خاص شفقنا- فورة البترودولار التي شهدتها الدول الخليجية خلال العقود الماضية عوضا عن ان تتحول الى نعمة للشعوب الخليجية وتدفع بهذه المجتمعات الى مستويات اعلى اقتصاديا وعلميا وصناعيا وثقافيا ، تحولت وللاسف الشديد الى نقمة حلت بهذه الدول والمنطقة والعالم.
العائدات النفطية والغازية الخيالية التي هبطت على خزائن هذه الدول ، تحولت الى رصيد لدعم كل جهد يمكن ان يصب في ضرب كل عناصر القوة في الامة ، والتغطية ماديا على كل نشاط يمكن ان يفت من عضد اي جهد جاد يعيد الوعي للانسان العربي بقضيته وصراعه مع اعدائه من الصهاينة واسيادهم الطامعين في ارض وخيرات وثروات هذا الانسان.
اذا ما مررنا من امام حجم الاموال الضخمة التي انفقت ، لجعل الانسان العربي يتماهي مع السياسة الصهيونية والغربية ، باي شكل من الاشكال ، الا اننا سنتوقف قليلا في هذا المقال ازاء ، الضربة المهلكة التي تعرض لها الانسان العربي على يد الاعلام الخليجي الذي انفقت عليه ميزانيات ضخمة ، لطمس راس الانسان العربي في وحل التبعية والطائفية والانحلال والانبطاج وتجريد من كل قفيم الكرامة والعزة ، وتضخيم حال مشاعر الهزيمة والانكسار.
ان المتابع للاعلام الخليجي ، هنا سنأخذ كالعادة قناتي “الجزيرة ” القطرية و “العربية” السعودية ، كراس حربة هذا الاعلام ، بعد ان تقارب خطابهما الاعلامي حتى التماهي ، خلال السنوات الاربع القليلة الماضية ، بسبب انكشاف حقيقية المشروع الصهيوني الامريكي ، الرامي لتفتيت المنطقة وشرذمة شعوبها ، تحت غطاء ما يسمى بالربيع العربي ، خدمة للصهيونية العالمية.
كان واضحا ان الاعلام الغربي والصهيوني لم ولن يجد له اذنا صاغية لدى الانسان العربي ، لذلك ، خرجت دوائر صنع القرار في الغرب المتصهين بنتيجة مفادها : علينا ان نتحدث الى الانسان العربي عن مشروعنا باللغة التي يفهمها ، اوكلت المهمة الى الانظمة القبلية والمتخلفة الجاثمة على عوائد نفطية وغازية ضخمة ، فكانت “الجزيرة” ومن ثم “العربية” واخواتهما ، وكانت السنوات القليلة الماضية كفيلة لتثبت هذه الحقيقة وبشكل واضح جدا ، بعد ان اختفت لبعض الوقت وراء شعارات “الراي والراي الاخر ” و “ان تعرف اكثر”.
يعتبر يوم 1 نوفمبر / تشرين الثاني عام 1996 يوما لنكبة الوعي العربي ، ففي مثل هذا اليوم بدأ بث قناة “الجزيرة” القطرية التي تم انشأها بالتزامن تقريبًا مع إغلاق القسم العربي لتلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية ، فانضم للجزيرة العديد من العاملين في المحطة البريطانية ، فهذه القناة عملت لاكثر من عقد بطريقة تمكنت من خلالها التغلغل الى الوعي العربي ، عبر ممارسة لم يعدها العرب من قبل ، فنجحت في تسويق نفسها على انها الاقرب الى نبض الشارع العربي ، وللاسف الشديد انطلت الخدعة حتى على النخب العرب ، من سياسيين وكتاب واعلاميين ، الذين كانوا نجوم القناة الدائمين ، والذين غابوا عنها الان بعد ان انكشف زيفها.
الوعي العربي كان مع يوم اسود اخر وهو 3 مارس / اذار من عام 2003 ، وان كان اقل خطورة من يوم افتتاح “الجزيرة” ، وهو يوم افتتاح قناة “العربية” السعودية ، الذي اختصرت الطريق الذي سلكته “الجزيرة” ، فلم تكن بحاجة لكسب ود الراي العام العربي ، فهي بدات ومنذ اليوم الاول لبثها متماهية وبشكل كامل مع السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وخصوصاً فيما يخص حزب الله وحركة حماس وغزو العراق ، حتى اُطلق عليها اسم “العبرية” من شدة قربها من الخطاب الاسرائيلي.
ولكن مع بداية ما يسمى بالربيع العربي وحتى قبل ذلك ، اقتربت “الجزيرة” من “العربية” كثيرا حتى اصبحتا منبرا واحد ، يبث سموما طائفية كريهة ، وتحولتا الى منبر للجماعات التكفيرية مثل القاعدة و”داعش” و “جبهة النصرة” واخواتهم في سوريا والعراق ولبنان والمنطقة ، والى معول لهدم الدول والمجتمعات العربية والجيوش العربية ، وتحولت الطائفية الى قاعدة ينطلق منها الخطاب الخليجي الهدام ، وهو خطاب يصب من الاف الى الياء في صالح الكيان الصهيوني وامريكا ، ويسيىء الى البلدان والشعوب العربية ، واليكم بعض جوانب هذا الخطاب الذي يعتبر اجترارا للمخطط الصهيوني ، الذي لم يجد طريقة للتنفيذ الا من خلال ادوات وانظمة ومجموعات واعلام واموال عربية بحتة :
-اول من ادخل “اسرائيل” الى بيوت العرب ، عبر استضافة رموز الاجرام في هذا الكيان عبر شاشتها ، هي “الجزيرة” و”العربية” ، وتم تحطيم الجدار النفسي الذي كان يفصل الانسان العربي عن عصابة الاجرام الصهيونية.
-المتتبع لخطاب القناتين ، يلحظ بوضوح تام ، الهجمة الشرسة على الجيوش العربية ، فالجيش السوري تحول الى “شبيحة” ، والجيش العراقي تحول الى “جيش المالكي” ، والجيش اللبناني تحول الى “جيش يهادن الشيعة ضد السنة” ، و الجيش اليمني تحول الى “عصابات صالح” ، بينما الخطاب الاعلامي ل”الجزيرة” فلا هم له الا ضرب الجيش المصري واظهاره على انه جيش السيسي ويعمل على قمع المصريين ، وفي المقابل نرى قوات الاحتلال الصهيوني يشار اليها في هذا الاعلام بالاسم “الاسرائيلي ” : “جيش الدفاع الاسرائيلي ” وان المتحدث باسم هذا “الجيش” ايفخاي ادرعي كان ومازال من اكبر نجوم “الجزيرة” و “العربية” حتى خلال العدوان الصهيوني على غزة فلم يغب عن هاتين الشاشتين يوما.
-في هاتين القناتين تحول حزب الله الى “ميليشيا” ، وانصار الله الى “متمردين” ، و الحشد الشعبي الى “ميليشيا شيعية” ، اما “داعش” و “جبهة النصرة” و المجموعات التكفيرية على مختلف عناوينها في العراق وسوريا ولبنان واليمن ، فهي : “ثوار ، و معارضة مسلحة ،و مقاومة ،و قبائل “.
-في هاتين القناتين تحول ابو محمد الجولاني ، واحمد الاسير وامثالهما ، ودعاة الفتنة في لبنان ، الى “قادة وزعماء ومشايخ” يتم تضخيمهم على انهم يعملون ل”نصرة اهل السنة”.
-تعمل “الجزيرة” و “العربية” وبشكل فاضح على الاساءة بصورة مباشرة وغير مباشرة ، وبطريقة طائفية مقززة ، لرموز وشخصيات اسلامية كبرى كسماحة المرجع الديني الاعلى اية الله السيد على السيستاني ، والشيخ الجليل ماهر حمود ، والشيخ عيسى قاسم ، والشيخ الشهيد رمضان البوطي.
-حولت هاتان القناتان ، خروج بعض الناس في درعا السورية الى “ثورة كبرى ” ، بينما نزول غالبية الشعب البحريني الى الشارع فليس الا “فتنة ايرانية ” ، و”عدوان شيعي على اهل السنة”.
-اظهار عملية تسهيل دخول عشرات الالاف من الارهابيين والتكفيريين من مختلف انحاء العالم الى سوريا ، ومدهم بالمال والسلاح ، ليعثوا في ارض الشام فسادا ، على انها مساع انسانية لانقاذ الشعب السوري من “الدكتاتورية” ، وان من ينفذون الاعمال الاجرامية هناك هم “ثوار” قدموا ل”نصرة اهل الشام” ، فيما وقوف حزب الله الى جانب احد اهم اركان محور المقاومة امام الصهيونية العالمية ، فهو تدخل “ميليشيا” حزب الله في سوريا.
-اظهار العدوان السافر على اليمن وتدمير البنى التحتية للشعب اليمني وقتل الالاف من ابناءه ، وفرض حصار ظالم طال حتى الدواء والماء والغذاء ، على انه قرار عربي اتخذ بالاجماع من احل اعادة الشرعية لليمن ، فيما يتم اظهار عملية تجنيد كل امكانيات الجامعة العربية وخزائن المشايخ الخليجية ، وارسال كل افاقي العالم من المجرمين والارهابيين الى سوريا ، لاسقاط الحكومة الشرعية هناك ، على انه قرار عربي اتخذته الجامعة العربية بالاجماع.
-العمل وبشكل مستميت للتغطية على اجرام ومجازر العصابات التكفيرية في العراق وسوريا واليمن ، والصاقها بالجيوش العربية في هذه الدول.
-تبرير كل جرائم السعودية طائفيا ، فاحتلال البحرين من قبل السعودية ، والتنكيل بالشعب البحريني ، وقتل المواطنين العزل هناك ، كما هو الحال في اليمن ، الهدف منه هو “التحرر من الهيمنة الفارسية”.
-العمل على اظهار تقسيم البلدان العربية على اسس طائفية ودينية وقومية ، على انها حقيقة واقعية ، عبر المجموعات التكفيرية المدعومة من الدول الخليجية ، وتسويقها على انها ردة فعل طبيعة على الاستبداد والدكتاتورية ، كما يحصل الان في سيناء.
-تسويق “اسرائيل ” على انها “دولة” طبيعية يمكن اقامة علاقات طبيعية معها ، بل حتى التحالف معها ، للوقوف امام “الخطر الشيعي” ، عبر عقد ندوات واجتماعات ومؤتمرات بين صناع القرار في السعودية وقطر والامارات والبحرين و”اسرائيل”.
-اظهار ايران والشيعة والمقاومة ، بانهم سبب كل البلاء الذي ينزل بالمنطقة ، وهو ما يحتم وجود تعاون وتنسيق بين الدول العربية وبين “اسرائيل” للوقوف امام “العدو المشترك”.
-تضخيم دعاة الفتنة الطائفية والسياسيين المأجورين والاعلاميين المرتزقة ، على انهم نخب دينية و سياسية واعلامية ، ومن ثم بث السموم عبرهم لشل العقل العربي واعطاب بوصلته.
-تبرير الموقف المتماهي للخليجيين مع “اسرائيل” ازاء الاتفاق النووي ، رغم ان هذا الاتفاق يبعد شبح الحرب والفوضى عن المنطقة ويجنبها المزيد من الكوارث.
ان ما تفرزه هاتان القناتان من سموم طائفية وثقافة انبطاحية استسلامية ، ساهم وبشكل مؤثر في ايصال اوضاع المجتمعات العربية الى ما وصلت اليه الان من فوضى ودمار ، حتى اصبح شبح التقسيم يهدد اغلب الدول العربية ، الامر الذي يؤكد حقيقة ان الدول الخليجية وعبر سلاح الوهابية نجحت وخلال فترة قياسية ، في تحقيق اهداف الصهيونية العالمية ، فيما عجزت عن تحقيقها امريكا والغرب خلال نحو قرن من الزمن ، فالصهيونية ايقنت منذ البداية ، ان الوهابية ، هي اخطر سلاح يمكن ان تستخدمه ضد العرب والمسلمين ، حيث نجحت بفضل الوهابية ، في ادخال العرب في نفق مظلم تفوح منه رائحة الدم.
بقلم: سامي رمزي

