شفقنا العراق- ورد في الحديث الشريف: (إنّ الله ينظر إلى زوّار الحسين(عليه السلام) في يوم عرفة قبل أن ينظر إلى زوّار بيته الحرام)، ومن هذا المنطلق أمَّ صعيدَ مدينة كربلاء -حيث عبق الشهادة والوفاء- مئاتُ الألوف من الزائرين من بقاع شتّى وأجناس وألوان ولغات مختلفة من داخل وخارج العراق، وذلك لإحياء زيارة يوم عرفة التي وصلت ذروتها بعد ظهر امس وسط استنفارٍ أمنيّ وخدميّ من العتبتين المقدّستين الحسينيّة والعباسية.
فقد شهدت مدينة كربلاء المقدسة، الاربعاء، توافد اكثر من مليون زائر لمرقدي الامام الحسين وأخيه العباس لأداء مراسيم زيارة عرفة من الزائرين من داخل وخارج العراق، واكتظت بهم شوارع وازقة المدينة لغرض اداء مراسيم زيارة الإمام الحسين بيوم عرفة، من جهتها اعلنت ادارة مطار النجف الاشرف بتحقيق زيادة في أعداد الرحلات بشكل ملحوظ في مثل هذه الأيام من كل عام خلال الزيارات والمناسبات الدينية والاعياد الاسلامية.
نائب الامين العام للعتبة الحسينية المقدسة السيد افضل الشامي اعلن عن استكمال كافة الاستعدادات الامنية والخدمية الخاصة بالزيارة المباركة، مبيناً ان الاستعدادات شملت نشر مفارز أمنية جوالة بالتنسيق مع قيادة عمليات كربلاء وتوفير اجهزة حديثة لكشف المتفجرات وتفتيش الحقائب الى جانب نشر اعداد كبيرة من كاميرات المراقبة لرصد الحالات المشبوهة، في حين شملت الاستعدادات الخدمية تهيئة اماكن واسعة للزائرين.
واكتظّ الصحن المطهّر للإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس(عليهما السلام) وما بينهما بالزائرين فضلاً عن الطرقات والأزقّة المؤدّية اليهما، وأدّى الزائرون أعمالهم العبادية من الزيارة والدعاء فرادى وجماعة ليقضوا ليلتهم في هذه البقعة المطهّرة وكعادتهم من كلّ سنة ليتوجّهوا صباحاً لأداء مراسيم صلاة العيد وبعدها التوجّه لزيارة موتاهم في كلٍّ من كربلاء والنجف وهذا ما اعتاد عليه العراقيّون.
مساء عرفة كنهاره في كربلاء..
مازالت مدينة كربلاء المقدّسة حتى هذه اللحظة تكتظّ بالزائرين من شتى البقاع والأصقاع، فيوم عرفة المبارك بما يحمل من روحانية وإجلال نابع ومستقى من نصوص الروايات الشريفة المؤكّدة لإحياء يوم وليلة عرفة بالصلاة والدعاء وزيارة الحسين وأخيه أبي الفضل العباس(عليهما السلام) لتعلن الولاء والوفاء لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) والبراءة من أعدائهم السابقين واللاحقين حتى يوم الدين.
فكان مساء هذا اليوم المبارك كنهاره، فبعد أن أدّى المؤمنون الزيارة وتلاوة دعاء يوم عرفة للإمام الحسين(عليه السلام) اصطفّوا في جوّ إيمانيّ خاشعين لله من أجل أداء صلاة الجماعة التي احتضنها ضريحا الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس(عليهما السلام) وما بينهما، وترانيم الدعاء امتزجت بالدموع التي انهالت عند ضريح مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) مستغيثةً به لنصرة العراقيّين على المجاميع الإرهابية التكفيرية التي تريد استهداف البلد ومقدّساته.
العراق وقوّاته الأمنية وحشده الشعبيّ يتصدّرون أدعية زائري يوم عرفة..
لم يغب العراق وحماته من القوّات الأمنية والحشد الشعبي المقدّس وشهدائهم وجرحاهم عن بال ومخيّلة زائري الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس(عليهما السلام) وهم يدافعون عن حياضه وترابه الغالي الذين لولا وقفتهم بوجه الأعداء الإرهابيّين من الدواعش ومن لفّ لفّهم لما تنعّموا بهذه الأجواء الآمنة والزيارة المطمئنّة التي حاول أعداؤهم النيل منها ومن قاصدي العتبات المقدّسة.
فرفعت الأكفّ وذرفت الدموع وهم يؤدّون مراسيم دعاء الإمام الحسين(عليه السلام) في يوم عرفة، مؤكّدين بقاءهم على نهج وسيرة أهل البيت(عليهم السلام) ولن يُثني عزيمتهم ما يُحاك ويدبّر من يزيديّي العصر مهما بلغت التضحيات، فهؤلاء الحماة وما قدّموه من شهداء هم منابر النور والإيمان في طريق تأسيس دولة الحق المنتظر، فدعوا الباري عزّوجلّ أن يرفع شرور هذه الغمّة عن هذه الأمّة وأن يجنّب العراق وأهله مكائد المتربّصين بوحدة أهله وأن يردّ كيد الإرهابيّين والتكفيريّين الى نحرهم ويجعل بأسهم بينهم، وأن يثبّت جأش قوّات الأمنية وحشدنا الشعبيّ المقدّس وهم يسطّرون أروع صور الشجاعة والبطولة في مقارعة خوارج هذا العصر الدواعش المجرمين ومن لفّ لفّهم, ويزيد من عزيمتهم وإصرارهم ويسدّد رميتهم، ويرفع رايتهم ويجعلها العُليا وينكس رايه الباطل ويجعلها السفلى، وأن يجعل من حرارة الشمس وظروف الجوّ القاسية برداً وسلاماً على قلوبهم.
زوار الإمام الحسين يوم عرفة يبتهلون إلى الله جل وعلا لنصر العراقيين في معركتهم ضد الإرهاب والفساد
کما حشد آخر من المؤمنين ولكنه بسلاح الدعاء هذه المرة والوقوف بصعيد منطقة بين الحرمين الشريفين في كربلاء المقدسة للابتهال إلى الله جل وعلا طالبا النصر للشعب العراقي بكل اطيافه ومكوناته في معركته المصيرية الكبرى ضد الإرهاب والفساد.
الى ذلك فقد أفاد عدد من الزوار الذين توافدوا على مدينة كربلاء منذ يوم أمس لأداء مراسيم وأعمال ليلة عرفة ويومها من خلال تجمعهم في منطقة بين الحرمين لقراءة دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة وتضرعهم إلى الله تعالى هاتفين بصوت واحد “اللهم انصر العراق وشعب العراق وانصر قواتنا الأمنية وأبناء الحشد الشعبي على زمر الإرهاب والمفسدين بحق هذا اليوم وهذا المكان المقدس ” .
وأكد زوار آخرون كانوا قد أتوا لكربلاء من مناطق شتى بأنهم أهدوا ثواب أعمالهم وعبادتهم في هذا اليوم المبارك لأرواح شهداء العراق عامة وشهداء الحشد الوطني بنحو خاص ، وأن العديد منهم قد تبرعوا ببعض المبالغ النقدية من خلال صناديق التبرع التي وضعتها العتبات المقدسة في كربلاء دعما للحشد الوطني وعوائل الشهداء والجرحى والمعاقين.
وأعرب أخرون عن امتنانهم لأبطال الحشد الشعبي الذين يدافعون عن الشعب والوطن والمقدسات وقال احدهم : “لو لا تضحيات هؤلاء المجاهدين ودماء الشهداء لما بقي لنا في هذا البلد شيء ولأصبحت أرواحنا وأموالنا ومقدساتنا نهبا للدواعش المجرمين” .
وفي سياق ذلك أكد احد الزائرين : ” أنه مواظب ومنذ سنة تقريبا على تقديم يد العون لعوائل الشهداء وخاصة الأيتام بعد أن استحصل الإذن الشرعي من المرجع الديني لصرف الخمس في هذه الجهة، مثمنا في هذا الوقت التوجيهات الأبوية السديدة للمرجعية العليا ودورها الكبير في حفظ العراق وعودة الروح إليه بعد أن وصلنا إلى حالة اليأس تقريبا (على حد وصفه ) ” .
وبين زائرون اخرين من محافظات الجنوب كانوا قد وصلوا إلى كربلاء صباح اليوم للمشاركة في إحياء مراسيم زيارة عرفة : ” أن أبناءهم الآن يقاتلون مع أبطال الحشد الشعبي وقد حملوهم أمانة الدعاء لهم والزيارة نيابة عنهم وأنهم بالفعل أدوا الأمانة .
من جهته قال الزائر عباس كيطان ( مقعد على كرسي متحرك ) : أنا ما جئت لأزور وأدعو لنفسي ولا لأمواتي هذه المرة أنما عزمت على توظيف كل أعمال زيارتي هذه من قراءة قرآن وصلاة ودعاء كهدية لأخواني في الحشد، وأتمنى لو أستطيع الذهاب معهم للجهاد ولكن كما ترى وضعي لا يسمح (كما يقول) .
وليس بعيدا عن هذه الأجواء، اعتبر العديد من المواطنين المشاركين في إحياء مراسيم عرفة أن المعركة ضد الفساد والمطالبة بالإصلاح إنما تنطلق من هذا المكان ـ ويعنون ضريح الإمام الحسين عليه السلام ـ لأنه رمز الإصلاح ورائده وقائده الأول باعتباره امتدادا طبيعيا لنهج جده المصطفى صلى الله عليه وايه وسلم وأنه ( أي الإمام الحسين عليه السلام) كان قد خرج لطلب الإصلاح في أمة جده كما أعلن ذلك هو بنفسه عليه السلام حين جاء إلى العراق وفجر ثورته الخالدة وهو ما يحتم علينا أن ننتهج من ذلك سبيلا ومنهلا في إصلاح مجتمعنا وتنقيته من الفساد مستذكرا بذلك فتوى المرجعية العليا بوجوب الجهاد الكفائي التي انطلقت من صحن الإمام الحسين عليه السلام وما زالت أصداؤها تفيض من هذا المكان المقدس والتي الزمت بدورها الجماهير المؤمنة بالتواصل معها ( أي المرجعية ) عبر خطب الجمعة المباركة في الصحن الشريف .
على صعيد متصل تبرع آلاف الزوار بالدم ضمن حملة كبيرة نظمتها مستشفى سفير الحسين التابعة للعتبة الحسينة المقدسة ، معتبرين ذلك أقل ما يمكن تقديمه للمتطوعين في سبيل الدفاع عن الوطن.
يذكر أن العراقيين وخاصة أتباع أهل البيت يؤمنون ـ تبعا لأحاديث مروية عن النبي الأكرم وآل البيت صلوات الله عليهم ـ بأنه “من أحب عمل قوم أشرك في عملهم” وفي ذلك دلالة على أن المواطن الذي يحب الجهاد في سبيل الله مع عدم استطاعة اليه وقدرته عليه لسبب ما فإنه يشترك مع المجاهدين في ثواب عملهم وجهادهم ، فضلا عما يلتزمون به من قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآلة : (من جهز غازيا فقد غزا) وهو عين ما أشار إليه القرآن بتقديمه ذكر الجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس مما يدفعهم لتقديم الدعم المادي والتبرع لدعم الحشد الشعبي المجاهد كنوع من المشاركة معهم في فضل ذلك .
البوم الصور








































النهایة

