نشر : November 3 ,2019 | Time : 08:38 | ID 163738 |

البنية السياسية الطائفية

خاص شفقنا- كتب عباس عبدي مقالاً في صحيفة اعتماد حول الأحداث التي تشهدها كل من العراق ولبنان إذ بدأ المقال بتساؤل: كيف يمكن استيعاب الاحتجاجات التي تشهدها العراق ولبنان؟ وأضاف: هناك تحليل يركز على المتغيرات الملموسة، فمختلف القضايا في المجتمع لها دورها في ظهور تلك الأحداث ومنها البطالة وتفشي الفساد واللامساواة والتدخل الأجنبي.

من دون شك أنها تعد من العوامل المهمة ولكل منها دور في استمرار هذه الاحتجاجات، لكن التحليل الأكثر عمقاً وبنيوية يختلف عما جاء؛ مع إن المشاكل البنيوية تظهر نفسها في القضايا التي أتينا على ذكرها ، فالمشكلة الجوهرية التي تعاني منها البلدان هي الاعتراف بالبنية القومية والطائفية، بنية تعارض المستجدات وتصل إلى الطريق المسدود عاجلا أو آجلا وهي وصلت إليه بالفعل، إن ظهور مثل تلك الدول هي نتيجة معاهدة سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا قبل قرن من الزمن وعند انهيار الإمبراطورية العثمانية واستمرار الاستعمار في المنطقة، على سبيل المثال تكونت البنية السياسية في لبنان على أساس ذلك الإطار، لكنها فيما بعد اصطدمت بالتطورات التي ظهرت على مختلف الأصعدة ومنها الاجتماعية والسكانية والدولية والإقليمية، وفقدت ديمومتها.

في لبنان تكونت البنية السياسية على نحو تتولى الطائفة المارونية منصب الرئاسة الجمهورية ويتولى أهل السنة منصب رئاسة الوزراء والشيعة يتولون منصب رئاسة البرلمان، إضافة إلى هذا أصبح توظيف الموظفين في الدوائر الحكومية والتعليمية وفقاً لعلاقاتهم بالطوائف والأقوام، لكن هذه البنية وقفت في النقيض من التطورات الاجتماعية لأسباب عدة، منها تغير النسيج السكاني لصالح الشيعة، إضافة إلى هذا كان هناك الكثير المواطنين لا ينتمون إلى أي من تلك الأحزاب وعليه قاموا بتأسيس الأحزاب الوطنية ، لكن هذه البنية لا تكن لتسمح باختراق تلك الحدود الطائفية ولما كان لبنان بلداً صغيراً اقتربت كل منها إلى قوة إقليمية وعندما بدأت الحرب الأهلية في لبنان بعام 1975 تأجج التحزب  وظهر في إطار العداوة والحقد، كما غيرت الثورة الإسلامية في إيران التوازن كلياً، وأصبح للشيعة قوة كبيرة.

هذا وبعد انتهاء الحرب الأهلية التي استمرت لـ 15 عاماً وخلفت عشرات الآلاف من القتلى، حصل اتفاق حقيقي بين اللبنانيين حول التعايش السلمي ونسيان الماضي، لكن المشكلة تكمن في أن النظام الطائفي يتعارض وضروريات الحكومات الحديثة وتغيير توازن القوى بين القوميات والطوائف اللبنانية، إذ لا يمكن إدارة الدولة الحديثة بأساليب طائفية، فالنظام القضائي والشرطة والنظام الأمني لابد أن يكون وطنياً، متجاوزاً حدود الطوائف، يمكن الالتزام بهذا الشرط في الأنظمة الديمقراطية والحزبية لكنه من المستحيل الالتزام به في الأنظمة الطائفية، تخلو لبنان من أي رئيس قسم ما خارج الطوائف والقوميات، نتيجة لهذا تعرضت الأنظمة الإدارية إلى الطائفية وتم تأجيج الطائفية وأصبحت منبتاً للفساد في النظام الإداري والحكومة بشكل عام.

أضف إلى هذا يتعارض الفصل السكاني بين القوميات والجماعات والطوائف والضروريات الاقتصادية والأسواق. وفي نهاية المطاف تكونت الأجيال الشابة التي أرهقتها الانتماءات الطائفية والقومية وأصبحت تطالب بالوحدة تحت راية واحدة ومفهوم وطني ولهذا تم تهميشها على يد النظام الطائفي.

أما النظام العراقي الذي كان قد تحرر من ظلم صدام تكوّن على أساس النظام الطائفي في لبنان، إذ أصبح الرئيس من الكرد ورئيس الوزراء من الشيعة ورئيس البرلمان من السنة إضافة إلى الفصل السكاني بين المناطق والمدن وحتى الأحياء إذ يحظى كل منهم بدعم إقليمي. هذا ما أدى إلى تأسيس نظام إداري لا يتوافق مع حاجات الحكومة أو الحكومات الحديثة.

الجيل الحديث في هذه الدول هو جيل لا يعرف شيئاً عن الحرب الأهلية ولا عن استبداد صدام ويتجاوز حدود الخلافات الماضوية، خلافات كانت تنشب بين كبار السن بوحي من الطائفية، يرى أبناء هذا الجيل أنفسهم في بوتقة واحدة يربطهم مصير مشترك يريدون الثورة بوجه النظام الطائفي السابق، هذا ولا يمكن اختزال الاحتجاجات في العبارات السابقة، هناك الكثير من القضايا ولا شك في هذا؛

لكن لو نظرنا على المستوى العام ربما يمكن وصف ما يجري في البلدين على النحو السابق. لكن لماذا يتم قمع الاحتجاجات في السعودية أو مصر، لكن لا يمكن قمعها في العراق أو لبنان، أو يحمّل الحكومة أثمانا باهظة، قد يكون السبب هو موازنة القوى في لبنان والعراق، إذ يسمح بقمعها في مصر والسعودية ولا يسمح للحكومات في العراق ولبنان بهذا العمل، وهذا ما أدى إلى استمرار الاحتجاجات.

النهاية

www.iraq.shafaqna.com/ انتها