانت مواجهة سلمية كبرى ومازالت ما بين الشعب وبين تلك الطغم.

وبسبب هول ما ارتكب ما عادت الحلول الترقيعية يرضى بها أحد، واستمر سيل العرم في كل جُمَعِ الغضب يتجمع من كل الطرقات كي يصفع الفاسدين، فسكنت الأبواق التي جرت على البلاد مآسيه، ومن هول ما أصابها لم تنبس ببنت شفة.

وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، ولعلل القادم من وراء الأفق يأتي بجديد لهذا الشعب الذي عانى الأمرين على طول قرن من الزمان، ولم يبق له إلا أن يأمل ويحلم، فقد بانت بارقة عصفت ببعض، وألغت قوانين، وفتحت كوة في أبواب القضاء، ومازال الصقر بالمرصاد يطل بوجهه المشرق كل جمعة يطالب الحكومة باسترجاع ما سرق، وبإصلاح ما أفسد.

لأنه حماه الله، فارس عصره الصقر السيد السيستاني.

بقلم: د. صلاح مهدي الفرطوسي

مقالات ذات صلة