نشر : May 26 ,2020 | Time : 10:37 | ID 181405 |

أثر الكلمة.. المرجعية الدينية العليا والكوادر الصحية التي تواجه الوباء

شفقنا العراق-وردت في مقدمة الاستفتاء الموجه الى المرجعية الدينية العليا – حول عمل الكوادر الصحية (الطبية والتمريضية والمتطوعون) وهم يخاطرون بصحتهم في مواجهتهم للوباء – عبارة (لا يخفى عليكم)، ولا مجال لأن يخفى على المرجعية العليا شيء يتعلق بحياة الناس ومصالحهم وجميع همومهم وقضاياهم الا أحاطت به علما وألمت به إلماما تاما، بحيث لا يترك دون اهتمام أو مواكبة حتى منتهاه في يسر وعافية وسداد.

ووردت في خاتمة الاستفتاء ذاته عبارة: (ما هي كلمة المرجعية الدينية لهم؟). وقد كان هناك من ينتظر الجواب, وربما هو انتظار لهفة واشتياق لما سيصدر من قول سيكون له الأثر المعنوي الذي يشجع هذه الفئات على مواصلة عملها  وإتمام مهمتها.

ربما كان البعض يتوقع كلمات كالتي اعتاد سماعها من المسؤولين حين يشجعون الكوادر الصحية ببعض منها أثناء تفقدهم للوضع، لكن الغالبية كانت تنتظر شيئا آخر، فالاستفتاء موجه لمكتب المرجع الأعلى وما سيصدر عنه سيكون بحجم هذه المكانة السامية التي عهدها المجتمع في مرجعية الاتزان والحكمة.

صدر الجواب مستهلا بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) وعيون هؤلاء تقرأه كلمة كلمة. العبارة الأولى تحدد عملهم بأنه (واجب كفائي)، وتلك كلمة تشبه تلك التي قيلت على منبر الحسين عليه السلام فصنعت النصر ومازال صداها يرعب الأعداء. ثم جاء الوجوب: (يجب على السلطات المعنية أن توفر لهم كل المستلزمات الضرورية لحمايتهم من مخاطر الإصابة بالمرض ولا عذر لها في التخلف عن ذلك). فرأت الكوادر الصحية نفسها مدعومة من قبل المرجع الأعلى الذي كان حريصا على سلامة المنتسبين فيها فهم بمثابة الأبناء.. إنها الأبوة وقد رأوها في هذه الكلمات.

ثم جائت هذه  المقاربة وهذا التقييم : (ولا شك في ان ما يقوم به هؤلاء الأعزّة  بالرغم من كل التحديات عمل عظيم وجهد لا يُقدّر بثمن، ولعلّه يُقارب في الأهميّة مرابطة المقاتلين الأبطال في الثغور دفاعاً عن البلد وأهله).

ثم كان الرجاء بأن المضحي منهم بحياته في هذا السبيل أن يثبت له أجر الشهيد ومكانته يوم الحساب.. فكان لذلك بالغ الأثر في نفوسهم يتسائلون: شهداء.. شهداء.. أحقا شهداء؟

العيون تترقب ما سيختتم به الاستفتاء

المرجعية العليا تشكرهم شكرا جزيلا وببالغ التقدير تثمن عملهم وتصفه بالانساني الجليل.

العيون تشاهد فأذا بها دعوة مباركة تسأل بها المرجعية العليا العلي القدير ان يحميهم ويحفظهم ويبعد عنهم كل سوء. انه هو السميع المجيب.

نظرة أخرى لتاريخ هذه البشرى، انه الحادي والعشرون من شهر رجب الأصب  سنة 1441 من الهجرة وقد صبت عليهم الرحمة فيه صبا.

نظرة أخيرة للاستفتاء وقد ختم بختمه الشريف لتنطلق هذه الكوادر في مواجهتها للوباء يصحبها الأمل بالنصر والفوز، فكانت الصور الرائعة والمشاهد الجميلة والمواقف الإنسانية تتجلى بأروع التجليات، فما الذي فعلته الكلمة التي قالها السيستاني؟

لست ممن يعمل ضمن هذه الكوادر التي أغبطها على ذلك، لكنني أحببت أن أسجل بعضا من المواقف التي كان لكلمة المرجعية فيها الأثر البالغ الذي يتخطى كل التصورات عن تضحيات لا تضاهيها سوى تلك التي سطرها أبناء الفتوى على السواتر، فاستعنت بصاحبي الذي يعمل موظفا في دائرة المشاريع التابعة لوزارة الصحة وكانت وظيفته تجهيز المستشفيات بما يلزمها من معدات في مواجهة تحديات الجائحة، كانت فرص اللقاء به نادرة لذلك انتهزت فرصة تهنئته بالعيد لا طلب منه أن يرسل لي بعضا من مشاهداته لمواقف هذه الكوادر بعد صدور الاستفتاء فلم يقصر الرجل في سرد ما أسعفته به ذاكرته وسأورده بتصرف مني في بعض عباراته دون الخروج عن القصد في روايته:

قال: “في بداية انتشار هذا الفيروس – الذي وصفه باللعين – تم توجيهنا من قبل الوزارة للقيام بزيارات ميدانية ندون فيها احتياجات المستشفيات بصورة عامة من أسرة ومواد عزل. كنا نذهب والخوف يرافقنا لأننا نعلم مدى خطورة هذا الفيروس اللعين، لذلك كنا نقف خارج المستشفى وننتظر شخصا يسلمنا قائمة الاحتياجات وكان خوفنا يزداد كلما اقترب منا رغم أننا كنا نرتدي مستلزمات الوقاية، وكانت مجموعتنا تتألف من مهندسين وإداريين أنيط بهم هذا الواجب, حتى أننا قدمنا اعتذارا لمسؤولينا من إكمال هذا العمل بسبب خطورة الوضع فهي مسالة حياة أو موت بالنسبة لنا لكن الإدارة كانت ترفض بسبب عدم وجود بديل.

ذات يوم اتصل بي أحد الإخوة المهندسين وسألني: (هل سمعت بماذا أفتى السيد المرجع) لم أكن حينها قد اطلعت على الاستفتاء، فأرسل لي نسخة منه عبر الهاتف قرأتها واتصلت به، وقبل أن أتكلم معه بشيء أخبرني بأننا سنذهب غدا إلى مستشفى العزل الجديد الذي يقع على أحد جانبي قناة الجيش وكان في وقت سابق فندقا لبعثة الأمم المتحدة.

هنا تغير كل شيء لأننا هذه المرة دخلنا ببدلاتنا الواقية دون ذلك الخوف الذي كان يلازمنا حيث كانت الوجوه شاحبة من قلق على النفس والعيال فيما لو تعرضنا للعدوى، بل تعدى الأمر إلى شعور بالحماسة ليوم آخر من العمل في سبيل توفير احتياجات هذه المستشفيات والدخول في ردهاتها دون خوف وكنا نروي للكوادر التمريضية فيها حكاية مشاعرنا قبل الفتوى وبعدها فاخبرونا أن القضية لا تخصكم وحدكم فقد كان لدينا أشخاص يرفضون التعامل مع الحالات المصابة لكنهم بعد صدور هذا الاستفتاء عادوا وقد علت وجوههم الابتسامة.

يكمل صاحبي حديثه: لم يكن هؤلاء بمثابة كادر تمريضي فقط بل كانوا مثل العائلة للشخص المصاب يشجع بعضهم البعض ويوصي بعضهم البعض بأن لا تقصر مع المريض. وكم حاولت أن التقط للبعض منهم صورا وهم يسطرون هذه المواقف الإنسانية الرائعة لكنهم كانوا يرفضون ذلك ويقولون: (هذا عملنا خالص لوجه الله تعالى) ويقولون: (نخاف يصير رياء وهاي فتوى من السيد المرجع يعني هذا العمل مقبول وما نريد يضيع).

قلت لهم إذن حدثوني عن بعض المواقف التي كنتم شهود عيان فيها. قال أحدهم: (كنا سابقا إذا جاء موعد خفارتنا نهيء انفسنا قبل خمس او عشر دقائق من الساعة الأخيرة لكي نسلم الواجب للممرض الآخر، الآن عندما يذهب الخفر للاستراحة ويدخل الغرفة نأخذ الهاتف حتى لا يرن ويستيقظ ونعمل أجواء ونطفئ الأنوار ونغلق الباب بإحكام وكل هذا في سبيل نبقى لأطول مدة في الخفارة طلبا للأجر).

ثم يروي حكاية أخرى فيقول: (كانت إحدى عاملات النظافة وهي امرأة كبيرة السن لم تكن تغادر إلى منزلها وكانت بمثابة الأم للمصابات من النساء حيث كانت تهتم بشؤونهن الخاصة).

هذا ما ذكره لي هذا الأخ طالبا عدم ذكر اسمه فهو يرى أن الأجر قد يزول بذكر الأسماء كما هو في أداء سائر القربات كالخدمة الحسينية في الزيارة وغيرها.

هنا ينبغي الإشارة إلى أن كلمة السيد المرجع الأعلى كان لها الأثر البالغ في حث هؤلاء الأعزة وتشجيعهم لأداء عملهم على أكمل وجه.

والأمثلة التي أوردناها وأن كانت مقتصرة على شريحة معينة لكننا لا نغفل دور الأطباء وغيرهم ممن نذروا أنفسهم لأداء هذا الواجب الإنساني الكبير ولا نغفل كذلك عن كونهم بشر يصيبهم ما يصيب سائر الناس من العلل والأمراض وأن لهم آباء وأمهات وزوجات وأولاد يخشون عليهم كما نخشى نحن لكنهم آثروا إلا أن يكونوا من المضحين.

فتحية لهم وهم يخوضون غمار هذه المعركة.

 حسين فرحان

————————–

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها