نشر : October 20 ,2019 | Time : 16:17 | ID 162598 |

عالِم الدين

خاص شفقنا العراق-لطالما كانت جدليةُ الله والإنسان جدليةً منتجة، فمن مصاديقها المتأخّرة: أنّها كانت لصالح “الإلحاد” في القرون الاُولى من عصر النهضة، ولصالح “الله” في قرونها التالية.

وبحكم هذا الصراع الذي لا ينتهي فهناك هياكل وأُسس وعناصر ثابتة تدير رحى المواجهة وتغذّيها فالأديان الإلهية الموحّدة ومذاهبها المتعدّدة ترى باجتهاداتٍ مختلفة: أنّ المرسَل والوصيّ والإمام والمرجع والبابا والحاخام هم ممثّلو رسالة السماء في الأرض، بخلاف من يعتقد بانتفاء الواسطة بين الله والخلق.

“عالِم الدين” الذي تلقّى وتعلّم وطوى المراحل المؤهّلة ليكون عالِمَ الدين الإلهي “هو مورد بحثنا على التعيين” وطبق خارطة الطريق فالاستمرار تتلمذاً وتدريساً، تصنيفاً وتحقيقاً، إرشاداً وتبليغاً، إدارةً وتدبيراً، هي من المهامّ الملقاة على عاتق عالِم الدين.

ومن الطبيعي أن يتفاوت طلّاب العلم كباقي الناس في الفهم والإدراك، في الثبات والإقدام، في السيرة والأخلاق، في الخصائص والامتيازات، ولايُستثنى طلبة العلوم الدينية من كلّيات هذه القواعد والجزئيات.

ولقد نبغت عقولٌ وشمخت أفهامٌ وعلت هممٌ أينعت أنضر الثمار والآثار في ألوان العلوم والفنون والأنظار، فباتت مناراً يستضيء برؤاها روّاد الفكر والمعارف وقبساً تستنير ببصائرها مراكز الدراسات والمطالعات وسائر المحافل، كما كان للمؤسّسات الدينية سهمٌ وافرٌ في رفد الميادين الثقافية والإنسانية بالنتاجات الباهرة والدرر الناصعة، ولازالت نفحات العطاء المبارك فوّاحةً عطرة.

ولسنا بصدد الانتشار على صفحات الماضي وتفاصيله من حيث العلاقة التي كانت تحكم عالم الدين بالمجتمع والمجتمع بعالم الدين؛ كوننا نروم الاقتصار على نوعية هذه العلاقة في الزمن المعاصر والوقت الحاضر بالذات، فنقول:

ما برحت نظرة المجتمع إلى عالم الدين نظرة تكريم واحترام، فهو مركز أمان واطمئنان؛ لما يمثّله من مسؤولية شرعية إرشادية أخلاقية خطيرة الأبعاد والأركان، ناهيك عن المبنى القائل بالولاية المطلقة الأشدّ خطورةً ومسؤوليةً من الولاية المقيَّدة. بالطبع هذان المبنيان من خصائص الفقه الشيعي الإثني عشري وسماته البارزة.

ورغم نظرة غالب علماء الدين بكون ما سواهم عواماً لكنّ المجتمع لازال يجلّ عالم الدين ويلجأ إليه في قضاياه اختياراً، بل لا يمكن للمجتمع التخلّي عن عالم الدين إجمالاً، ولقد ثبت بالحسّ والوجدان مدى الثقل الإيجابيّ الكبير الذي تضطلع به المؤسّسات الدينية على وجه العموم ومرجعيّاتها على وجه الخصوص في تدبير شؤون البلاد والعباد.

إلّا أنّ ذلك لايمنع من الإشارة خاطفاً لعدّة من الملاحظات المطروحة حول بعض علماء الدين والتي منها كما أشرنا: نعت عموم الناس بالعوام، الأمر الذي ترك انطباعاً واتّهاماً لعالِم الدين بتعامله مع الآخرين من موقع التعالي والفوقية، رغم أنّ في الناس نخباً ومختصّين وكوادر وطاقات، وبإزاء ذلك: فعددٌ غير قليل من طلبة العلوم الدينية هم دون الطموح بكثير، سواء على الصعيد العلمي أو ماسواه من المجالات. ولعلّ المشكلة التي تعاني منها هذه القلّة من طلبة العلوم الدينية هي ملازمات الزيّ الديني من خيالات وتوهّمات.

فما إن يتقلّده بعض طلّاب العلوم الدينية يجد – تصوّراً لاتصديقاً – وكأنّ المعارف والعلوم والفنون قد صُبّت على الرأس صبّا، ناسياً أو متناسياً أنّ الذي حصل ليس سوى تبدّلاً في المظهر ليس إلّا، ويغفل أنّ الزيّ الديني قد فرض عليه وأثقله بوظيفة خطيرة تستدعي مزيداً من التعلّم والتربّي والتخلّق والتأسّي بمن ينبغي التأسّي بهم، لا أن تركبه عدسة الغطرسة والغرور فيرى في الناس مجموعة عوام لا تفقه شيئاً. ولكَم أحرج بعضُ طلبة العلوم الدينيةزيَّه في مواطن الاختبار العلمي والامتحان الأخلاقي!

أمّا ظاهرة إبداء العديد من طلبة العلوم الدينية الاهتمام الملفت الواضح لبعضهم البعض على وجه الخصوص بمرأى ومسمع الناس وكأنّهم صنفٌ ونقابة وحزب من الأحزاب، فهذا مايثير التحفّظ والانتقاد؛ إذ المجتمع يرى فيهم روحه الخيّرة وضميره النابض وأنّهم من الخَلْق إلى الخلق في الخلق بلا أدنى تمييزٍ وتفضيلٍ لهذا الفرد على ذاك إلّا على أساس التقوى والإيمان، فتشييد الحواجز والفواصل وإيجاد العزلة بين عالم الدين والمجتمع أمرٌ مرفوضٌ بشتّى المقاييس والأبعاد، ولاسيّما أنّه النموذج الذي يُحتذى به والملاذ الذي تأوي إليه الناس ليس في مسألة العبادات والمعاملات فحسب بل في شتّى الأُمور والمهمّات.

فعالم الدين هو الذي بيده زمام المبادرة لكسر القيود والذوبان في المجتمع، كي يذوب فيه المجتمع ويكون رهن إشارته في السرّاء والضرّاء، ولطالما كان الحال هكذا لمّا غدا عالم الدين بمثابة الأب لجميع أبناء الأُمّة دون استثناء ، فكانت له كلمة الفصل الآسرة لمشاعر الملايين، السارية في العقول والقلوب مسرى الدم في الشرايين.

ينبغي لعالم الدين مراجعة علاقته بالمجتمع مراجعةً منهجيةً بدفع ما استشرى وعُمِّم من تصوّرات وتصديقات.

أمّا وظيفة المجتمع الذي يعتقد أنّ عالم الدين: مؤمن، عارف، فاضل، زاهد، متواضع، ورع، كيّس، فطن. فهي التمييز والفصل وعدم التسرّع في كيل الأحكام جزافاً على كافّة علماء الدين بجريرة ارتكاب البعض منهم أخطاءً وتخلّفات.

كما على المجتمع إدراك أهمّية وجود عالم الدين وتأثيراته الخيّرة في مختلف مرافق الحياة.

لابدّ إذن من العمل الدؤوب لتوثيق العلاقة بين عالم الدين والمجتمع وإعادة الأُمور إلى نصابها الصحيح؛ لأنّ الذين سعوا لإيجاد الشاهق بينهما قد كسبوا – للأسف – شوطاً من سعيهم المحموم المبرمج ، فلا نرغب بمزيد أضرار إثر ترهّل العلاقة بين عالم الدين والمجتمع.

كما يجب على أهل الاختصاص بيان أهمّية وشاجة العلاقة بين العلم وإدارة العلم والإيمان، فعدم اندكاك الثلاث في بعضها البعض اندكاكاً حقيقياً يعني إمكانية فساد المجتمع بفساد العالِم، فما قيمة العلوم التي تأخذ بعالِمها إلى الترديد والتشكيك في الاُصول والضرورات؟ وما قيمة الموسوعات إن لم تردّ على سلسلة الشبهات التي تزداد يوماً بعد آخر ولا من حلول عقلانية وجوابات.

يقول جمعٌ من الموافقين وجمهور المخالفين من الإمامية: نحترم النصّ والنقل، لكنّ الفضاء المعرفي الراهن هو فضاء العقلانية بامتياز، فما هي بضاعتكم العقلانية في الردّ على الإشكاليات والشبهات المطروحة على أمثال: الغَيبة والرجعة والإمامة والتقديس الإفراطي والحكومة والخُمس والشعائر والشِّرك والغلوّ والغنوصيات والتراجع الأخلاقي؟

لذا ونحن في ظلّ الظرف الراهن الخطير ينبغي على علمائنا إظهار ما لديهم من معارف ورؤىً وأفكار وتدبير، بكلّ قوّة وثباتٍ واقتدار وتصميم؛ حيث الزمن زمن الفتنة الخطِرَة وهجمة الأضغان المتراكمة.

إنّ المناوئ بات شفّافاً في استهداف القيم والمبادئ والأُصول من الجذور، والعديد منّا لا زال يلوك ويمضغ ويطحن موضوعاتٍ لاتغني ولاتسمن من جوع سوى أنّها تزيّن المكتبات وتملأ منها الثغور.

لابدّ أن يعود عالم الدين لسابق المكانة والمودّة في قلوب المؤمنين، فهذه المودّة هي الركن الركين في دحر المناوئين، ولا تحصل إلّا حينما يُلمَس بثقة واطمئنان أنّ عالم الدين عاد حقّاً إلى موقعه الريادي الأمين: إلى الناس في الناس، فهم بحاجةٍ ماسّةٍ إليه يترقّبون عودته المعهودة المعطاء بكلّ شغفٍ واشتياق، كما له أنّ يثبت مدى حاجته لهم حين لا يألو جهداً في ردم الهوّة وترميم ماانثلم من الأواصر بفعل المعاول الصديقة ومطارق الحقد الشرّيرة.

كريم الأنصاري

————————–

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها