نشر : September 14 ,2019 | Time : 16:20 | ID 159474 |

مهمة فرنسا وجولة الاتفاق النووي الجديدة

شفقنا العراق- يشهد العالم في ظلّ الأوضاع الحاليّة تحوّلات سياسيّة وأمنيّة متعدّدة يُمكن لمصير أيّ منها ترك أثر كبير جدّاً على المعادلات السياسيّة والأمنيّة أو التأثير على بعض جوانب هذه المعادلات، منها الحرب على اليمن، والتطورات السياسيّة والأمنيّة بين حركات المقاومة، والتوتّرات الموجودة بين القوى الإقليميّة والدوليّة في الخليج الفارسي، والحرب الاقتصاديّة بين الصّين وأمريكا، والتوتّر المشهود بين أمريكا وكوريا الشماليّة وأخيراً التوتّرات التي تشهدها العلاقات بين إيران والغرب فيما يخصّ الاتفاق النّووي الدّولي.

كلّ موضوع من هذه المواضيع يشكّل في حقيقة الأمر قضيّة واحدة مع اللاعبين الأساسيّين وحلفائهم، وبين القضايا المذكورة، نرى أنّ أهمّ القضايا هي مفاوضات إيران مع الدّول الغربيّة وأمريكا بشأن الالتزام بتنفيذ تعهّدات كلا الطّرفين في الاتفاق النّووي.

وتم تنفيذ جانب من هذه القضيّة المهمّة والمؤثّرة وهو التزامات إيران في الاتفاق النّووي، فإيران خفّضت نسبة تخصيب الیورانیوم  من ٢٠٪ إلى ٣,٥٪ وصبّت الاسمنت في مفاعل أراك للماء الثقيل وأوقفته عمليّاً، وجمعت كل أجهزة الطّرد المركزي في محطة فوردو وحوّلتها إلى مركز للأبحاث؛ وخلاصة القول هي أنّ إيران نفّذت كلّ التزاماتها في الاتفاق النّووي وقد أيّد ذلك المشرفون والمراقبون الدوليّون أيضاً، لكنّ القوى المقابلة لإيران، أي أمريكا وأوروبا، لم تكتفِ بعدم تطبيق التزاماتها وحسب، بل أقدم الرئيس الأمريكي بخروجه من هذا الاتفاق الدّولي على نقضه عمليّاً وداس عليه بقدميه.

إن النقطة اللافتة في خضمّ ردود أفعال الدّول الأوروبيّة كانت هي أنّهم لم يكتفوا بعدم إدانة هذه الخطوة الأمريكيّة غير الشرعيّة، بل إنّهم بطرحهم لقضايا جديدة وتماشيهم مع الرئيس الأمريكي أيّدوه في إعادة صياغة الاتفاق النّووي، أمّا الجمهوريّة الإسلاميّة فبعد عدّة سنوات من الصّبر الاستراتيجي ومراعاة الجوانب القانونيّة والأخلاقيّة لالتزاماتها في الاتفاق النّووي، أقدمت ضمن إطار الاتفاق النّووي على اتّخاذ خطوتين من أجل العودة إلى الوضع السابق.

إن الخطوات التي مارستها إيران وتهديدها باتّخاذ الخطوة الثالثة أدّت إلى تخبّط الدّول الغربيّة التي كانت قد رمت بمضمون الاتفاق النووي بعيداً ودفعتها إلى بدء جولة جديدة من المساعي لأجل إقناع إيران، وسنقدّم لاحقاً عرضاً وتحليلاً لأسباب ودوافع ومضمون المفاوضات الجديدة بشكل تفصيلي لكنّ الهدف في هذا المقال المختصر هو إلقاء الضّوء بشكل مجمل على أسباب مبادرة فرنسا لإجراء جولة جديدة من المحادثات الرامية إلى جمع إيران وأمريكا بعد تجربة بريطانيا، وعمان، واليابان، إن السّؤال الرّئيس في هذا القسم هو: ما السبب في لعب فرنسا دور الوسيط بين أمريكا وإيران في ظلّ المستجدّات الأخيرة؟ هل إنّ فرنسا تقع في هذه المرحلة في موقع اللاعب المستقلّ أو اللاعب المسيّر والتابع لسياسات أمريكا وتوصياتها ودخلت اللّعبة بدلاً عن أمريكا؟

في معرض الرّد على هذا سؤال لماذا وافقت فرنسا على لعب دور الوسيط في هذه المفاوضات ودخلت الميدان لكي تدفع إيران إلى القبول بجولة جديدة من المفاوضات ينبغي لفت النّظر إلى أنّ فرنسا عضوٌ من أعضاء الاتحاد الأوروبي ولطالما لعبت دور الحليف لأمريكا وتدخّلت في ميدان اللعبة نيابة عن أمريكا في ظلّ الظّروف الحسّاسة وعند وجود مصالح مشتركة وتهديدات مشتركة، ولعبت فرنسا في المفاوضات السابقة التي انتهت بالاتفاق النووي دور الشّرطي السيّء لكنّها تسعى في ظلّ الظروف الجديدة لأن تظهر نفسها في مظهر الشرطيّ الجيد.

لقد أدّت عدّة عوامل مهمّة ومصيريّة في ظلّ الظروف الحاليّة إلى أن تفضّل فرنسا دور السّمسرة على دور الشرطيّ السيّء وأن تدخل الساحة بعد وساطات عديدة.

١- لقد وصل جزء كبير من تطورات المنطقة التي كانت مخطّطة ضمن إطار السيناريو الغربي والعربي إلى المرحلة النهائيّة أو النهاية؛ مثل الأزمة السوريّة، والعراق و… طبعاً لم يؤول أي من هذه التطورات إلى تحقيق النتائج والأهداف التي سعت من أجلها الدول الغربيّة والعربيّة بل إنّ كلّ هذه الأزمات انتهت وفق إرادة إيران وحلفائها في المنطقة وهذا يعني فشل استراتيجيّات الجبهة المعادية لإيران باهظة الثّمن، وهذه الهزيمة تعني انهيار الجبهة الإقليميّة والعالميّة المتمحورة حول أمريكا في مواجهة إيران، وفي الواقع كانت إيران هي التي أثبتت قوّتها للعالم في حرب الاستراتيجيّات وكانت استراتيجيّة إيران هي المنتصرة.

٢- اتّبعت إيران استراتيجيّة المقابلة بالمثل ذات الصّبغة الثوريّة والهجوميّة فيما يخصّ الاتفاق النووي بعد عدّة سنوات من الصّبر الاستراتيجي على عدم التزام الدّول الأوروبيّة والأمريكيّة بالتزاماتها في الاتفاق النووي، وفي الحقيقة وحسب تعبير الفرس، فإنّ الجمهورية الإسلاميّة استطاعت بعد اتّباعها المنهج الثّوري في المجال الدّبلوماسي ومع استنادها إلى الانتصارات الإقليميّة استعراض توازن القوى، وقد شاهد العالم كلّه ذروة هذا الاقتدار السّياسي في اللقاء الذي انعقد بين قائد الثورة الإسلاميّة ورئيس الوزراء الياباني، وقد ساهمت في استكمال هذا التوازن خطوات عودة إيران إلى ما قبل الاتفاق النّووي وهذا كان عاملاً مهمّاً في فشل افتراضات الدّول المقابلة لإيران.

٣- الموضوع الآخر المهم الذي أدّى إلى وقوع الاختيار على فرنسا من قبل أمريكا هو استعراض قوّة إيران في ردود الفعل المباشرة التي وقعت في مضيق هرمز الاستراتيجي؛ التطورات التي جعلت الغرب يدرك بأمّ العين أنّ إيران ليست قوّة بحجم القذّافي في ليبيا أو صدّام في العراق ولا يمكن تقييدها بسهولة عبر الضغوط السياسيّة والاقتصاديّة وجرّها إلى المعسكر أو العمل على جعلها تستسلم من الداخل عبر نفوذ حصان طروادة، فإثبات قوّة إيران في البحر والجوّ أدّى إلى أن تلعب فرنسا دور الشرطيّ الجيّد، في الواقع فرنسا أشبه بجنديّ يأتمر بأوامر جنرال يُدعى أمريكا ومهمّته أن يعوّض الخسائر الاستراتيجيّة عبر التمهيد لجولة جديدة من المفاوضات.

٤- في السيناريوهات المخطّط لها من قبل الجبهة الغربيّة بمحوريّة أمريكا ومع دعم ومساندة من قبل بعض الدول العربيّة، كانت زعزعة استقرار إيران على جدول الأعمال وقد تحمّلت هذه الجبهة أثماناً باهظة في المجال السياسي والكشف عن عناصرها والوسائل الإعلامية التي كانت موكلة بشنّ هجوم إعلامي على إيران، وهذا ما جعلهم يتحدّثون في الوسائل الإعلامية وضمن بيئة الحرب النفسية بشكل مستمر عن صيف حارّ في إيران وكانوا يتوقّعون أن تعمّ البلاد الاضطرابات لكنّ الصّيف انقضى أيضاً ولم نشهد أيّ حدث وباءت هذه الفرضيّة أيضاً ككل الفرضيّات السياسيّة والأمنيّة والعسكريّة الأخرى بالفشل، لذلك وجدوا أنّ الحلّ يكمن في التقرّب من إيران لأنّهم يعتقدون أنّ السبيل الوحيد لخنق إيران هو الاقتراب منها وليس توجيه ضربة لها عن بُعد والمفاوضات أفضل الطرق للاقتراب من إيران.

من وجهة نظر الغربيّين، ما هو مهمّ هو أن نعيد إيران إلى طاولة المفاوضات بعد عدّة سنوات من ضياع وقت هذا البلد وخداعه، وإذا استطعنا إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات لن تكون إدارة المفاوضات بيد إيران لأنّنا اكتشفنا خلال الجولة الأولى عبر التجربة أنّه بالإمكان توجيه الإيرانيّين بعد جلبهم إلى طاولة المفاوضات وسدّ الطريق أمامهم من خلال التزامات شبيهة بالتزامات الاتفاق النووي.

النّقطة الأخيرة هي أنّ الإيرانيّين رغم ذكائهم الكبير خلال مفاوضات الاتفاق النّووي الأولى عجزوا عن الانتفاع من فوائدها أو دفع الطرف المقابل لتنفيذ التزاماته، وفي هذه الجولة الجديدة أيضاً اختارت إيران مسارها الذي لا يختلف كثيراً عن مسار مفاوضات جولة الاتفاق النووي الأولى، وإضافة لإعاقة عودة إيران إلى ظروفها قبل الاتفاق النووي يسعى الغرب في هذه الجولة إلى توجيه إيران باتجاه مسار جديد في منح نقاط الامتياز على ضوء التفاوض مع أمريكا من أجل عودتها إلى الاتفاق النووي.

النهاية

www.iraq.shafaqna.com/ انتها