نشر : October 20 ,2019 | Time : 13:57 | ID 162588 |

اللغة العربية هوية الأمة وشاهد حضارتها.. تقرير عن اللغة وسيادتها العالمية

شفقنا العراق-لم تزل ودودة ولودة تنجب منذ قرون مضت، رحبة كريمة تحتضن كل من يلوذ بكنفها، تحادثنا بعذب حروفها فنتهجى حديثها المشبع بالألغاز السهلة الممتنعة فنزداد حيرة وفضولا وشوقا.

لم تدانيها في فضلها وجمالها سائر اخواتها، شامخة لا يرقى اليها، متجذرة يعجز عن بلوغ اعماقها من ابحر في لججها تلكم هي لغتي العربية المتغنجة بحروفها وألفاظها الممتدة على طول جغرافية الارقام، وهي بما تحلت به من سمات الا انها اليوم تبوح بوجعها وتشكو من إهمال ابنائها وعدم برِهم لها، التحقيق الآتي يشير الى التحديات التي كانت وراء ابتعاد المجتمع العربي عن لغته الفصحى والمعالجات الموضوعة لحلها.

لابد من اثراء الوعي اللغوي على المستوى العام

المشرف على دار اللغة والادب العربي، الدكتور لطيف القصاب تحدث عما يكتنف اللغة من تحديات قائلا “اللغة تمثل هوية البلد الذي ينطق بها وهناك من يقول ان اللغة هي شرف الدولة لذلك تجد ان الدول المتطورة تهتم غاية الاهتمام بلغتها وتستقتل في الدفاع عنها وتصرف المليارات من أجل ان تبقى لغتها متسيدة او ان تجعلها تحتل جزء من السيادة اللغوية العالمية ومن جملة الدول التي اولت لغتها اهتماما بالغا ونهضت بها هي سنغافورة فإلى أجل قريب كانت دولة متخلفة على كافة الاصعدة و كانت تسمى دولة النفايات ولكن ما ان تسلم الحكم فيها حاكم مصلح حتى اخذ على عاتقه النهوض بالبلد عبر عدة ادوات ومنها اللغة إذ قام بتوحيد اللغة بين سكان البلد”.

وأشار الى ان “هناك صراع كبير ومحتدم بين اللغات وحينما يكون الحديث عن اللغة العربية يتضح انها في تراجع رغم انها لغة رسمية ولغة القرآن الكريم حيث يسعى لتعلمها حتى غير العربي في سبيل تعلم القرآن الكريم وفهم فحوى الدين الاسلامي”.

ونوه القصاب “المشاهد هنا والملموس مع الاسف تدني النظرة للغة العربية وتدني اللغة تبعا لذلك وانسحب ذلك حتى على استاذ اللغة العربية فلم يعد له ذلك البريق الذي كان يتمتع به مدة من الزمن”.

وأضاف ان “التحديات التي تواجه لغتنا هي ذات التحديات التي تواجه بقية اللغات ولكن الفرق هو ان تلك اللغات يدافع عنها أهلها ولها ارادة سياسية تخدم الواقع اللغوي وترتفع بمناسيب اللغة وتعلي من شأنها وتجعلها تتغلب على هذه التحديات ففي بعض الدول قد يقدم مسؤول استقالته إذا اخطأ في استخدام اللغة وحدث هذا في فرنسا في حقبة من الحقب إذ قدم احد الوزراء استقالته لأنه تحدث على الملأ وأخطأ في استخدام بعض المفردات اللغوية”.

وأجمل القصاب اسباب تراجع اللغة العربية متحدثا ” ان تعقيد المنهج الدراسي وعدم ملائمة طريقة التدريس يعد احد اسباب هذا التراجع فمتى ما استخدم الاستاذ طريقة السهل الممتنع وعقد صلة مودة بينه وبين الطالب واوجد احترام متبادل بينهما وأظهر جواهر اللغة وجعلها شيقة وجميلة حينها سنشهد تطورا في مجال اللغة، خلاصة القول ان الطالب متى ما احب لغته برع بها فلابد من اثراء الوعي اللغوي على المستوى العام وكذا المجتمع لابد ان يتحسس اهمية اللغة ويتجنب الاخطاء اللغوية التي تملأ واجهات الاسواق والشوارع والاماكن العامة فضلا عن الاهتمام بتصويب التحدث باللغة العربية”.

وبين رأيه في أتقان اللغات الاخرى بالقول “لابأس ان يجيد الشخص اكثر من لغة ولكن عليه الاهتمام بلغته الاصلية ومن المعيب ان يتجاهلها فهذا الامر منافي للتحضر ومنافي لالتزامات المواطن لوطنه حتى ان الاخرين لا يحترمونه اذا اقدم على هذا السلوك”.

غريب اللغة

الأستاذ الدكتور عبود جود الحلي تدريسي في مجال اللغة العربية تحدث عن اللهجات الغريبة قائلا “هنالك لهجات غريبة شائعة ويتداولها الناس بألسنتهم وهذه اللهجات ليست بأمر حديث, فمنذ عصر الجاهلية كانت للقبائل لهجات ولقريش لهجة والتي نسميها الان اللغة العربية الفصيحة وهي اختارها الله سبحانه وتعالى لقرآنه الكريم وهنالك نص في كتاب طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمعي يقول فيه (ما لغة حميَر وأقاصي اليمن بلغتنا) أي إن لهجتهم بعيدة جدا عن لهجة قريش وأهل القرآن الكريم, وفعلا كان علماء اللغة عندما بدأ عصر التأليف يسمون الألفاظ الغريبة التي لا يتداولها عامة العرب بـ (غريب اللغة) , المكتبة العربية تتضمن كتب تحمل عنوان غريب اللغة تحتل جانبا كبيرا منها “.

وأستأنف حديثه عن غريب اللغة بالقول “الكثير من شعراء الفصيح لو فتشنا في اوراقهم لوجدنا شعرا شعبيا لكنهم لا يودعونه دواوينهم, واستطيع ان ازعم ان شعراء القريض العرب الذين نظموا الشعر العربي كلهم نظموا الرجز ولكن كما قلنا لا يودعونه دواوينهم لان الرجز ينظم من غير اعمال فكر وانما يقال باللغة الدارجة, فنجده بلهجته وافكاره غني

الغريب الذي درسه علماء اللغة, وفي زماننا هذا الذي يقوم مقام الغريب هي اللهجات وقد تكون متباعدة ولا يفهمها الا المجتمع المعتاد عليها”.

ودعا الحلي الى ايلاء اللغة العربية الاهتمام الكافي “من الضروري ان نحث أبنائنا على القراءة ونلاحظ رغم أهمية وفائدة وسائل التواصل الالكترونية والقنوات الفضائية إلا إنها أبعدت الكثير عن القراءة والكتابة وهذا يتطلب منا الاهتمام باللغة من خلال قراءة القرآن الكريم والكتب البلاغية والمصادر التي تعنى بعلوم اللغة العربية سيما ان الكثير من الطلبة لا يجيد اللغة وهذا يرجع لعدة أسباب احدها يتعلق بالمؤسسة التعليمية لعدم اهتمامها بالجانب اللغوي والجانب العلمي ولكونها احيانا تمنح النجاح لمن لا يستحقه”.

لغة وسطى (لغة المحادثة)

الاستاذ المساعد الدكتور والمختص بتدريس علوم اللغة العربية خالد عباس السياب تكلم عن المميزات التي تحلت بها اللغة العربية وانفردت بها على سائر اللغات قائلا “من اهم مميزات اللغة العربية انها لغة القرآن الكريم وهي تختلف عن اللغات الاخرى وذلك ان بقية اللغات لا علاقة لها بكتاب مقدس كما القرآن الكريم , ومن اجل ان يحافظ المسلم على القرآن الكريم يجب عليه ان يحافظ على اللغة التي كتب بها , ومن المميزات الاخرى التي تمتاز بها اللغة العربية هو وجود ظاهرة الإعراب والحركات فيها وهذا ما يجعلها تحافظ على المعنى, ومن اجل الوصول الى اللغة السامية علينا الرجوع الى اللغة العربية كونها الاقرب الى اللغة الام من غيرها, ومن المميزات الاخرى للغة العربية هو التوسع في الاشتقاق, فهي لغة مشتقة تتكاثر عن طريق توليد صيغة من اخرى”.

وواصل حديثه موضحا “اللغة العربية تتميز بباب التضاد اي ان هناك كلمة واحدة تؤدي معنيين متضادين ولكن السياق هو الذي يحدد المعنى وهناك ظاهرة المشترك اللفظي اي ان كلمة واحدة تدل على اكثر من معنى وبالترادف , وهنالك شيء اخر يميز اللغة العربية هو ان الباب فيها مفتوح لما يسمى بالاقتراض اي انها تقترض من اللغات الاخرى ويكون الاقتراض عن طريقين اما عن طريق المعرب وهو الذي يأتي من اللغات الاخرى ثم تهضمه اللغة العربية لتجعله ضمن صيغها , او عن طريق الدخيل وهو ان يأتي لفظ الى اللغة العربية ويحافظ على وزنه من دون تصرف فيه”.

واستطرد السياب متحدثا عما تتعرض له اللغة العربية من مرامي التضعيف ومساعي التحجيم “اللغة العربية لغة قديمة جدا تمتد الى ما يقارب مائتي عام في العصر الجاهلي وهي اللغة الأكثر انتشارا والأكمل من غيرها , لذا فهي تواجه الكثير من التحديات فالكثير من الجهات ومراكز القوى المتنفذة تريد ان تطمس اللغة العربية لأنها ترمي الى طمس القرآن الكريم , وهنالك أمر آخر وهو تسمية الأشياء بلغات مختلفة غير العربية وهذا يحتاج الى توعية وتثقيف من قبل المؤسسات التعليمية وعلى مستوى البلدان العربية كافة كذلك عدم إعطاء المجال للمتكلم إن يتحدث بمصطلحات اجنبية بحجة انها ليس لها بديل في العربية او بذريعة زيادة الثقافة , فالدول الأجنبية تعمل على افهام الناس بان اللغة العربية ليست اللغة التي يتمناها المرء لتحقيق طموحاته”.

ونوه “من الضروري التعامل باللغة العربية الوسطى التي تقترب من اللغة العامية ومن الفصحى وتسمى هذه بلغة المحادثة او الكتابة وبالرغم انها ليست بفصاحة القرآن الكريم او الشعر الا انها تقربك من اللغة الأفصح والأبلغ، موضحا أن “اللغة والفكر وجهين لعملة واحدة فلا تستطيع ايصال فكرتك الى المقابل دون ان تتمكن من اللغة , ومن خلالها استطاع القرآن الكريم والرسول (ص)ان يكسبوا المجتمع, اي انك اذا تمكنت من الاداة تستطيع ان توصل أفكارك بكل سهولة”

القرآن الكريم اجتزأ من لغة العرب ما يقارب 80% من الالفاظ واتى بألفاظ جديدة

الاستاذ المساعد الدكتور مسلم مالك الاسدي تحدث عن هوية اللغة العربية وتاريخ ولادتها قائلا “لا يمكن معرفة أول شخص تكلم باللغة العربية الا أن المهتمين بالشأن اللغوي يعتقدون ان نبي الله إسماعيل (ع) هو أول من نطق باللغة العربية وبقيت هذه اللغة متداولة إلى ما يقارب 150 عام قبل الهجرة ثم بدأت المنظومة العربية الثقافية والأدبية بالظهور وبشكل كبير وتتمحور حول النثر والشعر الجاهلي بظهور مجموعة من الشعراء امثال امرؤ القيس والنابغة وزهير بن ابي سلمى والخنساء , هذه المجموعة ابدعت في ايجاد لغة عربية فصيحة متكاملة الجوانب واستمرت الى ان ظهر في بلاد العرب نبي كريم يدعو الى عبادة الله وحده ونزل كتاب مقدس من السماء وهو القرآن الكريم والذي حير عقول العرب ببلاغته وفصاحته بل وتحداهم بهذه الفصاحة والقوة والقدرة في سبك الالفاظ وبناء التراكيب والايقاع المتكامل والصورة الحية والاعجاز القرآني والعلمي والفني واللفظي”.

وأشار الى ان “هنالك مسألة اخرى جاء بها القرآن الكريم وهي انه اجتزأ من لغة العرب ما يقارب 80% من الالفاظ واتى بألفاظ جديدة من لغة العرب فأصبحت لدينا لغة جديدة هي لغة القرآن الكريم حيث عملت هذه اللغة على تقويم واكمال اللغة العربية القديمة وصاغتها بصياغة جديدة وفي القرن الثاني الهجري بدأت مجموعة كبيرة من النقاد بتأليف المؤلفات والغرض منها هو خدمة القرآن الكريم وتفسيره وجميع هذه المؤلفات كانت باللغة العربية , فبدأ العلماء يهتمون بالصرف والنحو والبلاغة والعروض وفي مسائل التشريع والمسائل الخلافية والثقافية وكل هذا لغرض معرفة الحكم الشرعي في النص القرآني ,هذا العمل كله اسهم بظهور منظومة ثقافية كبيرة جدا استمرت الى نهاية القرن الخامس الهجري مع وصولنا الى عبد القادر الجرجاني وابن طباطبة العلوي وغيرها من الشخصيات الثقافية التي كان الاساس في عملها هو خدمة القرآن واللغة العربية”.

ولفت الاسدي الى ان “الكثير من الغزاة بعد عصور الانحطاط والتدهور حاولوا القضاء على هذه اللغة من خلال ضرب القرآن الكريم ولكن هذا الكتاب المعجز حافظ على اصالته وتراثه وهو يصل الينا الآن محتفظا بألفاظه وتراكيبه كتابة وقراءة بما جاء به الرسول الكريم”.

وأردف قائلا “بدأت المراكز الدراسية والمؤسسات الاهتمام بسلامة اللغة العربية وتحقيقها وفي كافة التخصصات وهذا الامر يشجع على تنمية اللغة العربية , والان اللغة العربية عبارة عن اثنا عشر علما وحينما يتمكن الشخص من ضبط هذه العلوم سيكون لديه القدرة على تفسير وتحليل النص القرآني , إذا فالقران الكريم هو من اوصل اللغة العربية الى هذا الحد وحافظ على كافة اجزائها وتراكيبها”.

من اهم اسباب تدني الثقافة اللغوية لدى العربي بشكل عام والمثقف (الانتلجنسيا)

الاعلامي والكاتب المستقل عباس الصباغ ذكر ان “من اهم اسباب تدني الثقافة اللغوية لدى الانسان العربي بشكل عام والمثقف (الانتلجنسيا) بصورة خاصة هو ابتعادهما عن الحاضنة الاولى للغة العربية الا وهو القرآن الكريم الذي يعد صمام الامان لهذه اللغة والحصن الحصين لها من الاندثار كما حصل للكثير من اللغات التي طواها النسيان وصارت في خبر كان، الا اللغة العربية التي تعد اليوم اللغة الحية السادسة المعترف بها في الامم المتحدة حالها حال الانكليزية والاسبانية والبرتغالية والصينية والفرنسية، سواء في المخاطبات الرسمية كالترجمة بين الوفود، او في برامج هيئات الامم المتحدة الثقافية وغيرها، وللأسف الممض اننا نرى الانسان العربي يجهل تماما قواعد لغته كما يجهل القرآن ككتاب مقدس واجب التعبد به قراءةً ايضا، وهو لايستطيع ان يحكم من كتاب الله آية دون ان يخطئ في تهجئتها فضلا عن معانيها وتفسيرها وتأويلها ناهيك عن قواعدها وبلاغتها ولا اقصد علامات الترتيل او التجويد فهذه متروكة للمختصين وانما اقصد الحد الادنى اي اللغة والنحو…الخ “.

وتطرق الى معالجة هذا التدني بقوله “ارى ان معالجة هذا النقص يكمن في رجوع الانسان العربي الى القرآن الكريم كما كان اجدادنا وآباؤنا يتعلمون مع تطبيق ما يتعلم من القرآن الكريم (نطقا وكتابة وتلاوةً وترتيلا) على قواعد اللغة العربية لكي تترسخ القاعدة النحوية في عقله فضلا عن اصول اللغة والكلمات ومعانيها، وليكون لديه افق واسع من خلال القرآن الكريم الذي يجب ان يكون منطلقا لتعلّم اللغة العربية الفصحى هذا اولا، وثانيا يتحتم ان تكون لديه قراءة اولية لمعاجم اللغة لاسيما لسان العرب لابن منظور ومختار الصحاح وبقية المعاجم، عن طريق اخذ كل جذر لغوي على حدة ومعانيه الرئيسية ودون التفرّع في متاهات هذا الجذر ولكي لايضيع المعنى الرئيس له لان لكل جذر ثلاثي في اللغة العربية الكثير المعاني وقد تتشعب الى مالانهاية وقد تكون متضادة فيما بينها او مترادفة وهكذا “.

وبصدد حاجة المجتمع بمختلف مستوياته وشرائحه للامتلاك اللغوي قال الصباغ ان “اللغة العربية الفصحى لامناص عنها بالنسبة للكاتب او المثقف او لعموم شرائح المجتمع كواقع حال بديل اساسي عن اللهجات الدارجة (العامية)، اي تكون لغة الثقافة (كتابة وابداعا وانشاءً)، مع اتقان اللفظ الصحيح (قراءةً ونطقا وتهجئةً وقواعدَ وبلاغةً) ويتأتى هذا الاتقان من خلال المطالعة المستمرة والصحيحة للكتب والمصادر التي تعنى باللغة العربية كقواعد ولغة وغيرها وللموسوعات الادبية والعلمية والمصادر التاريخية والادبية والمعاجم والدوريات، لكي تترسخ الكلمة الفصيحة والصحيحة المحترفة في العقول وتثبت على الالسن بعد تعلم التهجئة الصحيحة لمخارج الحروف وتثبيت الحركات الاعرابية عليها بالشكل الصحيح فيستقيم المعنى مع اللفظ في العقول والالسن والمخيال “.

تحقيق: فضل الشريفي ــ سلام الطائي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

 

www.iraq.shafaqna.com/ انتها