نشر : September 29 ,2019 | Time : 10:48 | ID 160628 |

متظاهرو الدراسات العليا.. ما لهم وما عليهم

شفقنا العراق-انتشرت منذ أسابيع في بغداد وبعض المحافظات اعتصامات وتظاهرات لخريجي الجامعات من حملة البكالوريوس والدبلوم ، وبعض من هذه الاعتصامات بدأت في شهر حزيران من العام الحالي ولم تنتهي لحد اليوم وشارك فيها الذكور والإناث من خريجي السنوات السابقة وبمختلف الاختصاصات ( عدا الصحية والطبية ) ممن لم يحصلوا على تعيين ، والهدف المشترك لهذه الفعاليات هي المطالبة بفرص العمل بعد أن يأسوا من الانتقال من شريحة العاطلين إلى العاملين سواء في القطاع الحكومي او الخاص ، وكان من أشهر تلك الاعتصامات هي لخريجي التخصصات الهندسية الذين انتقلوا من ساحة التحرير إلى مقر نقابة المهندسين في بغداد ، ورغم تنوع أشكال التعبير وامتدادها إلى الليل والنهار وعدم الإصغاء لمطالب المتظاهرين من قبل الجهات المعنية مما دعا البعض لتسميتها بغير الفاعلة ، فقد انضم إليها منذ أسابيع حملة الشهادات العليا ممن لم يحصلوا على تعيين  ، وكاد اعتصامهم أن يمر مرور الكرام لأنه لم يشكل موضوعا بارزا كونه ضمن السياقات الديمقراطية التي كفلها الدستور وقد سبقتها العديد من التظاهرات لموضوعات عديدة من قبل ، إلا إن اقتحامهم ومحاولة تفريقهم باستخدام القوة وخراطيم المياه من قبل قوة لعناصر مكافحة الشغب هو من اثار المواقف الرافضة للتعامل بطريقة ( خشنة )إذ حظي الموضوع باهتمام وسائل الإعلام وتصريحات بعض السياسيين والبرلمانيين كما أعلن العشرات او المئات عن تضامنهم مع المتظاهرين ورفضهم لاستخدام القوة بخروج تظاهرات في بعض المحافظات ، وأعلن مكتب مفتش عام وزارة الداخلية ( الخميس )  عن تشكيل لجنة تحقيقية للوقوف على ملابسات الاعتداء على حملة الشهادات العليا وقال المكتب في بيـان نشرته وكالة  ( المعلومة )   إن المفتش العام لوزارة الداخلية شكل لجنة تحقيقية من مديرية حقوق الإنسان للوقوف على حيثيات الاعتداء على المتظاهرين من حملة الشهادات العليا في منطقة العلاوي ببغداد من قبل فوج فض الشغب التابع لمديرية شرطة بغداد ، ووصفت اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد   الإجراءات التي اتخذتها قوات مكافحة الشغب بحق المتظاهرين من أصحاب الشهادات العليا بـ “المخزية” ، مطالبا وزير الداخلية بضبط الجهاز في التعامل مع المواطنين بالمطالبة بحقوقهم المشروعة التي كفلها الدستور ،  وفي جلسة يوم الخميس طلب مجلس النواب تشكيل لجنة للتحقيق بشأن ما جرى من تجاوزات بحق حملة الشهادات العليا .

ورغم الإدانات المتعددة للاعتداء على المتظاهرين فلم نجد أية  تصريحات او وعود رسمية لحل مشكلات حملة الشهادات العليا ، وأعلنت لجنة التعليم النيابية عن بلوغ عدد حملة الشهادات العليا الذين يطالبون بالتعيين نحو 15 ألف شخص، مبينة إن تعيينهم بشكل كامل يتطلب خطة تتم عبر ثلاث سنوات ، وقال عضو لجنة التعليم رياض محمد في تصريح صحفي إن هناك أعدادا كبيرة من حملة الشهادات العليا ولا يمكن استيعابهم جميعا بقرار واحد ضمن وزارة التعليم ، وأضاف إن تعيينهم يتطلب خطة  تنفذ عبر ثلاث سنوات  وإن  الموضوع  ليس من اختصاص وزارة التعليم العالي وإنما وزارتي المالية والتخطيط ، لافتا إلى انه  يجب تعيين جزءا منهم في التعليم وآخرين في الجامعات والكليات الأهلية ووزارات الدولة من خلال تخصيص نسبة من كل تعيينات تفتح لحملة الشهادات العليا ، ويلاحظ إن جميع ردود الأفعال إنها تركز على رفض استخدام القوة ضد المتظاهرين ولكنها لم تضع حلولا لمعالجة أسباب التظاهر بل إن بعضها قللت من آمال حل المشكلة عند التصريح بان تعيين حملة الشهادات العليا يتطلب ثلاث سنوات ، علما بان إعدادا أخرى ستتخرج خلال الثلاث سنوات القادمة مما يعني تفاقم المشكلة ولا احد يعلم ما هي ردود أفعال الخريجين القادمة عندما تنخفض الآمال في التعيين ، وهم من فئات الشباب وأعمارهم تتقدم عاما بعد عام ولهم احتياجات معيشية واجتماعية لا يمكن تمويلها بغير العمل غير المتيسر لأغلبهم حتى وان كان عملا بأدنى من شهاداتهم التي حصلوا عليها على وفق القياسات العلمية من الجامعات ، ومن حق أي مواطن أن يسال هل إن تعيين حملة الشهادات العليا هو حقا مكتسبا للخريج وان من واجب الأجهزة الحكومية تعيين كل الخريجين ؟ ، وهل إن الطريقة التي لجأ لها المتخرجون في التظاهر والاعتصام بأماكن مختلفة ومنها بالقرب من مكتب رئيس مجلس الوزراء  هي مشروعة وتأتي ضمن السياقات الاعتيادية للحصول على الحقوق ؟ ، وهل إن خريجي الدراسات العليا هم ضحية القصور والتقصير الحكومي الذي اخذ يكتسح جوانب متعددة من مفردات حياة المواطن العراقي ؟ .

ولغرض التعرف على الإجابة الموضوعية لهذه التساؤلات لابد من معرفة كيفية تحديد مدخلات ومخرجات الدراسات العليا في العراق ، إذ تتولى هذه المهمة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي من واجباتها وضع خطط القبول للدراسات العليا داخل وخارج العراق ، ويتم ذلك من خلال مسح الاحتياجات حسب التخصصات استنادا للبيانات التي تقدمها الوزارات والقطاعات المختلفة وتحليل الطاقات الاستيعابية المتاحة والإضافية في القبول في الجامعات وتحديد المقاعد والتخصصات التي لا تستطيع الجامعات المحلية تلبيتها لوضعها في خطة البعثات والزمالات والدراسة على النفقة الخاصة (خارج البلاد ) ، وبالتنسيق مع وزارة التخطيط والجهات ذات العلاقة تعلن خطط وشروط القبول سنويا ويتم التنافس عليها من قبل المتقدمين ، ولان خطط القبول تقابلها كلف ونفقات لإعداد وتأهيل وتخريج المقبولين فان من المفترض أن يكون لكل مقعد دراسي حاجة فعلية وان تكون الجهة التي حددت الاحتياج بانتظار الخريج ليؤدي ما تحتاجه من أعمال ، ومن واجب جهة الاحتياج تهيئة الدرجة الوظيفية والتخصيص المالي للخريج للاستفادة منه قبل تقادم معلوماته كما إن القطاعات الاقتصادية غير الحكومية التي وضعت خطط للاحتياجات أن تستقبل المخرجات من الخريجين ، ولكن ( للأسف ) لا يتم تطبيق هذه الآليات بحجة إيقاف التعيينات وإجراءات وزارة المالية بعدم وضع الدرجات للاحتياجات وعدم كفاية التخصيصات المالية ، واغلب الجهات تتنصل عن التزاماتها في استيعاب خريجي الدراسات العليا لان التغير في الإدارات يؤثر في سياسات التعيين المتاحة بإتباع أساليب غير مؤسساتية بهذا الخصوص ، أما القطاعات المنتجة ذات التمويل الذاتي او القطاعين المختلط والخاص فإنها شبه معطلة وتستثمر آية فرصة للاستغناء عن العاملين الموجودين لأنهم يشكلون عبئا ماليا ، وتضاف لهذه العيوب اتخاذ قرارات لأسباب غير معروفة لتوسعة القبول وإتاحة مزيدا من المقاعد الدراسية لطلبة الدراسات العليا دون تامين العمل لهم بعد التخرج ، ويمكن الاستنتاج بشكل مبدئي إن جزءا من خطط القبول والتخرج  لم تراعي العرض والطلب فتبقى نسبة من الخريجين بدون عمل لان الطلب عليهم محدود في القطاعات كافة فيتحولون إلى عاطلين ، وغالبا ما نجد إن حجم هذه المشكلة يكون كبير لغير المعينيين في حين إنها اقل ضررا بالنسبة للمقبولين من الحاصلين على الإجازات الدراسية لأنهم يعودوا لمنظماتهم بعد التخرج ومشكلتهم قد تتعلق بممارسة الاختصاص فعلا ومدى استفادة دوائرهم من وضعهم الجديد .

ويمكن الاستنتاج مما تقدم إن اغلب خريجي الدراسات العليا هم من ( ضحايا ) سياسات القبول التي يبررها البعض بان الجامعات تتبع شعار ( الجامعة للمجتمع ) وليس الجامعة للوزارات ، ولكن الحالة تختلف في أسواق العمل في مجتمعنا لان هناك خللا في قطاعات الأعمال ، وبعض الدول تعالج هذه المسألة من خلال التعاقد مع طلبة الدراسات العليا بتخصيص دراستهم وبحوثهم لحل مشكلات محددة وبذلك فإنهم حجزوا الفرصة ويعملون من الجامعة لصالح الجهة الراعية او الداعمة لهم ، وإذا كان الخريجون في بلدنا بهذا الوصف فمن حقهم أن يطرقوا جميع الأبواب لتلبية مطلبهم في إيجاد فرص للعمل عندما لا تتوفر لهم أية وسيلة لدعمهم وتشجيعهم في تبني مبادراتهم لولوج الأعمال ، وعندما تكون الكثير من الأبواب مغلقة في وجوههم فلهم الخيار في اللجوء إلى النقابات والجمعيات المهنية ولكن هذه المنظمات عاجزة عن تلبية احتياجاتهم ، كما يمكنهم أن يعرضوا حالاتهم على مجالس المحافظات ومجلس النواب للمطالبة بحقهم في العمل لأنهم سيتعاملون مع ممثليهم في هذه المؤسسات المشكلة بموجب الانتخابات ، ونعتقد بان اغلب المتظاهرين لم يستسهلوا الاعتصام والتظاهر وإنما وجدوه من الخيارات المتاحة بعد استنفاذ اغلب المحاولات ، ويفترض ان يكون الهدف من هكذا ممارسات هو إيصال المطالب بأصوات غير نشاز لكي يستمع لها المسؤول ونقصد أن تمارس بشكل سلمي وغير عدائي وليس فيها دوافع سياسية وإغراض تسقيطية او أية أمور أخرى خارج الإطار القانوني والدستوري بما يلاءم مستوى المتظاهرين كونهم يحملون أعلى الشهادات ، وحسب وجهة نظر المتظاهرين فإنهم اتبعوا جميع السياقات والقياسات الصحيحة ولكن بعض ردود الأفعال جاءت خاطئة لان البعض القليل تعامل معهم بطريقة غير قانونية أما جهلا او لأسباب ذاتية تتعلق بمخالفات ارتكبها العاملون بالأجهزة المعنية ممن يتوجب مساءلتهم  ومحاسبتهم بشكل قانوني عند ثبوت التقصير ، أما الشق الآخر من الموضوع هو عدم استجابة الجهات المعنية  في وضع المعالجات العملية لمشكلاتهم وهو ما يتطلب إصدار تصريحات رسمية تتضمن المنهج والتوقيت والخيارات المتاحة للمعالجة ومن خلال القنوات الرسمية ، ونعتقد إن أصحاب الشهادات العليا وعوائلهم والمتعاطفين معهم بحاجة إلى جواب رسمي لكي تخلى الساحات والشوارع من المتظاهرين وتترك لاستخداماتها الطبيعية ، وهذا الجواب يجب أن يكون عادلا وشافيا وكافيا لحل المشكلة بما يوفر فرص العمل لكي يؤدوا واجباتهم العلمية والوطنية ، وبهذه الطريفة نستعيد تكاليف دراستهم من خلال خدماتهم كما إنها تحمي الشباب الخريجين من حالة اليأس وما ينجم عنها من آثار وانعكاسات فهم من ثرواتنا البشرية وجزءا من شعبنا واحتضانهم من مسؤولية الجميع.

د. كمال حسين العبيدي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.iraq.shafaqna.com/ انتها