
خاص شفقنا العراق – رشفني إقيانوس الأربعين المتعالي بكرامات الحسين ، الهائج بأمواج البشر التوّاقين ، الزاحفة قلوباً وعقولاً إلى قبلة العاشقين ،المتّقدة أحاسيسَ وأفكاراً سرمديّةً أبد الآبدين ، الراشحة رؤىً تنهج نهج الحسين الشهيد ، حبيبنا وحبيب الإله المجيد …![]()
رشفني رشفةً أنبت في حناياي بذرةً أينعت تذكرةً بما تعلّمته واستوعبته ديناً ونهجاً وثقافةً ..
إذ تعلّمتُ : أنّ نهجنا ، ديننا ، ثقافتنا – بما هي هي – صريحةٌ شفّافةٌ حين تضعنا في الصورة التي ينبغي أن نكون عليها ؛ حيث رسمت لنا خارطةَ طريقٍ بذاك الجلاء والوضوح ، وأعلمتنا بالأدلّة المتينة أنّنا من أين ، في أين ، إلى أين .. عبر الأدوات والآليّات القمينة .
إنّما هي القيود والحواشي والاجتهادات الخاطئة وتضارب المباني ، التي تنتج الضبابيّة والتشويش وتحول أحياناً كثيرة دون بلوغ المقاصد الشريفة والمرامي العظيمة .. رغم قداسة المبادئ وطهارة القيم ووضوح الطريق ومعالمه وإشاراته وحدوده وتخومه ..
فاُصول الدين و الاعتقاد والفروع وأحكام الشريعة وتفصيلاتها ألِقةٌ كألَق الشمس في رابعة النهار ..
ربّنا الله تبارك وتعالى ، نبيّنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين ، فاطمة الزهراء سيّدتنا ومولاتنا ، أئمّتنا المعصومون إثنا عشر ، آخرهم المهديّ المنتظر .. نوّابه الخاصّون – قُدِّست أسرارهم – قضوا جميعاً ، نوّابه العامّون هم الفقهاء الذين اجتمعت فيهم الشروط المعروفة .
بهذا النظم والنهج زحفنا فوق المكان والزمان ، كتبنا التاريخ رغم مساعي الحذف والتضليل والترويع التي كلّما ضربت بنا ضربنا في الأعماق جذوراً باسقة الفروع والأغصان ، قاطفةً أطيب الثمار زاهية الألوان .
لم نمتدّد بالترهيب والخداع والإغراء وسطوة السيف .. ولاننكر احتياجنا القوّة ضرورةً ؛ كالذبّ عمّا يجب الذبّ عنه ورفع الظلم والحيف …
انتشرنا بالفكرة الصائبة والقول السديد والفعل النابض والتقرير الفاعل والنتاج المعرفي الآسر .
صنعنا من المعاناة والضغط والحصار والآلام فرصَ انطلاقٍ وتحرّر وترويج لرسالة الحبّ والوئام والسعادة والسلام باحترام كرامة الإنسان وحرّيته في الحياة والانتخاب براحةٍ وأمان .
لم نُحذَفْ ونُنفى فحسب ، بل بقينا أحياءً وصبرنا ، توسّعنا وترامت أطرافنا ، فأرغمْنا المناوئَ على الإذعان بوجودنا الباسق ونموّنا الزاهر وسموّنا الشاهق .
بحسابٍ : لسنا أقلّيّة ، فالأقلّيّة لها مواصفاتها التي لاتنطبق علينا من حيث الضعف والخفوت والتقوقع والخوف والسكوت .. فنحن أقوياء بنهجنا وديننا وثقافتنا وأخلاقنا ، بماضينا وآننا وغدنا ، بحضورنا ونتاجنا ، بمراجعناوعلمائنا ورموزنا ونخبنا وأخيارنا ، بمؤتمراتنا الميليونية التي فاقت ماسواها بحساب الأرقام والولاء والاعتقاد .
نحن الأكثريّة لمّا اخترقنا القلوب والعقول وغزونا الألباب والشعور بالعشق والحوار ، بالوثوق والهدوء والاطمئنان .
بحسابٍ : نحن القلّة ، إنّما القلّة الممدوحة التي تكرّر ذكرها في النصّ الحكيم ، القرآن الكريم .
إذن نحن الكثرة والقلّة في آنٍ واحد .
نمتلك الجرأة والشهامة والشجاعة في نقد موارد الخلل والنقص والفجوات والأخطاء التي وقعنا بها وارتكبناها سالفاً وحاضراً ؛ طوراً بفعل اجتهاداتٍ وسلوكيّات وأعمال افتقرت الدقّة والضبط والعمق والتحقيق ؛ وطوراً بفعل العاطفة والأحاسيس العجولة والتهوّرات الغاضبة المراهقة غير السليمة ، على صعيد المجتمع والدولة والإدارة والأخلاق …
ترانا نجدها – بالمراجعة والفحص والاستقراء والمقارنة والتحليل والاستنتاج – لاتمتّ إلى اُصول الدين والمنهج والثقافة المعهودة بأيّة صلة تُذكَر .
الحوار الذاتي – الذاتي هو السبيل الأنجع للوقوف على عين الإشكال وتشخيصه ثم تطويقه واستخدام الأدوات المعرفية في معالجته وحلّه ، وهذا مايفتح الآفاق الرحبة نحو حوارٍ إنسانيٍّ شامل لإيجاد وبناء الاُسس المشتركة التي تأخذ بالبشرية صوب الهداية والصلاح والسعادة والفلاح .
نعم ، رشفني إقيانوس الأربعين الحسيني بتذكرةٍ وددت الإفصاح عنها لكم أحبّتي ، كوننا نتشاطر الأفراح والأتراح ، ونغترف من ذات النمير الفيِاض ، فحريٌّ بنا أن تتلاقح فينا الآراء الواعية لنحصل على الحلول السامية ، ولاسيّما أنتم يا من سافرتم بأجسامكم ، بأرواحكم ، بضمائركم ، بقلوبكم ، بأفكاركم … يا من سرتم مسيرة السلام إلى محبوب الربّ والأنام ، إلى كعبة العشق والولاء ، ملحمة العزّ والإباء ، معقل الرؤى والبصائر الغنّاء … إلى حيث يشمخ الخلود ويتسرمد بحسين الأرض والسماء .
بقلم: کریم الأنصاری

