نشر : October 13 ,2019 | Time : 13:09 | ID 161936 |

الشعائر.. رؤية في الجدلية (٢)

شفقنا العراق-    أَمَّا الثَّوابت والمُشتركات والقواسم المُشتركة، فهي؛

   ١/ كلُّ شَيْءٍ له قشورٌ ومُحتوى، مظهرٌ ومخبأٌ، شعاراتٌ وجوهرٌ.

   حتى شخصيَّةُ الإِنسان لها وفيها هذان البُعدان، وقد أَشار إِليهما أَميرُ المُؤمنين (ع) بقولهِ {تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا، فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ} وقولهُ (ع) {المرءُ مخبوءٌ تحتَ طيِّ لسانهِ لا تحتَ طَيلسانهِ} فاللِّباس هو المظهر أَو القشر الذي يستر بهِ المرء جسدهُ، أَمَّا اللِّسان فهو الفَحوى والمُحتوى والجَوهر والقيمة الحقيقيَّة.

   وعندما تتشابه المظاهر يكمُن الإِختلاف في الجَوهر كما في قولهِ تعالى {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}.

   ففي الظَّاهر فإِنَّ الإِثنَين، الرِّبا والصَّدقة، يُعبِّران عن النَّماء والزِّيادة، أَمَّا في الجَوهر فواحدٌ حرامٌ والآخر حلال.

   ٢/ القُشور والمَظهر والشِّعارات، تُراد لشيءٍ آخر ولا تُراد لذاتِها، وهي تحفظ الجَوهر والمُحتوى.

   كما في قولهِ تعالى {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}.

   وكذلك قولهُ تعالى {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.

   ٣/ ينبغي أَن نعرف المظاهِر [العلامات أَو أَعلام الدَّلالة] وفلسفتها لتخدمكَ في أَداء وظيفتها.

   فأَميرُ المُؤمنين (ع) مثلاً شرح بعضَ الظَّواهر والمظاهر الدينيَّة، الشَّعائر، ليعرِّفنا فلسفتها وبالتَّالي نغوصُ في جوهرِها.

   يقولُ (ع) {فَرَضَ اللهُ الاِْيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ ابْتِلاَءً لاِِخْلاَصِ الْخَلْقِ، وَالْحَجَّ تَقْرِبَةً لِلدِّينِ، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلاْسْلاَمِ، وَالاَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الاَْرْحَامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ، وَمُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجاباً لِلْعِفَّةِ، وَتَرْكَ الزِّنَى تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ، وَتَرْكَ اللِّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ، وَالشَّهَادَاتِ اسْتِظهَاراً عَلَى الْـمُجَاحَدَاتِ، وَتَرْكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ، وَالسَّلاَمَ أَمَاناً مِنَ الْـمَخَاوِفِ، وَالاْمَامَةَ نِظَاماً لِلاُْمَّةِ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلاِْمَامَةِ}.

   كما شرحت بعضها سيِّدة نساء العالَمين الزَّهراء البتول (ع) في خطبتِها المعروفة في مسجدِ أَبيها رسول الله (ص) بقولِها {فَجَعَلَ اللهُ الاْيمانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشّرْكِ، وَالصّلاة تَنْزيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ، وَالزّكاةَ تَزكِيَةً لِلنّفسِ وَنَماءً في الرّزْقِ، وَالصيّامَ تثْبيتاً للإخْلاص، وَالْحجَّ تَشْييداً لِلدّين، وَالْعدلَ تَنْسيقاً لِلْقُلُوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً للْمِلّة، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجهادَ عِزّاً لِلاْسْلام وَذُلاً لأهْلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ، وَالصّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتيِجاب الأَجْرِ، وَالأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنّهْيَ عَن الْمُنْكَرِ مَصلَحَةً للعامَةِ، وَبِرَّ الْوالدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السُّخْطِ، وَصِلةَ الأرْحامِ مَنسَأةً فيِ الْعُمْرِ وَمَنْماةً في الْعَدَدِ، وَالْقصاصَ حقْناً للدّماءِ، وَالوفاءَ بِالنّذْرِ تَعْريضاً للِمَغفِرَةِ، وَتَوْفيَةَ الْمكاييلِ وَالْمَوازينِ تَغْييراً للْبَخْسَةِ، وَالنَّهْيَ عَنِ الخَمْرِ تَنْزيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَنِ اللَعْنَةِ، وَتَرْكَ السَّرِقَةِ إيجاباً لِلعِفَّةِ، وَحَرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ إخلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبيَّةِ ﴿فَاتَّقوُا الله حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلمُونَ﴾ وَأَطِيعُوا اللهَ فِيما أَمَركُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، ﴿فَإِنَّما يَخشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾}.

   ٤/ يلزم الإِلتزام بها لتحمي الجَوهر، وإِلَّا فالمظاهر لن تنفع شيئاً بهذا الصَّدد، كما أَنَّ الجَوهر يضيعُ إِذا تجاوزناها.

   يَقُولُ أَميرُ المُؤمنين (ع) يصفُ ذلك في كلامٍ رائعٍ له {بالصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ، وَبِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ الْمُوَاصلُونَ، وَبالاِْفْضَالِ تَعْظُمُ الاَْقْدَارُ، وَبِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ، وَبِاحْتَِمالِ الْمُؤَنِ يَجِبُ السُّؤْدَدُ، وَبِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْمُنَاوِىءُ، وبِالْحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الاَْنْصَارُ عَليْهِ}.

   ٥/ كلَّما زادت العلامات كلَّما ساعدت أَكثر في حمايةِ الإِنسان والمُجتمع.

   ولذلك نُلاحظ أَنَّ المُشرِّع فصَّل ظواهر الأُمور وعلاماتها وأَعلامها ليزيد من أَسباب الحماية أَكثر فأَكثر، ليس فقط في العبادات وإِنَّما حتَّى في صياغة الشخصيَّة والنفسيَّة، كما يصفُ ذلك أَميرُ المُؤمنين (ع) بقولهِ {مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللهِ سَاخِطاً، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشَكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ، وَمَنْ أَتى غَنِيَّاً فَتَوَاضَعَ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللهِ هُزُواً، وَمَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاَث: هَمٍّ لاَ يُغِبُّهُ، وَحِرْصٍ لاَ يَتْرُكُه، وَأَمَلٍ لاَ يُدْرِكُهُ}.

   وكذلكَ في قولهِ (ع) {كَمْ مِنْ صَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِم لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ الْعَنَاءُ، حَبَّذَا نَوْمُ الاَْكْيَاسِ وَإِفْطَارُهُمْ!}.

   ٦/ إِذا فهمتها واستوعبتها فستكون مسؤُولاً، لأَنَّها ستكون حجَّةً عليك، تُحاسبُ عليها.

   كما وردَ في النصِّ أَعلاه لأَمير المُؤمنين (ع) {وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللهِ هُزُواً}.

   حتَّى القتال في سَبِيلِ الله تعالى لَهُ، برُؤية أَمير المُؤمنين (ع) مظهر وجَوهر، فالمظهرُ هو لونُ الدَّم والنَّصر في الحرب، أَمَّا الجَوهر فهو الهِداية إِلى الصِّراط المُستقيم لتحقيقِ العدلِ والإِنصاف.

   ولذلك فعندما استبطأَ أَصحابهُ إِذنهُ لهُم في القتالِ بصفِّين، قَالَ لهُم الكلام الرَّائع التَّالي والذي من الصَّعبِ أَن يستوعبهُ أَيّاً كان.

   قال (ع) رادّاً على إِتَّهامات أَصحابهِ لهُ {أمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ.

   وَأَمَّا قَوْلُكُمْ؛ شَكّاً في أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْئِي، فهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا.

   والسُّلطةُ والخلافةُ والحكومةُ كذلك.

   يَقُولُ إِبن عبَّاس؛ دخلتُ على أَميرِ المُؤمنين (ع) في ذي قار بعد انصِرافنا من صفِّين، وقد جلسَ يخصفُ نعلهُ، فبادرني (ع) بالسُّؤال؛ ما قيمة هَذِهِ؟! مُشيراً إِلى نعلهِ، قلتُ؛ لا قيمةَ لها، فقال (ع) {والله لهِي أَحبُّ إِليَّ من إِمرتكُم إِلَّا أَن أُقيمَ حقّاً أَو أَدفعَ باطلاً}.

   فالسُّلطة والقوَّة والنُّفوذ مظاهر أَمَّا جوهرها فإِقامةُ العدل ودفع الباطل والظُّلم عن النَّاس.

يتبع …

نزار حيدر

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها