نشر : December 1 ,2019 | Time : 20:54 | ID 165627 |

حراك العراق الإصلاحي ومخاطر اللااستقرار والحرب الأهلية وتكرار التجربة الليبية-المصرية (بقلم أبوالفضل فاتح)

خاص شفقنا-إن الحراك الإصلاحي الذي أطلقه الشعب العراقي المظلوم وبات عنوانه الأبرز ثورة المحرومين ضد الفساد والفقر وضد الاستهانة بهم، قد أسس نظريًا لخطاب جديد في تاريخ العراق السياسي والديني، ومنه الاعتراف بـ “الحق” في الاحتجاج، والتجمهر الاحتجاجي، واعتبار “رأي الشعب” حقا أساسيا.

لقد عمل الشعب العراقي في الأسابيع القليلة الماضية على انتقاد الساسة، والاحتجاج في الشارع، ولم يتوان في الإصرار على المطالبة بحقوقه رغم تكبده لخسائر كبيرة في النفوس بين قتيل وجريح.

كما إن نخب العراق وساسته ومع كل أعمال العنف التي انتشرت في البلد، استخدموا أدبيات جديدة في هذه المرحلة. فبادروا إلى تسمية القتلى بـ “الشهداء”، فضلا عن إصرارهم على متابعة مطالب الشعب العراقي وما مورس ضده وضد عوائله من ظلم وعسف.

ما ذكرناه لا يمكن اعتباره إلا سلسلة من إنجازات لابد من الإشادة بتحقيقها. لكن لا يخفى على أحد إن استمرار هذا الحراك الإصلاحي وتحقيقه لنتائج مرجوة بحاجة إلى رؤية مستقبلية واستثمار تجارب بلدان أخرى.

لقد أظهرت تجارب بعض البلدان، وسيما التي لم تكن ذات تاريخ يذكر في الديمقراطية، إن عدم تحقيق نتائج ملموسة ومقنعة منذ أولى مراحل الحركات والثورات، يمكن أن يؤدي إلى غلبة الفوضى والاضطراب وظهور نتائج عكسية.

إذا لم ينجح الساسة في تلبية مطالب الناس واستجابتها فمن الممكن أن تبدأ دورة من الفوضى المتزايدة والممتدة تجعل الناس تلجأ تدريجيًا إلى استبداد جديد خوفًا من عدم الاستقرار وانعدام الأمن. فالتجارب التي شهدتها كل من ليبيا، واليمن، والصومال، والسودان، والبحرين، ومصر كلها شواهد مهمة على المخاطر التي باتت تهدد مستقبل الحراك الإصلاحي والاحتجاجي للشعب العراقي في ظل الأحداث التي وقعت في الأيام القليلة الماضية.

إن أجزاء واسعة واستراتيجية من العراق باتت تتعرض لفوضى وعنف وانفلات أمني غير مسبوق بفعل تدخل الحاقدين على الشعب العراقي. وقد لجأ البعض إلى تهديد أصحاب المحال التجارية والدوائر الحكومية والمدارس، لتعطيل عملهم، فاستهدفوا الأبرياء وسفكوا دماءهم، وفي مدينة مقدسة مثل النجف الأشرف، دنسوا الحرمات وتعرضوا لمرقد من كرس حياته للكفاح ضد النظام البعثي واستشهد على يد الإرهابيين، وهو آية الله الشهيد محمد باقر الحكيم، فأحرقوا بوابة مزاره في محاولة منهم لعدم البقاء على أي حرمة.

وقد وصلت أعمال الشغب، والتخريب، وإراقة الدماء، وهتك الحرمات والتهديدات الافتراضية وغير الافتراضية، والتعرض للأماكن العامة، والمدنية، والدينية، والدبلوماسية ومنها القنصليات الإيرانية، إلى مستوى غير مسبوق. جعلت بعض المدن مثل النجف والناصرية غارقة في أزمة مطبقة عنوانها غياب الأمن، والذعر.

إن عجز وعقم القوى السياسية العراقية بإمكانه أن يؤدي إلى استمرارية عدم الاستقرار هذا ونتائجه السلبية. وبينما كنا ننتظر منها المسارعة في الحصول على توافق جامع للخروج من الأزمة الراهنة ووضع خارطة طريق لإنجاز الإصلاح الحكومي وتغيير قانون الانتخابات ومواجهة الفساد، لكن هذه القوى السياسية فشلت ولم تحقق شيئا يذكر. وفي ظل عدم تحقيق هذه الأحزاب لنتائج مرجوة وغياب أي أفق إيجابي، لم يعد يعول عليها أحد وباتت مكانتها الاجتماعية في مهب الريح.

كما إن أعداء حرية الشعب العراقي واستقلاله، وبعد أن فقدوا سلطتهم بانهيار النظام البعثي، لم يهدأ لهم بال وما زالوا يحيكون المؤامرات والمشاريع ليستعيدوا سيطرتهم على هذا البلد الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

وفي حال التغافل -لا سامح الله- سيدخل العراق وضعًا وظروف مقلقة وهشة تجعل حراك المحرومين الإصلاحي عرضة للمصادرة والانحراف. وسيؤدي استمرار هذا الوضع دون النظر لإيجاد حل سريع لتلبية مطالب الشعب، إلى تصاعد حدة الفوضى والشغب وهدر الطاقات البشرية والوطنية. وإذا ما بقي الحال على ما عليه وغاب الاستقرار والثبات، فيتحول العراق إلى أرض محروقة تمزقها الحرب، تكون فيها الهشاشة السياسية والاجتماعية والأمنية العنوان الأبرز، والقوة الوطنية الحلقة الأضعف.

هكذا سيكون العراق عرضة لثلاثة مخاطر كبيرة، هي:

          أ‌-          الحرب الأهلية: لا نستبعد خطر بقاء الاضطرابات الاجتماعية ومن ثم اندلاع شكل من النزاع الداخلي والحرب الأهلية في ظل الفجوة الاجتماعية الهائلة، والحرمات المستباحة، ونزيف الدم، ووجود شعور قوي بالانتقام، وسهولة الوصول إلى السلاح، وغياب سلطة القوات الأمنية وضعفها في تأمين جزء مهم من البلد، فضلًا عن رغبات بعض القوى الإقليمية ومنها المملكة العربية السعودية. فقد تكبد العراق خسائر هائلة خلال فترة الاحتلال الأمريكي، كما أن محاربة داعش استنفقت كمًا هائلًا من قدراته البشرية والمالية فضلا عن خراب مدنه، وها هو اليوم يكاد أن يقضي بيده، على ما تبقى له من مقدرات ورأس مال، فتعود الاغتيالات والتقاتل بين الإخوة فتندلع نار حرب أبعادها أهلية على نظير ما حدث في ليبيا. سيما وأن الحكومة المركزية باتت ضعيفة غير فاعلة، والعديد من المجموعات المرجعية والشخصيات التي كان يمكن أن يعتمد عليها المجتمع في ظروف الأزمة لحل المشاكل، قد فقدت مصداقيتها أو أنها تعرضت لتشويه مخطط ومتعمد ولم يعد في الساحة من الساسة من يكون قادرًا على تهدئة الأوضاع. وباتت مؤسسة المرجعية، الرأسمال الاجتماعي الوحيد المتبقي، لتحل الأزمات، جمعة وراء جمعة، وتفتح باب أمل.

      ب‌-       التقسيم: خطر التقسيم غير مستبعد في ظل تعدد الانقسامات المذهبية والعرقية، والفجوات السياسية، وإمكانية استقلال كل جزء من العراق بالنظر إلى الثروات النفطية الممتدة من الموصل السنية، مرورًا بكركوك الكردية، حتى البصرة الشيعية؛ فهناك احتمالية إعادة تفعيل خطط التقسيم التي فشلت سابقًا.

      ت‌-       الانقلاب العسكري: تاريخ العراق حافلٌ بالانقلابات العسكرية وفيه أرضية خصبة لها. وهناك عدة حقائق تجعل من الانقلاب العسكري أو تمرد فصيل مسلح، خيار يلوح في الأفق. فشرعية القوى السياسية في تراجع حاد، والبنية الرسمية والمركزية للبلد أضعف من كل وقت، كما إن بعض أعداء العراق، مثل أمريكا، يخططون لإعادة سيطرتهم على هذا البلد بعد أن فشلت في تحقيقه عبر داعش. ولا ننسى بأن مكانة الجيش ومنصب رئاسة الوزراء باعتباره أعلى قائد سياسي، بات مهتزا في ظل الظروف الراهنة.

هناك احتمالية أن تكون أمريكا تسعى إلى تكرار النموذج المصري في العراق بتمويل سعودي. فكلنا نتذكر أنه عندما لم تسفر الثورة المصرية في صعود حكومة على الهوى الأمريكي، بدأت فترة من الفوضى وتراكم الغضب، أعقبتها أحداث إرهابية ومن ثم انقلاب عسكري أتاح لأمريكا أن تأتي، عبر انقلاب عسكري، بما تريده من حكومة تحت ذريعة إنهاء الفوضى والعنف، فكان ذلك بداية النهاية للديمقراطية المصرية الوليدة.

ومن المرجح أن تعمل أمريكا والسعودية على تكرار السيناريو نفسه في العراق، مع بعض التغييرات، يكون إطاره ظهور مركز، أو أكثر من مراكز قوة بحكومة أو حكومات عسكرية. وهذا ما حذرت منه المرجعية الدينية العليا في خطابها، الجمعة الماضية، بقولها: “إن الأعداء وأدواتهم يخططون لتحقيق أهدافهم الخبيثة من نشر الفوضى والخراب والانجرار إلى الاقتتال الداخلي ومن ثَمّ إعادة البلد إلى عصر الدكتاتورية المقيتة”؛ لكن، وللأسف، تم التغافل عنه، في ظل الاهتمام بموضوع استقالة رئيس الوزراء.

إن ما يمر به العراق من ظروف وأزمة متصاعدة، تجعله بأمس الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، لتوافق سياسي عاجل بمشاركة جميع اللاعبين ممن يحملون الشرعية والدعم الشعبي، وليس فقط أصحاب السلطة منهم. وحبذا لو تسارع جميع القوى والأحزاب العراقية، شعورًا منها بالمسؤولية وخطورة الوضع، بالالتزام بحذافير التوجيهات الأبوية لسماحة آية الله السيستاني “دام ظله”، وتبدأ عملية الحوار الوطني لتضع اللمسات الأخيرة لاختيار حكومة وقانون جديد وشامل للانتخابات دون أي مماطلة أو تضييع للوقت.

من المؤكد أن الساحة العراقية فيها وعي بوجود من يسعى لتحقيق مصالحه عبر ضرب الاستقرار وتعطيل الحكومة والبرلمان، فيلجأ إلى شعارات ظاهرها ثورية ووطنية ويقدم مشاريع عاطفية غريبة، فتعقد الوضع وتشعل النار الراقدة تحت الرمادة.

لا شك بأن اللاعبين الأساسيين في العراق يرصدون تطرف هذه الجماعات ومحاولاتهم تجاوز المرجعية. وعليه لابد أن تتسلح الأحزاب بالوعي والتضحية فتتجنب اللجوء إلى كل مشروع أو رؤية من شأنها النفخ في الرماد فتطيل مسار الإنجاز الحكومي وتأخر عودة الاستقرار لبنية البلد السياسية.

ولا ننسى بأن غاية الإصلاحات وهدفها هي إصلاح البلد ومحاربة الفساد، فلا يجوز القيام بممارسات لا تحمد عقباها وتكون نتائجها عكسية تكبد البلد والشعب خسائر جديدة، تنتهي بالابتعاد عن الغرض والانحراف عن المسار الإصلاحي. فحبذا لو يتم الإعلان، سياسيًا ودينيًا، عن حرمة اللجوء إلى العنف أو أي تحرك غير سلمي، فتكون جميع المدن المقدسة، بكل مناطقها، حرمًا آمنًا يحظر انتهاكه، ويبادر شيوخ العشائر ومعهم النساء والرجال، إلى تشكيل صفوف بشرية لمنع المتطرفين والمندسين من التخريب والشغب.

جميعنا نتذكر كيف غيّرت “فتوى الجهاد” ضد داعش، المشهد كلياً، فكل قطرة دم تسيل ستكون وبالاً على من سفكها وتغلق كل أبواب الحوار والتوافق. ولهذا السبب بات الأعداء والمتآمرون يحاولون تشديد إراقة الدماء وأعمال التخريب لزرع الشقاق. فيا ريت لو يتمّ نبذ كل من يلجأ للعنف، وتتكفل القوات الأمنية والمسلحة، حصرًا، بمسؤولية الحفاظ على سلامة الناس والتظاهرات السلمية والحقوق العامة والأماكن الأهلية والمدينة والحكومية والعسكرية ولا تقوم بإجراء سوى استتباب الأمن.

ومع استقرار الحكومة الجديدة، يمكن التفرغ لمحاربة الفساد بحزم، ومكافحة الفقر، وكذلك إصلاح قانون الانتخابات، وتلبية المطالب المشروعة للمتظاهرين السلميين. فالميزان في تحديد مصير الناس دائمًا هو انتخابات حرة نزيهة، فالانتماء لعشيرة وقبيلة وحيازة السلاح ليس ملاكًا لتولي المناصب. فالانتخابات وحدها يمكن أن تساهم في عودة البلد إلى مسار التهدئة، والسلام، والتنمية والتطور.

ما ذكرناه ليس سوى تبيانًا للأخطار المحدقة بالعراق، وهي بالكاد يمكن أن تتحول إلى مخاطر أعظم إن تم التغافل عنها. علمًا أن العراق فيه شعب رشيد، ونخب بارزة، فضلًا عن قيادة دينية عليا سمتها الحكمة تتمثل في سماحة آية الله السيد علي السيستاني “دام ظله”، وسوف لا يسمحون بعون الله، بتكرار تجربة النظام السابق السوداء، وسيكون لهم “الكلمة العليا” في الوقت المناسب.

لقد طوى العراق محنة صدام وداعش، وفيه من القدرات والإمكانيات الهائلة ما يؤهله ليكون من أكثر بلدان المنطقة تطورًا، ونموذجًا يحتذي به في التعايش السلمي بوجود نظام سياسي ديمقراطي ونظام اجتماعي، وكلنا أمل أن يتجاوز العراق هذه المرحلة الصعبة بكل فخر ووعي. إن تحقيق هذه الأمور يتوقف على حضور الناس ويقظتهم. وسيكون من المؤسف أن يتم حرف الحراك الإصلاحي للشعب العراقي أو أن يلد متشوهًا ناقصًا. من منا لا يعي بأن ما يبيّت له أعداء الشعب العراقي هو مصادرة الإصلاحات، والنيل من مكانة المرجعية وكلمتها، وهزيمة التشيع؟!

 أبو الفضل فاتح

3 ربيع الثاني 1441

30 نوفمبر/تشرين الثاني 2019

 

www.iraq.shafaqna.com/ انتها