نشر : October 15 ,2019 | Time : 11:28 | ID 162118 |

“نبع السلام” ومستقبل الأزمة السورية..كُرد سوريا من الهامش إلى الواجهة

خاص شفقنا-إن الدور السياسي للكرد في شمال سوريا وخاصة شرقي فرات يعد من أهم التطورات السياسية في سورية منذ بدء الأزمة ومن جهة أخرى إن العمليات السياسية والعسكرية في تركيا في مواجهة الملف الكردي يزيد من تعقيد هذا الأمر.

وأفادت وكالة شفقنا إن قرار ترامب بخروج القوات العسكرية من المناطق الخاضعة للكرد في سوريا في شرق الفرات وتجاهل خططه مع الكرد كونهم لاعبين جدد في الساحة السياسية السورية، فتح الطريق لزيادة النفوذ التركي في أكثر المناطق الخاضعة للنفوذ الكردي استراتيجيا إذ كانت تعد تركيا لسنوات طويلة بأن الأزمة في الجار الواقع في الجنوب الشرقي لها تهديداً لها.

الكرد في سوريا من الهامش إلى الواجهة

إن الكرد قبل اندلاع الأزمة السورية في نوفمبر 2011 لم يدخلوا الساحة السياسية، فطوال عقود وبسبب سياسات الحكومة المركزية المركزة على التأكيد على الهوية العربية لسوريا، كانت ترى كل التيارات السياسية والاجتماعية الكردية في ظل الأجواء الأمنية نفسها في هامش السياسة السورية وكانت هذه الأقلية القومية محرومة من الحقوق السياسية والاجتماعية.

هذا وقد سمح الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وبسبب التنافس والعداء مع أنقرة وفي إطار معادلات النظام الثنائي القطب آنذاك، سمح لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بالنشاط السياسي والتنظيمي في مناطق من حلب ودمشق وتأسيس قواعد تسمى أكاديمية التعليم العسكري والسياسي وهذا الأمر أدى بتنظيم “بي كي كي” الكردي وطوال أربعة عقود من الحرب مع تركيا أن يستغل تواجده في هذا البلد استغلالا كاملا وتجلى أهمهما في استقطاب الأعضاء والكوادر التنظيمية من بين الأوساط الكردية في سوريا واستخدامهم في الصراع العسكري مع تركيا والمنافسين في المنطقة، إذ كان أغلبية قتلى التنظيم منذ بدء تأسيس هذا الحزب وبداية النشاط العسكري من الكرد في سوريا.

لم يغفل بي كي كي، تنظيم الكرد في سوريا لما يتمتعون بإمكانيات هائلة للاستفادة منهم في المستقبل، ولهذا تحولت التنظيمات التابعة لحزب أوجلان في بداية الأزمة إلى لاعبين أساسيين في التطورات السياسية السورية.

الهيمنة المطلقة لأنصار بي كي كي في شمال وشمال شرق سورية

بعد بدء الأزمة في عام 2011 وبعد انسحاب الجيش السوري من المناطق الشمالية وشمال شرق سوريا الذي يشكل الكرد أغلبية ساكنها سيطرت على الأوضاع الكوادر وأعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي كونه أحد أكثر التنظيمات انتظاماً وأكبر تنظيم تابع لـ بي كي كي والفرع العسكري له يسمى الذي وحدات حماية الشعب واستولت على الأمور إلى جانب المؤسسات الحديثة بقيادة منظمة تسمى الحركة الديمقراطية. فكونت في المناطق الكردية ثلاث وحدات سياسية مستقلة باسم مقاطعة الجزيرة ومقاطعة كوباني ومقاطعة عفرين.

بينما كانت داعش تسيطر على أجزاء من شرق سوريا لثلاث سنوات أي من عام 2014 حتى 2017 وكانت تسيطر على نصف الأراضي السورية فقدت سيطرتها على مناطقها بالكامل في بداية عام 2019 وكان الحرب الدائر بين الكرد وداعش في باغوز بمثابة خاتمة لملف هذا التنظيم الإرهابي في المناطق الكردية، فالكرد وبدعم من التحالف الدولي ضد داعش بقيادة أمريكا لم يهيمنوا على المناطق الكردية فحسب بل لعبوا دوراً في تحرير المناطق العربية أي الرقة ودير الزور وسيطروا عليها، ومن ثم قاموا بالسيطرة على شمال وشرق سوريا أي 37 بالمائة من الأراضي السورية وحصلوا على دعم سياسي وعسكري دولي كبير وهذا ما أثار قلق تركية.

فأغلبية حدود المناطق الخاضعة للكرد في سوريا محاذية لتركيا إذ يمتد طول الحدود المشتركة مع تركيا إلى 625 كيلومتر بينما تمتد الحدود الكردية في سوريا وإقليم كوردستان إلى 360 كيلومتر.

الجيش الديمقراطي السوري..محورية وقيادة كردية ودعم أمريكي

إذا ما أردنا معرفة الجناح العسكري لإدارة الحكم الذاتي في شمال وشرق سوريا بقيادة الكرد علينا أن نعرف بأن الجيش الديمقراطي السوري يعد أهم تلك القوات إذ تكون عام 2015 خارجاً من رحم تحالفات بين عدد من المجموعات العسكرية.

فوحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة من الأجنحة العسكرية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي للكرد في سوريا والمجلس العسكري في منبج والقوات السريانية وعدد من المجموعات العسكرية العربية في الرقة دير الزور يعدن أسس الجيش الديمقراطي السوري.

من جانب آخر وطوال السنوات المنصرمة وفي المناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، كانت القوات الأمريكية والتحالف ضد داعش تتواجد في المنطقة ولها قواعد عسكرية، إذ كانت القواعد العسكرية منتشرة في مختلف المقاطعات.

فإدارة الحكم الذاتي في السنوات المنصرمة كانت هي الحاكم المطلق على تلك المناطق وكانت تتمتع بالدعم العسكري الأمريكي والروسي وبعض الدول الأوروبية ومنها فرنسا، لكنها لم تشارك في أي مفاوضات رسمية حول مستقبل سوريا لأسباب عدة منها: الانتماء الأيديولوجي والتنظيمي لـ بي كي كي وعدم معارضة الحكومة المركزية السورية لها والاهم من هذا مواجهة تركيا كونها دولة تتمتع بقاعدة قوية ومؤثرة في صفوف عدد من المعارضين السوريين، ويمكن القول بأنه طوال السنوات الماضية لم يتم الإعتراف بكيان إدارة الحكم الذاتي وهذا الأمر جعل مكانتها السياسية ومستقبلها مزعزعاً أكثر من أي عامل آخر.

إن الكرد وطوال السنوات الأخيرة كانوا يبحثون عن ترسيخ مكانتهم السياسية وزيادة قوتهم في المفاوضات الخاصة بمستقبل سورية السياسي، خاصة فيما يتعلق بتوسيع نطاق المناطق الخاضعة لها والوصول إلى المياه الحرة لكن تلك المساعي باءت بالفشل بعد دخول تركيا في الساحة.

إن الكرد ونظراً إلى الدور الذي تلعبه عدة قوى إقليمية وعالمية في الملف السوري في مختلف الفترات كانوا يصبحون في مكانة يسمح لهم بالحصول على المكاسب في بعض الأحيان من نتائج التطورات وصراع القوى وأحيانا كانوا يتعرضون إلى الخطر نظرا إلى الاتفاقيات التي تبرم بين القوى أو قراراتهم الفردية، هذه القضية أدت إلى احتلال مدينة عفرين الكردية غربي الفرات على يد تركيا دون أن تواجه أي احتجاج إقليمي أو دولي خاص، ففشل مشروع الكرد في ربط المقاطعات الثلاثة دون أن تقوم أي دولة في المنطقة أو أوروبا أو أمريكا بدعم الكرد في مواجهة أنقرة ففتح المجال أمام أنقرة للتواجد في الباب وجرابلس ومنبج وبعض المناطق الأخرى.

القلق التركي

ما يثير قلق أنقرة من التطورات التي تشهدها السنوات الأخيرة في سوريا وشمالها وخاصة زيادة قوة الكرد هو تأسيس كيان سياسي كوردي على يد الكرد الذين يعادون تركيا منذ عشرات السنين إذ وبالرغم من رفض الكرد في سوريا لا يخفي على أحد بأن مشروع تكوين النظام السياسي يضرب بجذوره في أفكار زعيم بي كي كي والحزب الذي يتزعمه.

إن القادة السياسيين ومن لعبوا دوراً سياسياً في إدارة الحكم الذاتي شمال سوريا كانوا اغلبهم من الشخصيات المعروفة في بي كي كي من تلقوا تعليمهم في معسكرات هذا الحزب في جبل قنديل وما يثير قلق تركيا هو شعاراتهم وأعلام بي كي كي والتيارات التابعة لها داخل الحدود التي يقطنها ملايين من الكرد، بعبارة أخرى يمكن القول بأنه بعيداً عن رغبة أردوغان في إحياء الإمبراطورية العثمانية، للأخطاء التي ارتكبها الكرد في شمال سوريا تأثيرها في تحريض أنقرة في الهجوم على شرق الفرات.

إضافة إلى هذا تواجد ما يقارب ثلاثة ملايين لاجئ سوري يمثل عبأً كبيراً على الاقتصاد التركي الذي يعاني من مشاكل ما وواجه أزمة حقيقية في السنوات المنصرمة فأفضل خيار لإزالة خطر الجار الجديد في الحدود والتخلص من ملايين المشردين والدخول في شرق الفرات وتدمير هيمنة الكرد في هذه المناطق، حتى يتم أحداث تغيير في النسيج السكاني وتكوين حزام عربي وخلق الفجوة بين الكرد كما يمكنه ببناء المدن للمشردين أن ينعش اقتصاده.

مصير نبع السلام بعد اتفاق الكرد ودمشق

قبل ما يزيد على أسبوع بدأ الجيش التركي بالزحف نحو الأراضي السورية في إطار عملية نبع السلام وعبر حدود سوريا، كانت تريد تركيا ومن خلال تكوين منطقة آمنة بطول 330 كيلومتر وعرض يمتد إلى 30 إلى 40 كيلومتر على امتداد الحدود السورية، أولا إبعاد خطر الكرد المتحالفين مع بي كي كي من هذه المنطقة وثانيا توفير الأرضية لتوطين المشردين السوريين في تركيا.

أن الكرد الذين ربطوا مصيرهم بأمريكا في خطأ استراتيجي وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها وحيدين في مواجهة أقوى جيوش الناتو، أمريكا أعلنت الخروج من سوريا وبهذا جعلت الكرد في وضع لا يحسد عليه في مواجهة الجيش التركي والقوى التابعة لتركيا التي تسمى الجيش السوري الحر، فبدئوا دراسة الخيارات الأخرى.

بعد ساعات من الإعلان عن تقدم الجيش التركي في الأراضي السورية وفي اليوم الخامس منه اتفقت الحكومة السورية والكرد على تواجد قوات الجيش في الحدود المشتركة بينهم وبين تركيا لمواجهة الانتهاكات العسكرية للقوات التركية، فإدارة الحكم الذاتي في شمال وشرق سوريا أصدرت بيانا أكدت من خلاله بأن هذا الاتفاق يمثل فرصة لتحرير المناطق والمدن المحتلة الأخرى مثل عفرين كما تفيد التقارير بأن الاتفاق الكردي السوري يتضمن تواجد القوات السورية والروسية في كوباني ومنبج.

في هذه الأثناء واجه مشاركة الجيش السوري في المناطق الشمالية والخاضعة للكرد بترحيب السكان، مما سيؤدي إلى تغيير المعادلات الميدانية ومن جهة أخرى يتم تقليل العمليات العسكرية التركية بعد زيادة الضغوط الدولية على تركية.

قلق كرد العراق من العملية التركية

أن الحكم الكردي في شمال العراق الذي يأتي على رأسه الحزب الديمقراطي الكردستاني بنى علاقات سياسية واقتصادية وطيدة في العقد المنصرم بالحكومة التركية، ومن جهة أخرى وطوال العقود الثلاث المنصرمة كان الصراع والتنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي وبي كي كي في المعادلات الكردية والإقليمية شديداً إذ أدى إلى الصراع العسكري بينهم في بعض الأحيان.

بعد عام 2011 إذ كان الصراع بين الحزبين بلغ ذروته في سوريا والمناطق السورية التي يعتبره تنظيم بي كي كي الباحة الخلفية له، كان الحزب الذي يتزعمه بارزاني ومنذ سنوات يبحث عن سبيل للدخول في تلك المناطق فاعتبر الأزمة السورية فرصة ثمينة لتحقيق أهدافه.

في المقابل الجبهة التابعة لـ بي كي كي في شمال سوريا التي تسيطر على هذه المناطق لعدة سنوات، تم تكوين تحالف باسم المجلس الوطني الكردي في سوريا بإدارة بارزاني ومشاركة ما يزيد على 12 حزبا وتيارا سياسيا كرديا في سوريا، هذا التحالف الذي يحمل وجهات نظر قريبة من مواقف الحكومة التركية يحظى بدعم أربيل وأنقرة، بذل مساعي للحصول على مكانة في المناطق الكردية في سوريا لكنها باءت بالفشل.

من جهة أخرى تم تكوين تنظيم باسم جيش روج وتعني اليوم برئاسة بارزاني ويحتضن ثمانية آلاف من مليشيا شباب كرد سوريا المشردين في إقليم وكردستان والتابعة لأحزاب المجلس الوطني لكرد سوريا، وحاول مرارا الدخول في الأراضي السورية وبالتحديد في المناطق الكردية لكنه واجه معارضة إدارة الحكم الذاتي في شمال سوريا ويمكن القول بأن بي كي كي واجهت الإخفاق.

بالرغم من تأييد بارزاني للسياسات التركية في شمال سورية ومعاداته إدارة الحكم الذاتي في شمال سوريا وسياسات بي كي كي في هذه المناطق، فأنه في هذه الفترة وبعد بدء عملية نبع السلام لم يظهر دعما لها لا صريحا ولا ضمنيا، بل تعبر أحاديثه وبياناته عن القلق الحقيقي من هذه الأحداث.

قائد حزب الديمقراطي الكردستاني في العراق وكل الأحزاب الكردية استوعبوا خطر النزعة التوسعية لأنقرة واردوغان فتواجد 21 قاعدة عسكرية في إقليم وكردستان والعراق وخطة تركيا للدخول في أراضي الإقليم بذريعة مواجهة تنظيم بي كي كي وإحياء مشروع ولاية موصل تمثل كل تلك القضايا خطرا وتهديدا يعرفه كرد العراق جيدا وعارضوا الأحداث التي شهدها الأسبوع المنصرم.

أخيرا يمكن القول بأن الحكومة السياسية الفيدرالية في شمال العراق ترى مصالحها في توازن القوى في المنطقة، وإذا ما تم الإخلال بهذه الموازنة فأول ضحية لها هو إقليم وكردستان خاصة إذا ما كانت أنقرة هي الطرف الأقوى في المعادلة.

النهاية

www.iraq.shafaqna.com/ انتها