شفقنا العراق-بعد رحيل المرجع الأعلى الإمام الخوئي عام 1992، والمرجع السيد السبزواري عام 1993، برزت مرجعية السيد السيستاني كأحد مراجع التقليد لدى الشيعة الإمامية، مع وجود عدد من المراجع الثقات الآخرين.
إن الفترة (1994-2002) لم تشهد طرحاً لرؤيا السيد السيستاني السياسية، بما يتعلق في نظرية السلطة والحكم وادارة الدولة، لكن ربيع عام 2003 كان نقطة تحول في المشهد السياسي العراقي، بعد تغير النظام السابق في بغداد، وطرح الحاكم المدني في العراق فكرة تشكيل مجلس يتم اختيار أعضاءه بالتعيين من قبله، ومشاورة القوى السياسية بصفة خبراء بالقانون والسياسة لصياغة مشروع الدستور الجديد، ثم تطرح المسودة للاستفتاء الشعبي.
رفض السيد السيستاني المشروع الأمريكي، قائلاً: (لابد أولاً إجراء انتخابات عامة، لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخابات من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجري التصويت العام على الدستور).
لأنه يرى لابد أن يكون الرأي للشعب العراقي في تحديد مستقبله، فأخذ يتواصل بشكل مباشر مع بعض رجالات الحكم، من اجل وضع مرتكزات النظام السياسي الجديد وأسس ومنطلقات قيام الدولة، واهمها دراسة (مبدأ الشورى والتعددية، والتداول السلمي للسلطة)، وإيجاد نظام (يحترم أغلبية الشعب العراقي من المسلمين، وحماية حقوق الأقليات، وضمان مبدأ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات) بين أبناء البلد الواحد.
ودعا الى اختيار مجلس منتخب من قبل الشعب في خطوة استراتيجية، تمهد الى إن تكون صيرورة القرار الوطني بيد العراقيين انفسهم، وعبر عن ذلك بقوله: (شكل العراق الجديد يحدده الشعب العراقي بجميع قومياته ومذاهبه، وآلية ذلك هي الانتخابات الحرة المباشرة).
جسد المرجع السيستاني بذلك نظرية (ولاية الأمة على نفسها)، كأساس فقهي يعتمد النظرية الأنسب للسلطة في العراق، وفقاً للأوضاع السياسية والاجتماعية والتوجهات الفكرية والثقافية، وما تقرره صناديق الاقتراع هو الفيصل.
مواظباً قبيل كل ممارسة انتخابية، ومن اجل تنضيج الحالة الديمقراطية، وتعزيز الانتقال السلمي للسلطة، ومنعاً لمصادرة إرادة العراقيين، اذ يؤكد دائماً على إيجاد: (قانون عادل للانتخابات، ومجلس من الأكفاء لإدارة الانتخابات)، وتوفر صفات في المرشحين أهمها: (الكفاءة والنزاهة والإخلاص للوطن).
وأيضاً تبنى فكرة الدولة المدنية وليس الدولة الإسلامية في العراق، قائلاً: (وأما تشكيل حكومة دينية على أساس ولاية الفقيه المطلقة فليس وارداً مطلقاً) رافضاً بالمطلق تصورات البعض إن الرجوع في الاستشارة والاستنارة إلى المرجعية، يعنى بها إن القرار يصدر منها إنما المرجعية العليا تقدم قراءات موضوعية للواقع، وفقاً للمباني الشرعية التي تصب في مصلحة الأمة.
وبخصوص مشاركة رجال الدين في الوضع السياسي، يرى السيد السيستاني أن: (لا يصح أن يُزج رجال الدين في الجوانب الادإرية والتنفيذية، إنما ينبغي إن يقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد والإشراف)، وهذا يدل إنه لا يرغب أن تصدى (رجال دين) للأمور التي تدخل في التنفيذ والإجراءات الحكومية، لان سلبيات ذلك تنعكس على الحالة الدينية بكل أبعادها.
وبذلك؛ اختلف السيد السيستاني عن بقية مراجع الدين في النجف، الذين تبنوا لنظريات (الشورى، وولاية الفقيه، والولاية الخاصة) في السلطة، كون دراسته العميقة في الشأن العراقي، ونظرته التاريخية والاستشرافية، جعلته يتبنى نظرية (ولاية الأمة على نفسها) مع بقاء المرجع الديني في موقع الموجه والناصح للجميع.
عمار العامري
—————————
المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
—————————

