نشر : November 26 ,2020 | Time : 10:31 | ID 196974 |

كيف صار ابراهيم أمة؟!.. للمرجع وحيد الخراساني

شفقنا العراق- كتب شعيب العاملي بحثا نقلا عن سماحة المرجع الديني آية الله الشيخ حسين وحيد الخراساني تحت عنوان “كيف صار إبراهيم أمّة”؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

 كان الكلام في الإمامة وحكم القرآن فيها، وهذه الآية هي حجّة إلهيّة بالغةٌ في هذه المسألة التي تعد من أهم المسائل والمباحث، لأن كمال الدين مرتبط بها، وينبغي أن يُفهم في كل باب مطلبان للوصول إلى كنهه هما:

  1. إدراك العمل.

2.إدراك العامل.

فإذا عُرفا تحصل النتيجة.. أما العمل فكان (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ).. هذا نوع العمل الذي نجح فيه إبراهيم.

أما العامل، فالحُكم فيه أيضاً من القرآن والسنة، فينبغي النظر فيما قاله تعالى في شأن هذا العامل وشخصيته مع الاستمداد من كلمات أهل بيت الوحي.

أما كلامه تعالى عن العامل فهو (وينبغي الدقة في كلمات الآية كلمة كلمة): (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [النحل120-121]

(إن): يشرع في حرف التقرير والتأكيد والتثبيت.. وهو الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقف العقل هنا عاجزاً.. من كان إبراهيم؟ لم يكن شخصاً.. كان أمّة.. ماذا يعني هذا؟ كيف يكون شخصٌ واحدٌ عشرة أشخاص؟ أو مئة شخص؟ كيف يكون أمة؟

مقدار ما يستفاد من الكتاب والسنة أن ذلك الشخص قام بدور أمة.. قيمة الأمة بعملها.. فيصبح الشخص أمّة حينما يقوم بما يُنتظر أن تقوم به أمة، فيوصل ما عنده من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعلية، فقد هدم الأصنام وحده بلا شريك، وكان الوحيد في العالم القائل (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)..

هذه جهةٌ.. والجهة الأخرى أن إنسانية الإنسان ليست بهذا الجسم.. فمواد هذا الجسم موجودة في التراب أيضاً.. بل حتى في أبدان الحيوانات..  إنّ إنسانية الإنسان تتم بالمعرفة والكمال العقلي والعلمي والعملي..

هذا الشخص كان في السنة الخامسة عشر.. في مثل هذا السن وفي تلك البرهة من عمره جُمِعَت في وجوده جميع دلائل العلم والإيمان، فوصل إلى مكان أريت له ملكوت السماوات والأرض، وصل إلى مكان رأى طبقات السماء، وتجاوزت رؤية بصره وبصيرته السماوات والأرض ليصل إلى اللوح والقلم ويتجاوزها إلى الكرسي ثم إلى العرش.. هذا كله في تلك الفترة من عمره!!

فشاهد صروح العلم وملكوت الوجود.. (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ).. (قَانِتاً لله): أي قنوت هذا؟ (حنيفاً): في كل هذه الأوصاف شرح مفصل ولكن ليس لدينا وقت له.. (ولم يكن من المشركين): فتجاوز الشرك الجلي والخفي، (شاكراً لأنعمه) ما هي الأنعم ؟ (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) فتجاوز شكره كل شكرٍ.. هذا ما يحيّر العقول..

بعد ذلك (اجتباه) فصار مجتبى الله.. من يختاره الله ويجتبيه ويقبله.. من هو ؟ (اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم)، (وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً): بعد أن طوى كل تلك المقامات ووصل إلى مرتبة الإجتباء أعطاه الله حسنة.. لهذه النكرة معنى عظيم.. لماذا نكرة؟ لأنها غير قابلة للتعريف!

نموذجٌ من هذه الحسنة:

الصلاة معراج كل مؤمن، وبالصلاة يبلغ العبد الدرجة القصوى.. الصلاة التي هي عمود دين الله.. شاهد القرآن.. فمن عيسى إلى موسى إلى إبراهيم (ربنا ليقيموا الصلاة)

أما عيسى (وأوصاني بالصلاة).. وتصل للخاتم صلى الله عليه وآله (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) [الإسراء78-79]

ذلك المقام المحمود الذي وُعد به أحمد (ص) لا يصل إليه صاحبه ما لم يُصَلِّ لبيتٍ بناهُ إبراهيم (ع).. هذه حسنة في الدنيا.. فهل تكون قابلة للتعريف؟ ما لا يقبل الإدراك حجّ بيت الله (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً).. الحج بهذه العظمة..

جاء أحدهم إلى النبي (ص) وقال له: فاتني الحج هذا العام فماذا أفعل لأعوّض ذلك، فأشار لأبي قبيس وقال: لو كان لك مثل هذا الجبل ذهباً وأنفقته في سبيل الله لما وصلت لحج البيت..

من أين يبدأ حج البيت وأين ينتهي؟ هناك تعرف (وآتيناه في الدنيا حسنة).. شروعه من الوقت الذي يقول فيه : لبّيك اللّهمّ لبيّك، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك لبّيك..

ما هي لبيك هذه؟ كلّه جوابه في كلمة.. أمر الشروع في العمل (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) يبدأ من جواب دعوة إبراهيم..

وختام هذا العمل ما هو؟ واقعاً إن فهم القرآن معجزٌ ومحيرٌ.. ختمه هناك.. بعد أن قطع كل ذلك (وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فينبغي الصلاة خلف مقامه، من النبي الأكرم (ص) إلى إمام الزمان عليه السلام، قطب دائرة الإمكان.. ينبغي عليهم جميعاً أن يتّخذوا من مقام إبراهيم مصلى..

هذا نموذج للحسنة..

شعيب العاملي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها