نشر : September 10 ,2019 | Time : 12:16 | ID 159094 |

النظرة الفقهية إلى حادثة عاشوراء..”هيهات منا الذلة” هي رفض الاستسلام وليست رفض السلام

خاص شفقنا-من القضايا التي نظر إليها الفقهاء طوال التاريخ، كل فريق من منظاره وتفسيره ونظرته الفقهية، هي حادثة عاشوراء.

حملت دراسة حادثة عاشوراء من المنظور الفقهي في طياتها أسئلة جمة ومنها هل كانت حركة فقهية أم ما بعد فقهية، في أي إطار يمكن دراسة حادثة عاشوراء أو يجب دراستها ضمن هذا الإطار أو ذاك. هل محاربة الظلم تنطوي ضمن الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل يجوز للإمام بيعة الحاكم الجائر أم لا. ماذا يقول فقهاء الشيعة في هذه الأمور، وما هي آراءهم.

وقد تطرق أستاذ الفقه والأصول في الحوزة العلمية في قم ومؤلف كتاب “الفقاهة في عاشوراء”، حجة الإسلام والمسلمين محمد سروش محلاتي، إلى ثورة عاشوراء في مقابلة مع مراسل وكالة شفقنا.

س. لقد طرحت آراء مختلفة طوال التاريخ حول حادثة كربلاء وقد قدّمت مختلف القراءات لها، لو أردنا دراسة حركة الإمام الحسين عليه السلام وحادثة كربلاء من منظار فقهي، هل تصنف حادثة كربلاء في خانة الحركة الفقهية أم ما بعد فقهية. أي لو كانت عاشوراء قضية فقهية بمعنى إمكانية دراستها دراسة فقهية، وبالتأكيد أن الشيعة يتأسون بها ويمكن الاستفادة منها كمصدر فقهي؛ ففي أي القضايا الفقهية بإمكاننا دراستها؟

ج. كانت نظرة فقهاء الشيعة في القرون الأولى هي أن حركة الإمام الحسين يمكن تحليلها من منظار الفقه. قد تكون إحدى أقدم النظريات في هذا المجال للشيخ المفيد ثم السيد مرتضى ومن ثم الشيخ الطوسي، فقد اعتبروا ما قام به الإمام موافقاً لقواعد الفقه العامة، كما أنهم قد شككوا في علم الإمام بمصير الحادثة عند تحليل الأمر، ويتأسس تحليلهم على مقدمة.

يقول الشيخ المفيد رداً على سؤال مفاده لماذا توجه الإمام إلى الكوفة وهو يعرف عدم وفاء أهل الكوفة بوعودهم: لا دليل على علم الإمام (المسائل العبكرية ص 69) كما للسيد المرتضى نفس الرأي وقد ورد في كتاب تنزيه الأنبياء، إذ يرى أن الإمام لم يكن يتنبأ بما حدث، مثلاً مواجهة أهالي الكوفة مع الإمام: ولم يكن في حسابه أن القوم يغدر بعضهم.

هذا وفي المراحل التالية رفض الكثير من الفقهاء ذلك الرأي لكن على أي حال ووفقاً لهذه المقدمة، يعدّ عمل الإمام مبرراً، فالإمام واعتماداً على دعوة أهل الكوفة لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو لتسلم مقاليد السلطة، قد سار إلى هناك وكان على كل مكلف يمكنه القيام بالنهي عن المنكر بنجاح، أن يقوم بمثل هذا الأمر، لكن هذا التحليل لا يمكنه تقديم تبرير عبر العلم بالأحداث، وتقديم إطار فقهي لإيضاحه.

س. لو كانت عاشوراء حركة يمكن دراستها كونها قضية في الفقه والخروج بنتيجة منها، فهي تدخل في إطار أي القضايا الفقهية التالية: الجهاد أم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم محاربة الظلم؟

ج. تتم دراسة عاشوراء في القضايا الفقهية من زوايا مختلفة، فقضية محاربة الظلم ليست بقضية منفصلة عن النهي عن المنكر، إذ يمكن الحديث عما قام به الإمام في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة ومن هذه الزاوية يمكن التساؤل لماذا قام الإمام بالنهي عن المنكر في عمل محفوف بالمخاطر، أليس الشرط في القيام بهذه الفريضة هو عدم تعرض المرء إلى الخطر والأضرار؟ لكن الكثير من الفقهاء قد تحدثوا عن عاشوراء ضمن القضية الجهادية في كتاب الجهاد وتساءلوا لماذا لم يقبل الإمام بالسلام وهو يخوض الحرب.

يرد العلامة الحلي في الفقه بأنه لو كان أي شخص مكان الإمام فلم يكن أمامه إلا طريقين وله الحق في الاختيار، الصلح أو المقاومة والاستشهاد، وفقاً لهذا الرأي يمكن الحديث عما قام به الإمام في الإطار العام للقوانين الفقهية، كما يتبنى الشهيد الثاني الرأي نفسه.

كما تحدث المحقق الكركي عن هذه القضية في كتاب الجهاد لكن له رأي مختلف عن رأي العلامة الحلي. يقدم الكركي تحليلاً مفاده إن الإمام كان يعرف مصير الحرب، لم يكن له بدا من المقاومة لأسباب ما، على سبيل المثال كان يعرف الإمام بأن يزيد لا يلتزم بأي معاهدة، أو ان الصلح يوجه ضربة لمعتقدات الناس، أو لم يكن أمامه إمكانية الصلح في ظل تلك الظروف، على كل وإن كانت نظرية المحقق الكركي لم تتبنى اليقين والتأكيد وتتحدث بلغة الاحتمالات، لكن الحديث عن تلك الاحتمالات يأتي بسبب إمكانية تحليل ثورة الإمام وفقاً للقوانين الفقهية.

س. يذهب الكثير بأن من أهداف الإمام الحسين عليه السلام في رفض بيعة الحاكم الظالم هي محاربة الظلم، فأن أحداث كربلاء جاءت لرفضه، فهل محاربة الظلم تصنف ضمن مجموعة الجهاد أم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل كان يؤمن الإمام بالجهاد أم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

ج. إن قضية رفض البيعة تختلف عن قضية محاربة الظلم، عندما يدعي ظالم بأنه الخليفة والحاكم، فمن واجب أي مسلم رفض قبول دعوته وعدم تأييدها، رفض البيعة واجب سلبي ولا يختص هذا الواجب بالإمام الحسين عليه السلام لكنه إذا تعرض المرء لظروف محفوفة بالمخاطر، وإن عدم بيعته تنتهي إلى مقتله، يجوز له مبايعة الجائر فتكون من مدلولات التقية، لكن الإمام الحسين رفض مبايعة يزيد، إذ قال الفقهاء بأنه في تلك الحالات تحرم التقية.

على سبيل المثال التقية التي تضر بالدين، وبهذا يضفي الشرعية على حكم الظالم التي يريد اقتلاع أساس أحكام الإسلام، هذا الاستثناء لجواز التقية ورد في النصوص “وكُلُّ شَيْءٍ يَعْمَلُ اَلْمُؤْمِنُ بَيْنَهُمْ لِمَكَانِ التقية مِمَّا لاَ يُؤَدِّي إِلَى اَلْفَسَادِ فِي اَلدِّينِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ”.

وتحدث الإمام الخميني رحمه الله في رسالة التقية عن هذه القضية. كما يقول آية الله الخوئي تحت عنوان التقية المحرمة بأن التقية التي تؤدي إلى انهيار الدين فهي محرمة، ثم يطبق هذا الحكم على عاشوراء ويقول: ولعله من هنا أقدم الحسين وأصحابه لقتال يزيد بن معاوية، وعرضوا أنفسهم للشهادة وتركوا التقية.

س. هل يجوز للإمام مبايعة الحاكم الظالم الذي تولى السلطة والخلافة، أم لا يجوز له ذلك؟

لمبايعة الحاكم الجائر ثلاث مراحل، ففي المرحلة الأولى يحرم مبايعة الجائر للإمام وغير الإمام، في المرحلة الثانية يأتي الحكم الثانوي نتيجة للتقية، إذ تجوز البيعة في ظروف التقية والاضطرار. أما في المرحلة الثالثة لا مكانة للحكم الثانوي، لأن البيعة حتى في ظل الظروف الطارئة تأتي بمفاسد كبيرة، في هذه المرحلة لا يجوز للإمام المبايعة، حتى لو كان الثمن التضحية بالنفس.

وللمراحل الثلاثة أحكام شرعية كلية، ومع أنه من الممكن أن يكون للإمام بسبب مكانته الخاصة في هداية الأمة وللحفاظ على كينونة المذهب والدين، ظروف خاصة في اختيار أي من المراحل أعلاه، ذلك أن التقية تجوز للأشخاص العاديين ولا تجوز لمن لا يتمتع بمكانة الإمامة، على كل حال حكم البيعة بالجواز يتبع الظروف والأحوال وليس يسير على وتيرة واحدة دائماً.

س. كيف يمكننا الاستفادة من قيام سيد الشهداء في المجتمع وهل يمكن تعميم هذا القيام للمراحل الأخرى من التاريخ؟

ج. بالتأكيد يمكن ذلك، لكن الإطلاق هنا يعني بأن هذا النموذج يتم إطلاقه وفقاً للظروف المماثلة. إنني أرى بأن أي من الأئمة لو كان يعيش ظروف الإمام الحسين عليه السلام لكان قد قام بالعمل نفسه، لكن بكل أسف يرى البعض بأن التعميم والإطلاق يعني التعميم في كل الظروف، أي كان لابد أن يقوم الإمام الحسن بما قام به الإمام الحسين، فهؤلاء الجهلة لا يمكنهم استيعاب علاقة مكانة الإمام الحسين بتلك الظروف الخاصة ويظنون بأن الحكم مماثل لكل الأشخاص في كل الظروف، فبغية التعميم والإطلاق العادل علينا استنباط المكونات الجوهرية لقيام الإمام.

وعلى سبيل المثال فعندما يواجه الحاكم الجائر يقول: على الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد.

وفقا لهذه المكونات لا يمكن تعميم هذا النموذج لمواجهة كل حاكم جائر ومنحرف. أما المكونة الأخرى هي أن الطرق كلها في كربلاء كانت مغلقة بوجه الإمام ولم يسمح له بالرجوع إلى المدينة أو منطقة أخرى، حتى لم يسمح عبيد الله بأن يتجه الإمام نحو الشام، إذ كانت ظروف الصلح متوفرة هناك. وكما يقول الشهيد مطهري فأن العدو كان مستعداً للصلح مع الإمام الحسن، لكنه في مواجهة الإمام الحسين لم يكن يريد شيئاً إلا الاستسلام، فمن هنا كانت “هيهات منا الذلة” هي المقاومة في مواجهة الاستسلام وليس المقاومة في مواجهة الصلح.

إنني أؤمن بنموذجية قيام الإمام وأرى من اللازم التأسي بالإمام، لكنني أرى بأن إعادة شعارات كربلاء لا يعدّ تأسياً بالإمام ولا إتباعا له.

س.  هل هناك من فقيه يرى بأن قيام الإمام يخرج عن إطار الفقه؟

ج. نعم قد دخلت هذه الفكرة في العهد القاجاري وبشكل خاص في أفكار صاحب الجواهر، دخلت في فقهنا وبعده انتشرت على يد الشيخ جعفر الشوشتري في الوسط الشيعي وكانت هي النظرة المسيطرة لنفوذ الشيخ في القرن الفائت.

ان الراحل الشوشتري يورد كلام صاحب الجواهر في مختلف كتبه منها الخصائص الحسينية وفوائد المشاهد وملخص قوله هو إن للإمام الحسين واجب وتكليف خاص يختلف عن واجبات المسلمين عامة، وعندما واجه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الفقيه المنور والواعي اجتماعياً وسياسياً السؤال القائل: لماذا منح الإمام في الليلة العاشرة أصحابه الحرية في ترك كربلاء، قال إن حركة كربلاء تعدّ من القواعد الشرعية والالتزامات المدنية وإنها حركة استثنائية ليس إلا.

وفي السنوات الأخيرة نشر مكتب آية الله بهجت كتاباً حمل عنوان “الرحمة الواسعة” وقد ضم محاضرات آية الله بهجت، ورد في مستهل الكتاب: هل يمكن لإنسان ما أن يتوجه إلى الانتحار؟ وهل له الحرية في قتل نفسه؟ ثم يتطرق إلى حادثة كربلاء وأصحاب الإمام الحسين ويقول: ماذا يسعني أن أقول؟ هذا ما لا يتم التطرق إليه في الرسالات، انهم أدرى بشؤونهم والإجابة على أعمالهم وأحوالهم.

هذه العبارة الأخيرة تشير إلى تلك القضية بأن التوجه نحو الشهادة عمل يتجاوز مستوى الرسالات الفقهية ولا يمكن للفقيه في يومنا هذا تقديم إجابة لها.

===

جدير بالذكر بأن سروش محلاتي هو باحث في الفقه السياسي نشر عشرات الكتب بالفارسية ومنها: العقلانية في عاشوراء، الولاية في المغالطة والمصادرة، الجهاد في فقه الشيعة المعاصر والفقاهة في عاشوراء وكتب أخرى وقد تطرق في الكتاب الأخير إلى موت معاوية وتسلم يزيد مقاليد الحكم ومطالبة يزيد البيعة من الإمام الحسين عليه السلام وينظر إلى ان طلب البيعة تعد الشرارة الأولى في حركة الإمام الحسين عليه السلام كما يدرس جواز مبايعة الإمام الحاكم الجائر فقهياً من عدمها.

النهاية

www.iraq.shafaqna.com/ انتها