شفقنا العراق-ورث الرئيس الأمريكي جو بايدن واقعا جديدا أملته سياسات الرئيس السابق دونالد ترامب والتي انتهت «لاتفاقيات أبراهام»، والتي طبعت علاقات إسرائيل بأربع دول عربية هي الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب، في وقت لم يغير بايدن فيه قرارات ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والإقرار بسيادتها على مرتفعات الجولان السورية.
وتهتم إدارة بايدن منذ وصوله للحكم في العشرين من يناير الماضي بقضيتين فقط من قضايا الشرق الأوسط وهما؛ ملف التفاوض حول الاتفاق النووي مع إيران، والتركيز على إيقاف الحرب فى اليمن، وتتجاهل إدارة بايدن ملف عملية السلام والعلاقات مع الفلسطينيين.
في الوقت ذاته لم تخف الإدارة الأمريكية رغبتها في توسيع اتفاقات أبراهام، بحيث تضم المزيد من الدول العربية، وانصب الاهتمام بصفة خاصة على المملكة العربية السعودية.
إلا أن أحداث الأقصى الأخيرة والعدوان الإسرائيلي على ثالث أقدس مقدسات المسلمين بخرت آمال بايدن فى التركيز على توسيع اتفاقيات أبراهام في محاولة لضم المزيد من الدول العربية إليها.
الساعة الآن رجعت سنوات للوراء، ومن المستحيل أن تقدم السعودية على التطبيع مع إسرائيل بعد تطورات الساعات والأيام الأخيرة.
وتبنت إدارة بايدن موقفا أمريكيا تقليديا ومتوقعا بإدانة الهجمات الصاروخية التي ردت بها فصائل المقاومة الفلسطينية على الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، في الوقت الذى حثت فيه واشنطن جميع الأطراف على التهدئة.
لم يتوقع خبراء شئون عملية سلام الشرق الأوسط أي انفراجة كبيرة في ملف التفاوض المباشر بين الطرفين، أو أن تقوم واشنطن بخطوات جادة للتوسط بين الطرفين، وآمل بايدن في عدم الاضطرار للتعامل مع هذه القضية المعقدة.
فقد شاهد بايدن خلال ما يقرب من نصف قرن من العمل السياسي في واشنطن، سواء كسيناتور أو كرئيس للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ أو كنائب للرئيس، جهود الرؤساء الأمريكيين والتي انتهت كلها بالفشل في إقرار السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وفي حين عين الرئيس بايدن مبعوثين إلى إيران وليبيا والقرن الأفريقي واليمن، لم يرشح بايدن أي شخصية قيادية للتعامل مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي، كذلك لم يقم بعد باختيار سفير في إسرائيل أو قنصل عام في القدس للفلسطينيين.
* * *
من جانبها دخلت دول عربية خلال إدارة الرئيس السابق ترامب في أخطر مراحل التطبيع مع إسرائيل، وهى ما أطلق عليه مرحلة «التطبيع بلا مقابل.. لمواجهة أوهام وجود أخطار مشتركة»!
ويحاول المطبعون العرب الجدد إقناع شعوبهم العربية بأن هناك إخطارا تهددهم وتهدد إسرائيل معهم مثل الخطر الشيعي، وخطر تنظيم داعش، وخطر الإرهاب..
من هنا وجب علينا (نحن وإسرائيل) مواجهة هذه الأخطار معا. من هنا فنحن نشهد اليوم أخطر مراحل الدفع المتعدد المنصات تجاه تبنى خطوات وسياسات تطبيعية تتجاوز كل ما سبق.
ولا يرتبط التقارب الرسمي العربي الأخير بصفة عامة بأي من ملفات قضية حقوق الفلسطينيين، ولا يعد ذلك استثناء، بل هو الواقع الذى أملته رغبة الأطراف العربية، أو واقع فرض الأمر الواقع على الأرض من الجانب الإسرائيلي ورضوخ الأطراف العربية.
سلام مصر مع إسرائيل ومن بعدها سلام الأردن لم يأت أو يمنح الفلسطينيين أي حقوق أو تنازلات إسرائيلية؛ في الحالة المصرية تم الانسحاب من سيناء، وفى الحالة الأردنية انسحبت إسرائيل من مساحة 380 كيلومترا مربعا من أراض أردنية، ولم تنسحب إسرائيل من أراضٍ فلسطينية إرضاء أو رضوخا للدول العربية.
* * *
للمرة الأولى يظهر استعداد الدول العربية اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهيا، والدخول في اتفاقيات سلام مع إسرائيل بهدف تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة بدون شرط الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يُتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194 مقابل تطبيع الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل. إلا أن المطبعين الجدد لم يعد هناك ما يلزمهم بهذا الحد الأدنى من ضرورة إقرار الحقوق الفلسطينية.
كذلك تشتد الجهود الإسرائيلية داخل واشنطن لاستغلال حالة الضعف العربي غير المسبوق من أجل تحسين وضعها التفاوضي في أي عملية سلام مستقبلية مع الفلسطينيين.
وتركز هذه الجهود على القضاء على أي مسوغات قانونية دولية دعت فى السابق لانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها في حرب يونيو 1967 عن طريق المطالبة بتجاهل تام لقرار مجلس الأمن 242، وغيره من القرارات الدولية.
وموازاة مع الشق السياسي يأتي الشق الأكثر خطورة مما نشهده الآن في نطاق الهرولة العربية «للسلام» مع إسرائيل، وهو ما سيرتبط بتغيير المناهج الدراسية التعليمية العربية خاصة في مواد التاريخ والجغرافيا.
ناقوس خطر كبير حيث تنشغل نخب العرب وتتوه وسط فوضى الأزمات اليومية التي يحيون فيها، في حين يركز البعض على جهود لن تتوقف يدعمها خطوات التسامح والتطبيع ودعوات قبول الآخر، حيث تنسى الأجيال الجديدة من الشباب والأطفال العرب وجود احتلال لأراض عربية بها مقدسات دينية.
ويعنى ذلك إنجاح العرب لاستراتيجية إسرائيل في محاولة إقناع أطفال العرب أن «الاحتلال ليس هو أصل القضية»، وأن احتلال فلسطين ليس قضيتهم على الإطلاق.
* * *
تاريخيا ورغم هزائمها العسكرية المدوية أمام إسرائيل، التزمت الدول العربية، ولو شكليا ورمزيا بحدود ما قبل 1967 للفلسطينيين، ويبدو أنه ليس هناك أي حاجة لهذه الأمور التي يرونها شكلية ورمزية وبالية، وهذا ما يستغله المطبعون العرب الجدد ويروجون له بلا خجل أو تردد.
لا نعرف بعد تأثير اقتحام الجنود الإسرائيليين للمسجد الأقصى قبل نهاية شهر رمضان المبارك، لكن تنعقد الآمال على صمود الشعب الفلسطيني ليمنع كتابة فصل تطبيعى جديد لا يرى فيه جانب عربي إسرائيل كعدو أو كمغتصب لحقوق وأراضٍ عربية مقدسة.
محمد المنشاوي | الشروق
__________________________
المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
__________________________

