نشر : June 30 ,2020 | Time : 09:31 | ID 184115 |

إمامة ومرجعية أهل البيت هدى قرآني وضمان لتكامل العالم وارتقائه المعنوي

شفقنا العراق – يؤمن الشيعة بأن الامامة منصب الهي يخضع لمقتضيات قوله تعالى (..اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ..) والامام إمام، قام أو قعد عن السلطة السياسية غير أنه في الآن ذاته لا يمكنه أن يلقي حبلها على غاربها.

تجسد مدرسة أهل البيت(ع) الإسلام المحمدي الأصيل، لأن قادتها ورموزها أبناء الدليل، وروح حوزتها مفعم بتتبع البرهان المستند إلى العقل ومصدر الوحي بأعلى درجات الإتقان، لكن أعداء الإنسانية بتوجيه إسرائيلي قديم منذ الصدر الأول، وهم يسعون في طمس الحقيقة، وحرف مسيرة خاتم الأنبياء (ص)، حتى وصل بهم الأمر كما اتضح إلى تحريف الآثار النبوية، وتجريم التدوين عن (من لا ينطق عن الهوى)،  ورميه بالخلط والهذيان في آخر لحظات حياته حتى لا يقبل الناس منه وصاياه، ولولا الرعاية الربانية، وقيادة أئمة أهل البيت (ع) الحكيمة  لمسيرة الإسلام، وبعد الغيبة الكبرى مساعي العلماء الأبرار، والمجتهدين الأخيار لاندثر  دين الله عن آخره

الامامة العظمى في الفهم الشيعي

يؤمن الشيعة بأن الامامة منصب الهي يخضع لمقتضيات قوله تعالى (..اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ..)[1] والامام إمام، قام أو قعد عن السلطة السياسية غير أنه في الآن ذاته لا يمكنه أن يلقي حبلها على غاربها على حد تعبير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)  كما في نهج البلاغة من الخطبة الثالثة: “..بعد أن أخذ الله على العلماء أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ(استئثار الظالم بالحقوق) وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ (هضم حقوقه)..” ، فان القعود وتجنب العمل السياسي والرسمي المباشر نسبي بكل ما للكلمة من معنى.. “[2].

وقد عرف العلامة جعفر سبحاني الامامة بأنها: “رئاسة عامة الهية…[3] وهي أصل من أصول الدين عند الشيعة، .. كما ينظرون الى الامامة بأنها استمرار لوظائف الرسالة، .. ومن المعلوم أن ممارسة هذا المقام، متوقف على توفر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد الا اذا وقع تحت عناية الهية ربانية خاصة، فيخلف النبي في علمه بالأصول والفروع، وفي عدالته وعصمته، وقيادته الحكيمة، وغير ذلك من الشؤون.. [4].

توجيهات عقلائية في اثبات الامامة

إن جميع ما في الوجود… هو ملك لله بحقيقة معنى الملكية..، فله تعالى أن يتصرف في ملكه، الذي هو مطلع على خصائص كل كائن فيه، ومن هنا له تعالى أن يجعل لمن أراد حق الولاية والإمارة على جميع الناس، أو على بعضهم… “قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء..”[5]  “إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ..”[6] وهناك آيات كثيرة تتجلى فيها معاني الخالقية والربوبية العامة، ثم “..إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ”[7] وحق جعل الحكم منحصر به تعالى وليس لأحد ان يجعل حكما الا لله تعالى .. “[8]، والآن دعونا نفكر بطريقة عقلائية مستندين على الاستقراء التاريخي، “..فلقد كان رسول الله يصون الدين من التحريف والدس، ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أصول وفروع حتى لا تزل فيه أقدامهم، … ويفسر القرآن، ويرد على الحملات التكشيكية التي يثيرها أعداء الاسلام وخاصة اليهود، ويرفع الخصومات والاختلافات، سواء فيما يرجع الى السياسة أو غيرها(غزوة الحديبية مثلا) ومن المعلوم أن رحلته تخلف فراغا هائلا في هذه المجالات، فيكون التشريع الإسلامي حينئذ أمام محتملات ثلاثة:

الأول: أن لا يبدي الشارع اهتماما بسد هذه الفراغات،  وهذا الاحتمال ساقط جدا، فإن في ترك هذه الفراغات ضياعا للدين والشريعة.

الثاني: هناك من زعم أن الأمة قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة (ص) في إعدادها حدا تقدر معه بنفسها على سد ذلك الفراغ، غير أن التاريخ يبطل هذا الاحتمال بأقل تأمل فلم يقدر للأمة بلوغ تلك الذروة لتقوم بسد هذه الثغرات التي خلفها غياب النبي الأكرم(ص)، لا في جانب التفسير، ولا في جانب الأحكام، ولا في جانب رد التشكيكات ودفع الشبهات، ولا في جانب صيانة الدين عن الانحراف… أما في مجال الإجابة على الموضوعات المستجدة، فيكفي في ذلك الوقوف على أن التشريع الاسلامي كان يشق طريقه نحو التكامل بصورة تدريجية، لأن حدوث الوقائع والحاجات الاجتماعية في عهد الرسول (ص) كان يثير أسئلة، ويتطلب حلولا .. ومن المعلوم أن هذا النمط كان مستمرا بعد رحيله المفجع، غير أن ما ورثه المسلمون منه (ص) لم يكن كافيا للإجابة عن ذلك، أما الآيات القرآنية في مجال الأحكام فهي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وأما الأحاديث في هذا المجال، فالذي ورثته الأمة لا تتجاوز خمسمائة حديث، وهذا القدر لا يفي بالإجابة على جميع الموضوعات المستجدة اجابة توافق حكم الله الواقعي، والحاصل انه لم يقدر للنبي استيفاء مهمة التشريع، ولم يتسن للمسلمين أن يتعرفوا على كل الاحكام الشرعية المتعلقة بالحوادث والموضوعات المستجدة، وفي مجال رد الشبهات والتشكيكات، واجابة التساولات فقد حصل فراغ هائل بعد رحلة النبي من هذه الناحية، فجاء اليهود بالذات تترى يطرحون الاسئلة ويشوشون أفكار الأمة، والتاريخ يشهد دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود ككعب الأحبار، ورجال الأديان الأخرى، وتميم الداري، ووهب بن منبه، وعبدالله بن سلام، والشعوبيون بين المسلمين، فراحوا يدسون الأحاديث الإسرائيلية، والأساطير والخرافات في المناهج الإسلامية التي اعتمدت بشكل او بآخر بعد وفاة الرسول (ص) وقد ظلت هذه الأحاديث المدسوسة تخيم على أفكار المسلمين إلي يومنا هذا .

الاحتمال الثالث: أن يستودع صاحب الدعوة، كل ما تلقاه من المعارف والأحكام بالوحي، وكل ما ستحتاج إليه الأمة بعده، لشخصية مثالية، لها كفاءة تقبل هذه المعارف والأحكام وتحملها، فتقوم هي بسد هذا الفراغ بعد رحلته (ص) وبعد بطلان الاحتمالين الأولين لا مناص من تعين هذا الاحتمال، فإن وجود إنسان مثالي كالنبي في المؤهلات، عارف بالشريعة ومعارف الدين، ضمان لتكامل المجتمع، وخطوة ضرورية في سبيل ارتقائه الروحي والمعنوي، فهل يسوغ على الله سبحانه أن يهمل هذا الأمر الضروري في حياة الإنسان الدينية؟… وما أجمل ما قاله أئمة أهل البيت في فلسفة وجود هذا الخلف ومدى تأثيره في تكامل الأمة، قال الإمام علي(ع): “..اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهرا مشهورا، وإما خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته”[9]، وقال الإمام الصادق(ع): “إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئا ردهم، وإذا نقصوا شيئا أتمه لهم” [10]، هذه المأثورات من أئمة أهل البيت تعرب عن أن الغرض الداعي إلى بعثة النبي، داع إلى وجود إمام يخلف النبي في عامة سماته، سوى ما دل القرآن على انحصاره به، كونه نبيا رسولا وصاحب شريعة، يقول الشيخ الرئيس ابن سينا في حق الإمام: “..والاستخلاف بالنص أصوب، فإن ذلك لا يؤدي إلى التشغب والتشاغب والاختلاف” [11]، ويقول أيضا في لزوم نصب الامام من جانب النبي (ص): “ثم ان هذا الشخص الذي هو النبي ليس مما يتكرر وجود مثله في كل وقت، فإن المادة تقع في قليل من الأمزجة، فيجب لا محالة أن يكون النبي قد دبر لبقاء ما يسنه ويشرعه في أمور المصالح الإنسانية تدبيرا عظيما”[12] – [13].

مبدأ الإمامة لا يختص بأمة محمد فقط

بينما يسطح كثير من المسلمين مبدأ الامامة في الجانب النظري لدرجة تصنيفهم المسألة على أنها من فروع الدين كأحكام الطهارة، أو تقليم الأظافر، يرشدنا القرآن الى عظيم قدر الخلافة عن الله:”وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”[14]. إذ تشير الآية إلى أنّ هذا الخليفة أرضي، وهو موجود في كلّ زمان، والدال على ذلك قوله:(جَاعِلٌ) لأنّ الجملة الاسميّة، وكون الخبر على صيغة (فاعل) التي هي بمنزلة الفعل المضارع، تفيد الدوام والاستمرار، مضافاً إلى أنّ الجعل في اللغة، كما يقول الراغب في المفردات، له استعمالات متعدّدة ومنها (تصيير الشيء على حالة دون حالة)[15]، وهذا ما أكّده جملة من المفسرين، كالرازي في (التفسير الكبير)[16] والآلوسي في (روح المعاني)[17]، وعندما يقارن هذا الجعل بما يناظره من الموارد في القرآن الكريم نجد أنّه يفيد معنى السنّة الإلهيّة كقوله تعالى: “جَعَلَ لَكُم مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً”، “وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً” ونحوهما.

ثم إنّ هذا الخليفة ليس هو مطلق الإنسان فيكون من قبيل قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ)[18]، وإنّما المقصود به إنسان بخصوصه، وذلك بقرينة الآيات اللاحقة التي أثبتت أنّ هذا الموجود الأرضي إنّما استحقّ الخلافة الإلهيّة لأنّه عُلِّم الأسماء كلّها مباشرة منه تعالى: “وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا”، ثمّ صار واسطة بينه تعالى وبين ملائكته “يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ”، ومن الواضح أنّه لا يمكن أن يراد به كلّ إنسان حتّى أولئك الذين عبّر عنهم القرآن الكريم بقوله تعالى: “أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ”[19]، إذن فهذه الآية تدل على ضرورة استمرار الخلافة الإلهيّة، أمّا من هو ذلك الخليفة في كلّ زمان فله بحث آخر..[20].

ومن الآيات الدالة على مبدأ الإمامة قوله تعالى لإبراهيم(ع) “إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً”ويلاحظ كلمة (جَاعِلٌ) في الحالتين (الخلافة والإمامة) إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ، فالخلافة والإمامة وجهان لعملة واحدة، الخلافة هي عن الله، والإمامة هي للناس، والخليفة الإلهي هو الإمام للناس “وإذ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ”(البقرة124) فالإمامة عهد من الله …لا ينالها ظالم، وهذا معنى العصمة، كما أنها في ذريه إبراهيم(ع) وقد نال إبراهيم الإمامة بعد النبوة والخلة[21].

إمامة أهل البيت امتداد لخط الأنبياء

سنتوقف في هذه العجالة عند آية من الآيات العديدة الدالة على إمامة أهل البيت (ع) لأهميتها، حيث الإشارة إلى حدث أكمل به الدين الإلهي الخاتم للحد الذي يأس بسببه الكافرون الذين يكيدون بالإسلام وخاصته، ثم نختم بحادثة الغدير المرتبطة بها.

“الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِين كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَام دِينًا”[22].

هذه الآية تخبر عن يوم، وقع فيه حدث، أسفرت عنه نتيجتان: الأولى: يأس الكافرين النيل من الإسلام، والثانية: إكمال الدين وإتمام النعمة الالهية على المسلمين، وارتضاء الله للاسلام باعتباره دينا إلهيا خالدا، والآن لا بد من أن نرى: أي يوم ذلك اليوم وأي حدث عظيم وقع فيه؟

وردت أحاديث كثيرة عن طريق الفريقين بشأن نزول الآية، وبينت أنها نزلت في حادثة غدير خم في الثامن عشر من شهر ذي الحجة، وفي حجة الوداع، ففي ذلك اليوم الذي احتشدت فيه جموع غفيرة من المسلمين، نصب النبي (ص) عليا (ع) اماما وزعيما للمسلمين من بعده، وهذا ما أطبقت عليه روايات الشيعة.. ونقل بصور متواترة عند غيرهم من الفرق الاسلامية بلا استثناء.. إن التامل في مسألة الامامة ودورها الرئيسي والمهم في حفظ الاسلام وتطبيقه واستمراره، يكشف النقاب عن مغزى النتيجتين آنفتي الذكر، ذلك أنه بإعلان إمامة علي (ع) واتضاح مصير قيادة المجتمع الإسلامي بعد النبي (ص) غمر الكافرين يأس وإحباط شديدين، اذ باءت بالفشل كل محاولاتهم، ومخططاتهم، التي حاكوها ضد الإسلام، وظل يراودهم آخر أمل، وهو أن النبي (ص) ليس له ولد ذكر ليكون – وفق التقاليد الرائجة عند العرب- خليفة له، وعندئذ ستحين لهم – بعد وفاة النبي- فرصة مناسبة لتحقيق أهدافهم المشؤومة ضد الإسلام، وبنصب علي(ع) إماما للمسلمين بعد النبي بشكل رسمي وواسع ذهبت كافة أحلامهم أدراج الرياح، هذا من جانب، ومن جانب آخر فان الإسلام الذي بينت أصوله وفروعه قد وصل إلى أوج الكمال مع وضوح أمر الزعامة والإمامة، ذلك لان قائدا كعلي (ع) مع ما يملك من صفات ومؤهلات قادر على اعطاء تفسير صحيح للكتاب والسنة، وسيكون رأيه الثاقب معيارا للحق والباطل، وعند ذاك سيصان الدين من التحريف والتغيير، ومن الواضح أنه سيتم في هذه الصورة إكمال النعمة الإلهية على المسلمين، وسيجلب الالتزام به الرضا الإلهي دون شك.

وبهذا التدبير الذي تحقق في (غدير خم) على يد النبي (ص) حفظ الإسلام من كيد الكافرين، وزال الخوف والقلق عن المسلمين، والذي يبعث على القلق انما هو عمل المسلمين أنفسهم، حيث ستزول عنهم هذه النعمة العظيمة لكفرانها، فقد جرت السنة الالهية على عدم سلب نعمة انعمها الله على فرد أو قوم الا اذا كفروا بها، وهيؤوا الأسباب لزوالها:”ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..”[23]، وجملة “فلا تخشوهم واخشون” في آية اكمال الدين ناظرة إلى هذا القانون الالهي[24].

الغدير المغدور

“يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ” روى ابن ماجة في سننه- فضائل علي وأيضاً الحاكم في مستدركه عن (البراء بن عازب) قال: “أقبلنا مع رسول اللّه(ص) في حجته التي حجّ فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة فأخذ بيد علي، فقال: “ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟” قالوا: بلى قال: “ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟” قالوا: بلى. قال: “فهذا ولى من أنا مولاه، اللّه وال من والاه اللّه عاد من عاداه”.

لطالما استوقفتني هذه الحادثة الإسلامية المتواتر ذكرها في المصادر الإسلامية؛ حادثة مهملة عمليا، رغم قوة حضورها في الحديث والسنة النبوية والتاريخ، هي البيان النبوي لتكليف كل مسلم عقب رحلة النبي(ص) عن الدنيا، وتعيين المرجعية العليا لتفسير القران، وقطع دابر كل اختلاف قد يحصل في الأمة المحمدية باعتبار علي(ع) الممثل الشرعي للرسالة الإسلامية، التي واجهت منذ الأيام الأولى لفقد النبي حصارا فكريا؛ تمثلت أحد مظاهره بمنع تدوين السنة النبوية.

كل باحث متفحص سيتوقف مليا متسائلا عن دلالة ذلك الإعلان النبوي الشعبي العارم في “غدير خم” الذي حضره مئة ألف من الصحابة، تساؤل شغل بالي مذ كنت طالبا في المدرسة، حاولت أن أجد جواب هذا الإشكال في مصادر علماء “أهل السنة”، أو بطرح أسئلتي على المشايخ، الإجابات وبأمانة كانت تأتي بائسة، تسطّح تلك الحركة النبوية الهائلة، وتستصغر ذلك المحتشد الإلهي الكبير، في الصحراء اللاهبة، حيث يؤمر الحجيج بالتوقف للاستماع إلى البلاغ الأخطر قبل مغادرة النبي(ص) هذه الدنيا الدنية.

وقد يأتيك الجواب بأن تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا داعي لنبش تلك الأحداث الماضية! منطق عجيب لا مسؤول.. يعني أن نغض الطرف عن كل من شوه التاريخ، وساهم في حرف الناس عن وصايا الأنبياء، وأن نغض طرفا كذلك عن من يدمر الأوطان، ويغتصب الحقوق بمجرد التقادم كما يفعل متصهينو العرب اليوم بتبرئة إسرائيل واليهود المعاصرين من جرائمهم واغتصابهم لفلسطين وحبكهم للمؤامرات لتمزيق البلاد العربية والإسلامية.

يوم الإنسانية

بناء على ما سبق فإن النبي(ص) لما نادى للصلاة جامعة موقفاً الحجيج، مانعاً إياهم عن المسير، وفي خضم الحر الشديد، منصباً لهم بعد ذلك الأمير (عليه السلام) مرتكزاً قبل كل شيء على جبال الفضائل والمحاسن التي يتميز بها – سلام الله عليه- عن غيره، إذن، تستحق الحادثة وصاحبها تقديم الغالي والنفيس ونحن نبحث عن هذه الشخصية الأُسوة المقدسة، عن تراثها، تاريخها، كل ما يتعلق بها، وبعد ذلك وعند تيقن إرثها ومنهجها وبالاتفاق على مرجعيته كم سيربح العالم، وكم ستحسم من خلافات فتّت عضد الأمة.

 (مسألة الولاية) هي المفهوم الإسلامي الإنساني، فقائد الأمة أي النبي المعصوم الذي من المفترض أن لا يختلف في التزام أمره اثنان من (جماعة المسلمين) يريد أن ينقل للأمة آخر توصياته التي أكد عليها مِراراً، وكان يخص فيها رغم عمومها تلك القلوب المفعمة بالاخلاص، والمرتجفة لأجل مستقبل الإسلام; ولسان حاله: (لا تقلقوا، ولا يحزنكم فقدي، وها أنا أترك بين أظهركم صمام الأمان، وأجعل مسؤولية الدين والأمة بيد أمينة، وشخصية مثالية مؤهلة بجميع الكمالات التي حباني اللّه عدا كونه نبياً، وأن أية مشكلة أو معضلة يُخشى حصولها برحيلي فإن الإنسان الكامل الذي عرّفته لكم قادر على حلها إذا سلمتم إليه زمام أموركم وأطعتموه.

حد التواتر

ينقل عن الزمخشري قوله في حق علي: “ماذا أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله حقدا وحسدا، وأولياؤه خوفا، فظهر من ذين ما ملأ الخافقين..” صدق والله.. فرغم كل محاولات طمس هذه الحادثة، وإبطال هذا الحديث، فقد تواتر لفظا ومعنى عن مئة أو يزيد من الصحابة، وهنا حاول بعض حساد أهل البيت (ع) اللعب على وتر التفسير اللغوي، ومحاولة صرفه عن حقيقته فرد علماء مدرسة أهل البيت على ذلك بالحجة المحكمة التي تجدونها باستفاضة في محلها، واليوم لا عذر وعالم الانترنت زاخر بها والحمدلله، فلا عذر بفقدان المصادر.

وبما أنني قد قضيت في أوساط الطرق الصوفية ردحا من الزمن، وأعددت عنهم فيلما وثائقيا طويلا منشورا، فقد كنت أسأل كبارهم وبما أنهم يعترفون أن طرقهم في الذكر والأخلاق سندها إلى أهل البيت، فلماذا التنكر لدلالة حادثة الغدير؟ وجوابهم في أحسن الأحوال بأن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمامة باطنية، يعني أن علياً إمام المسلمين بعد رسول الله ولكن إمامة باطنية من دون الحكومة الظاهرة!!

الإنسان الكامل أمل الإنسانية

ليس بعيدا قبل سنوات، كنت قريبا كذلك من الشباب اليساري، وخلال دراستي للدراما في الجامعة قابلت العديد من الطلبة اللاأدريين، كان البعض منهم يشكل على فكرة خاتميه النبي محمد(ص)، وانقطاع الوحي، وبرأيهم فإن الزمن الحالي المضطرب أحوج ما يكون إلى نبي يهدي الناس ويرشدهم إلى سواء السبيل إن كانت دعوى الوحي صحيحة، وفي كل مرة أصل إلى نتيجة واحدة يمكن أن تجيبهم عن إشكالهم المحق، في نظرية الإمامة الإسلامية الشيعية فقط، الإسلام بمرجعية علي(ع) من دون مبالغة مرتبط بالسماء والمبدأ الأعلى، وفلاسفة الشيعة ومفكريهم بينوا ذلك بشكل أو بآخر، وأحاول هنا بيانه بشكل مفتاحي متواضع؛ فمنذ تنصيب علي في الغدير إلى الإمام الثاني عشر المهدي، يعني ذلك أن الذي يقود البشرية لا يمكن أن يكون إلا شخصية إلهية مسددة، قولها فصل وحكمها أمر وعدل، فالدين الذي أكمل بتبليغ الناس بولاية علي(ع)، مستمر إلى آخر الزمان، على رأسه أئمة أهل البيت(ع) الهداة الميامين، وكل إمام معصوم يشير إلى الإمام من بعده، حتى وصلت النوبة إلى المهدي القائم الحجة ابن الحسن، وان اقتضى اللطف الإلهي غيابه عن تشخيصنا، لكنه حاضر يرعى مصالح الإنسانية، يتدخل، ويسدد بالشكل الذي يراه مناسبا ويؤدي إلى المصلحة الواقعية لنضج البشرية وتكاملها، ومن هنا يعتقد الشيعة، أن السلطة الزمانية والمرجعية العلمية حق حصري للإمام المعصوم، وهو المحور في هذه العملية، وعندما تكون الأوضاع مساعدة والظروف مناسبة لابد من تولي الإمام منصبه والقيام بمهامه، وأما عندما لا تكون الظروف ملائمة للتصدي المباشر، فان الإمام يتصدى لمهامه بشكل غير مباشر، ويقوم بما يجب عليه القيام به لإعادة التوازن في حركة البشرية، والتمهيد لدولة العدل والقسط العالمية وعندما يتهدد وجود الإمام يضطر للغيبة المؤقتة، بتدبير يختاره الله للإمام ليتابع أداء مهامه بشكل أو بطريقة أخرى.

في القرآن آيات كاشفة تفيد مضمون استمرارية الوحي من دون انقطاع :”تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ”[25]، إذن تتنزل باستمرار كل عام على الأقل، ولا من أحد يشبه صفات النبي بعد رحيله إلا أوصيائه المعصومون وفق الاعتقاد الشيعي الوحيد من بين أديان الدنيا ومذاهبها الذي ما زال يرتبط بالوحي والسماء، وقد جاء في روايات أهل البيت(ع) “..إنما يأتي بالأمر من الله تعالى في ليالي القدر إلى النبي والى الأوصياء افعل كذا وكذا..” وفي إحدى الزيارات للإمام الحسين الواردة عن الإمام جعفر الصادق “.. إرادة الرب تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم..”.

اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك, اللهم عرفني رسولك فإن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك, اللهم عرفني حجتك فإن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني.

عبد الرحمن أبوسنينة/ باحث واعلامي فلسطيني

[1] – الأنعام 124.

[2] – انظر: المهاجر، جعفر،  التاريخ السري للإمامة، 7 .

[3] – العاملي، حسن محمد مكي، محاضرات آية الله جعفر سبحاني، منشورات المركز العالمي للدراسات الاسلامية، قم المقدسة ص 8 الجزء الرابع.

[4] – المصدر السابق ص 13.

[5] – الانعام 164.

[6] – النمل91.

[7] – يوسف40.

[8] – المؤمن القمي، محمد، الولاية الإلهية الإسلامية ص18.

[9] – نهج البلاغة، قسم الحكم، الرقم147.

[10] – الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق، أصول الكافي ،ج1،ص178.

[11] – الشفاء، الإلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الخامس، 564.

[12] – الشفاء، ج2، الفن الثالث عشر في الالهيات، المقالة العاشرة، الفصل الثالث، 558.

[13] – العاملي، حسن محمد مكي، محاضرات آية الله جعفر سبحاني، من بداية الجزء الرابع – ص45 بتصرف.

[14] – البقرة 30.

[15] – المفردات في غريب القرآن، ص 94، مادّة (جعل).

[16] – التفسير الكبير، ج 2، ص 165.

[17] – روح المعاني، ج 1، ص 220.

[18] – فاطر: 39.

[19] – الأعراف: 179.

[20] – مقتبس من شرح العلامة كمال الحيدري للآيات على موقعه الرسمي في الانترنت.

[21] – الصباغ، سالم، الامامة في القرآن، الفصل الأول ص50 النسخة الالكترونية.

[22] – المائدة، 3.

[23] – الأنفال 53.

[24] – الرباني الكلبايكاني،  دروس  في الشيعة والتشيع، تعريب أنور الرصافي، من ص 171 – 173 بتصرف.

[25] – القدر 4.

www.iraq.shafaqna.com/ انتها

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here