شفقنا العراق-تختزل النهايات التي وصل اليها الجيل الثالث من الحركات السلفية الجهادية، ممثلا بتنظيم داعش، طبيعة النسق الذي سيتبناه الجيل الرابع من هذه الحركات في السنوات المقبلة، لتعويض “أرض التمكين” التي يوشك ان يخسرها بالكامل بعد معركة الموصل، فالانتقال من العراق وسوريا الى “أرض تمكين أخرى” سيكون حتميا لمواصلة الحرب التاريخية لتأسيس “دولة إسلامية” على النموذج السلفي.
عمليا، خسر تنظيم داعش معظم حواضنه على امتداد الأرض العراقية والسورية، وهو يدرك أن المتبقي في طريقه للانحسار والزوال بمرور الوقت، لكنه في المقابل، يدرك أن تجربة السنوات الثلاث كانت مجرد معركة في اطار حرب طويلة، ربما لن يقدر لها ان تنتهي حتى عقود قادمة.
حتى وقت قريب، لن يكون ممكنا قياس مقدار الربح والخسارة التي حققها الجيل الثالث من التنظيمات الجهادية السلفية(داعش) بشكل دقيق، فهذه هي المرة الأولى تقريبا التي يحصل فيها تنظيم متوحش قائم على القتل والتنكيل وقطع الرؤوس واعدام المناوئين بالجملة وتدمير البنى الحضارية والثقافية لشعوب المنطقة، على هذا القدر من المساندة والدعم من قبل دول راعية وممولة، وأجهزة مخابرات داعمة، وشعوب متعاطفة وجدت فيه بطريقة أو أخرى، جزءا من تكوينها الفكري والثقافي والاجتماعي، ووسيلة لتلبية حاجتها الى الإحساس بالقدرة على الانتصار، بعد عقود من الهزائم.
ممهدات ظهور الجيل الرابع
من المؤكد أن ما ربحته الحركات السلفية الجهادية عبر تنظيم داعش كان كبيرا ومؤثرا، ويفوق ما حققه الجيل الأول (جيل أفغانستان والقاعدة) والجيل الثاني (جيل الزرقاوي وقاعدة العراق)، فتجربة تنظيم داعش لم تقتصر على توليد نسخ مشابهة له في التكوين والممارسات في مناطق متعددة من العالمين العربي والإسلامي، وإبراز التفسير المتشدد للنصوص الإسلامية وترسيخها في ذهن قطاعات واسعة من العقل العربي والمسلم، بل أيضا، صناعة جيل جديد عاش في كنف هذه الدولة واستشعر قوتها وسطوتها، وسيقدر له مواصلة الحرب وتوسيع مدياتها لتشمل مناطق جديدة من العالم، وبأساليب أكثر وحشية وقسوة، وهو ما يمكن ان نطلق عليه توصيف (الجيل الرابع).
ويبدو واضحا أن المعايير التي توافرت للجيل الرابع ستجعله أكثر صلابة ورسوخا من الأجيال التي سبقته، بضمنها الجيل الثالث (داعش)، فقد نجح الأخير في تعظيم حجم الحركات السلفية الجهادية وتشكيل منطقة جذب عالمية الى بقعة محددة، هي كل من العراق وسوريا، ووفرت لهم متطلبات الانتماء للكيان “الحلم”، أو الدولة المفترضة في “أرض الخلافة”، والتي زاوجت بين شكل الدولة المتعارف عليه في الإرث الإسلامي الأول (الدول الراشدية والأموية والعباسية)، مع الشكل الحديث المتمثل بطريقة تشكيل وحكم هذه المؤسسات وتوزيع صلاحيات الإدارة فيما بينها. كما رسخ تنظيم داعش الكثير من الظواهر الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع الذي هيمنت عليه، والتي تتناسب مع شكل الحكم السلفي المستحدث، بما فيها الالتزام القسري بالمظاهر الإسلامية المتشددة، بما فيها طبيعة العلاقات بين الدولة والفرد وطريقة تطبيق الاحكام المتعلقة بالجزية والسبايا وحكم الأراضي ( أرض ردة، أرض إسلام) وتطبيق العقوبات الخاصة بالقتل وقع اليد والجلد والرمي من شاهق وتحديد أنواع الملابس للرجل والمرأة ومنع المظاهر الحديثة وغيرها. فضلا عن تحديد نوع العلاقة بين أعضاء المجتمع الجديد والمبني أساسا على النظرة المتشددة التي يطبقها داعش، وبين المجتمعات المختلفة التي تحيط بهذا المجتمع، بمن فيهم الأقليات الدينية والمذهبية.
ملامح الجيل الرابع
مما تقدم، يمكن ترجيح ان الجيل الرابع، سيكون أكثر نسخة سلفية جهادية من حيث الوحشية والقسوة والصلابة، لأنه نشأ في معظمه داخل بيئة متطرفة بالكامل، وعاش لحظة بلحظة، مراحل ولادة ونشوء أول دولة سلفية جهادية في العصر الحديث، وهي “دولة داعش”، وعاش أيضا، لحظة الانتصار الكبرى للجهادية السلفية حين احتل داعش مناطق واسعة جدا في العراق خلال أيام قلائل، وفاجأ العالم بمقدار سطوته وقوته، وهي لحظة انتصار نادرة لم تنجح الحركات المتطرفة في تحقيقها بهذا الشكل من قبل، وتركت أثرها، تلك الحظة الحاسمة، تركت أثرها في شعور جيل بأكمله وجد نفسه جزءا من دولة منتصرة، وسط أمة تجرعت هزائم متكررة خلال القرن الماضي، وهذا كله يديم لحظة النشوة والاحساس بالاقتدار، والتي يبدو أن أي جيل جهادي سلفي مقبل، سيحاول الوصول اليها مجددا.
نشأ الجيل الرابع في أحضان دولة داعش، وهو الآن في طور الاكتمال وأخذ الصدارة في مشهد الحركات الجهادية بعد هزيمة داعش، ومعظم افراد هذا الجيل صهرتهم تجربة العيش في ظل دولة تطبق عقيدة ومفاهيم الفكر السلفي الجهادي بالكامل، وفي كنف عوائل آمنت بمفهوم الخلافة وتكبدت عناء الهجرة اليها أو تحملت مسؤولية قرار الانتماء اليها وطبقت كل تعاليمها ومناهجها بإخلاص وتفان، يصل حد التضحية بكل شيء من أجل الدفاع عنها حتى الموت.
وقياسا على الآلاف من الشباب والمراهقين المحليين الذين التحقوا بتنظيم داعش وقاتلوا في صفوفه واستشعروا نشوة الانتماء لمؤسسة حاكمة ومقتدرة، وآلاف الأطفال الذين فتحوا عيونهم على ممارسات هذه الدولة المفترضة وشاهدوا بأنفسهم وبشكل متكرر وفي الساحات العامة، عمليات قطع الرؤوس والايدي والجلد وغيرها، وتفاعلوا معها وهتفوا مؤيدين لها، يبدو واضحا ان الجيل الرابع قد اكتسب مقدارا مخيفا من محركات القتل والعنف والتعذيب، ومن المنطقي الاعتراف بأنه لا قدرة لمؤسسات الدولة الحديثة على امتصاص هذا الزخم الهائل من العنف والتشدد من الجيل الذي نشأ وتربى تحت ظلال داعش، وهذا لوحده يكفي لتخيل مقدار الوحشية التي سيحملها الجيل الرابع والتي سيحاول استعادتها كلما سنحت له الفرصة.
في مقابلات شخصية خاصة مع أطفال ومراهقين ايزيديين جندهم داعش في معسكرات الفاروق بمدينة الرقة السورية ومدينتي طبقة وتلعفر وغيرها، ومقابلات أخرى مع عوائل صبية ايزيديين مجندين رفضوا العودة الى عوائلهم في العراق والتحقوا بصفوف داعش، ظهر بوضوح مقدار التغيير العقائدي والنفسي الذي تعرض له هؤلاء في معسكرات التدريب، أو نتيجة العيش في “دولة داعش”، فعدد من هؤلاء الأطفال استخدموا آلات جارحة وهددوا ذويهم أو اقربائهم بالذبح اذا ما وبخوهم او طلبوا منهم أشياء لا يريدون القيام بها. وبعض الصبية هددوا عوائلهم بالقتل إذا ما واصلوا محاولة اقناعهم عبر وسطاء بالعودة الى العراق عبر مهربين، لأن العائلة “كافرة” ولا مناص من قتلها في حالة صاروا وجها لوجه أمام افرادها. أحدى الاسيرات الايزيديات ابلغتني ان ولدها ذو الـ(15) من العمر وصل معها حتى الحدود السورية التركية بمساعدة مهربين، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة وعاد الى الداخل السوري لأنه يخشى أن يقوم مستقبلا بقتل عائلته الكافرة.
هذا النموذج يمثل أطفالاً غير مسلمين اختطفوا مع امهاتهم واخواتهم وتعرضوا للإذلال وللبيع والشراء مرارا وتكرارا في المدن التي يحتلها داعش، وشاهدوا، وهذا مؤلم بالتأكيد، شاهدوا بأعينهم كيف تتعرض أمهاتهم او اخواتهم للاعتداء الجنسي والاذلال المتكرر، مع هذا، فبعضهم صار داعشيا متشددا يؤمن بطريقة داعش في الحياة، وهذا يعني بالضرورة ان الأطفال والمراهقين من أبناء العائلات السلفية والذين عاشوا كجزء من دولة داعش وحظوا هم وعوائلهم باحترام عال كونهم من أتباع التنظيم، سيكونون أكثر تشددا وأيمانا وتمسكا بالفكر المتشدد الذي طبقه داعش عبر سنوات حكمه الثلاث.
ولهذا كله، فقد اكتسب هذا الجيل مميزات أخرى انفرد في معظمها عن باقي أجيال الحركة الجهادية السلفية، فهذا الجيل قد أخذ الوقت الكافي والحرية التامة في فهم وادراك والاقتناع التام بالمنهج السلفي الجهادي وبشكل يختلف عن سابقه من الأجيال، فهو تشبع بهذا الفكر في ظل دولة سلفية جهادية قائمة، سخرت كل طاقاتها لتثبيت فكرها وطريقتها في الحكم، على العكس تماما من الأجيال الثلاثة السابقة التي نشأ معظم عناصرها في دول مناهضة لحركات السلفية الجهادية، كما هو الحال في غالبية الدول العربية والإسلامية.
كما يمتلك الجيل القادم، خاصية أخرى ربما لم تتوفر بشكل كاف للأجيال التي سبقته، وهو القدرة القتالية الفائقة التي انتقلت اليه من تجربة داعش، فالتدريبات المكثفة التي حصل عليها هذا الجيل في ظل “دولة داعش” والمعارك الشرسة التي خاضها على مدى السنوات الثلاث في العراق وسوريا أمام جيوش نظامية وفصائل شرسة، سينتقل تأثيرها كاملاً الى الجيل الرابع، ويصنع منه الجيل الأكثر شراسة ووحشية على الاطلاق، وهذا الأمر لن يتحدد أثره في اطار “أرض التمكين الجديدة”، بل يتعداه الى كل دولة في العالم يمكن أن يتواجد فيها عناصر الجيل الرابع أو تكون لديهم القدرة على اختراقها أمنيا، بضمنها، أو على رأسها، الدول الكبرى.
في النهاية، يبدو واضحا ان الحركات السلفية الجهادية لن تتوقف عن انتاج اجيالها الواحد تلو الاخر، وان عملية الزحف من تجربة الى تجربة، ومن “أرض تمكين” الى أخرى ستظل قائمة، لكن في السنوات المقبلة، من المرجح ان تغطي تجربة الجيل الرابع مساحة أكبر وزمنا أطول، والمرجح انها ستكلف شعوب المنطقة والعالم برمته، ثمنا أكبر بكثير مما تم دفعه حتى الآن.
حسين جاسم الخزاعي- الجزائرية للأخبار
________________________
المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
________________________

