خاص شفقنا- بيروت-لا يكاد يمرّ يوم في لبنان من دون عرض وسائل الإعلام لجريمة وقعت هنا وأخرى هناك، منها ما يمر على وسائل الاعلام كخبر لم تسمح الصدف بوجود أحد الهواة يصور أحداث الجريمة بهاتفه، ومنها ما هو موثق بالصوت والصورة وكأننا أمام فيلم هوليودي فيكتمل التفاعل وينقسم الشارع بين مبرر ومستنكر وتضيع القضية بين نقمة طائفية واروقة سياسية…، جرائم كثيرة ألفتها العيون وأقست القلوب، أسباب وقوعها الغير مبررة متعددة ولكن من المفترض أن لا يتقبلها العقل البشري ولا تبررها الأديان السماوية ولا يغطيها قانون… المعالجة الإجتماعية والارشادات الدينية، البحث عن قانون رادع، نقاط نحملها لأصحاب الشأن ونخطها سطورا على صفحات “شفقنا” فربما تكون خير رسالة إعلامية هادفة تحمل بين سطورها موعظة وعلاجا لأسوأ الأعمال وهي سفك دماء أبرياء.
غياب الدولة والقانون جعل ارتكاب الجريمة أمراً مألوفا
علم الإجتماع يعزو السبب الرئيسي لانتشار ارتكاب الجرائم إلى تراجع هيبة الدولة والقانون وضعف السلطة، حيث يشير الدكتور طلال عتريسي لوكالة “شفقنا” الى ان “السقف الذي يحمي المواطن والذي عادة ما يخاف منه بسبب ردعه لها فهو ضعيف ولم يعد في نفس القوة كما كان سابقا، مما يشجع الناس على ارتكاب الجرائم، لأنها تعتقد _ ولو بشكل غير مباشر_ انها اذا ارتكبت جريمة من الممكن ان يتدخل احد لعدم معاقبتها او سجنها، خصوصا وان احكام كثيرة صدرت على اناس مجرمين وعملاء كانت احكاما خفيفة وبسيطة وهذا ما شكّل خلفية لدى الناس لكي يتجرؤا على ارتكاب الجرائم”.
واذ يعتبر عتريسي ان ارتكاب الجريمة صارت أمرا مألوفا، ولم يعد مستنكرا او مرعبا، يشير الى ان “وسائل التواصل الحديثة تبث يوميا أحداثاً من الذبح والإعدام وقطع الرؤوس والحرق، وعلى الرغم من انه مستنكرا، إلا ان النظر أَلِفَهُ فأصبح القتل أمرا عاديا كأنه “فيلم سينمائي””.
التوتر الإجتماعي يساعد على ارتكاب الجرائم
ولفت عتريسي الى ان “هناك نوع من التوتر داخل المجتمع، سببه تراجع سقف القانون وتراجع الخدمات البسيطة التي تؤمن الراحة للمواطن، وهي غير متوفرة، فيصبح غير قادرا على تحمل اي ازعاج واي معارضة او ازدحام سير او ازعاج الجيران، مشددا على ان “التوتر الإجتماعي ايضا يساعد على ارتكاب الجرائم، والحزم في تطبيق القوانين هو الرادع الأساسي لعدم ارتكابها وانتشارها”، مشيرا الى ان “القانون يجب ان يعود الى الحزم والقوة والقسوة في التنفيذ”.
واعتبر عتريسي “اننا بحاجة الى توسيع الثقافة المختلفة، ثقافة ما يسمى حل النزاعات بالطرق السلمية، الصبر والتحمل وحسن الجوار، وفي مجتمع كلبنان، نحن بحاجة الى احياء هذه المفاهيم التي تتضمن الجانب الاخلاقي، ومن المفترض ان تلعب وسائل الاعلام الدور الكبير، ويجب عدم نشر صور الجرائم التي ترتكب ومقاطعتها واستبدالها بما يعيد محاكاة الطبيعة الانسانية اقرب منها الى الجانب الانساني المسالم”.
التبليغ الديني ودور رجال الدين
من الناحية الدينية، يعتبر الدين رادعا اساسيا لأي جريمة من الجرائم، كما يشير القاضي الشيخ حسين قصاص، فهو الذي ينشر الأخلاق والمبادئ ويعلم الناس كيفية التعاطي فيما بينهم، اضافة الى انه ينظم العلاقات الإجتماعية والمادية والروحية، فيعطي كل ذي حق حقه.
وشدد على ان “لرجال الدين دور بارز في نشر هذه الافكار من حيث الإرشاد والتعليم والتربية، فيعطي الناس هذه المثل والقيم ويعلمهم حقوقهم وواجباتهم، وهنا يتقلص انتشار الجريمة بنسبة عالية جدا اذا كان المجتمع متجاوبا مع المفاهيم الاسلامية والقوانين ومع هذه المنظومة المتكاملة، لتكون محكومة تحت سقف الدين وسقف القانون”.
تطبيق القانون الاسلامي يحد من الجريمة
اما من حيث العقاب على ارتكاب الجرائم، وتابع الشيخ قصاص، فتدل الآيات القرآنية في سورة البقرة على الحدود والقصاص ” وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” 179، لأن الإسلام يعاقب على الجريمة على قاعدة العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص، وفي آية اخرى من السورة تشير الى العفو “وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 237، كل هذه الامور تعمل على الحد من الجريمة، والعقوبات التي نص عليها الاسلام من حيث العقوبة والتعزيرات.
وختم القاضي قصاص بالقول “هذه المنظومة القانونية في الاسلام تجعل الجريمة قليلة ومنعدمة ان طبق القانون الاسلامي، وهذه ترجع الى تربية المجتمع وحالته، ولكن الدور الأكبر هو للدور التبليغي والثقافي وجعل البيئة الاسلامية البيئة الحاضنة لهذه المفاهيم التي تعمل ضمن هذه القوانين والاحكام والتشريعات”.
اذا، يبقى للجريمة اسبابا غير مبررة لارتكابها، ولا شك ان الحالة الاجتماعية السيئة التي يمر بها لبنان وغيرها من البلدان التي تكثر فيها الجريمة، عملت على انتشار الجرائم ومرتكبيها، اضف الى السقف الرادع وهو غياب هيبة الدولة والقانون، إلا ان الدين الإسلامي بمنظومته المتكاملة وضع قوانين عدة من حيث العقاب لمرتكبي الجرائم عبر التبليغ الديني ودستور الحياة القرآن الكريم.

