نشر : February 25 ,2019 | Time : 08:35 | ID 141779 |

المرجعية الدينية العليا والسفسطائيون

شفقنا العراق-المنطق: “هو آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ” هكذا عرفه الشيخ المظفر ره.

  في كتاب المنطق تجد الدلالة ومباحث الالفاظ والقياس والاشكال والعكوس والمقدمات التي تقود الى النتائج وفيه ان اغلب الناس منطقيون بالفطرة، ولكن  ماذا عمن يسوق المقدمات لنتائج جاهزة ويبحث بدوافع خبيثة عما يثبت به الاباطيل والمفتريات.

  افتراضات وخيالات يقرن بعضها ببعض بصلة موهومة ليستخلص منها نتائج مضلة بدافع العداء لأهل الحق.

  لن تجد صفة او تعريفا لمثل هذا المنطق المنكوس، المقلوب، المعقوف اقرب من كلمة “السفسطة” التي يمتهنها “السفسطائيون”.

 السفسطة :

   “هي قياس مركب من الوهميات الغرض منه إفحام الخصم أو إسكاته.

   والسفسطة في المعجم الوسيط تعني الحكمة المموّهة.

   والسفسطة هي أيضاً التلاعب بالألفاظ لطمس الحقائق .

   والسفسطة عبارة عن محاجَجة تبدو وكأنها موافقة للمنطق، لكنها تصل في النهاية إلى استنتاج غير مقبول، سواء لتعذُّره، أو لاستعماله الإرادي المغلوط لقواعد الاستنتاج، وبالتالي فإنه يمكن اعتبارها قولاً مموَّهًا، أو قياسًا له شكل صحيح، لكن نتيجته باطلة، والقصد منه تضليل الآخرين ..

 لقد كان السفسطائيون سادة فنِّ الكلام وبالتالي ومن هذا المنطلق كانوا وقتذاك قادرين على بيع خطبهم حول أيِّ موضوع بأثمان غالية، حتى وإن كانت تلك الخطب تتعلق بمواضيع متناقضة”

“السفسطة .. تعني الحكمة المموهة”

 قال السفسطائيون: ان مسؤولية الحريصين على المرجعية الدينية والذين يعرفون قيمة السيد السيستاني ودوره ومقامه ومنزلته العالية هي: التأكيد على ضرورة بحث آلية العلاقة بين المرجع الأعلى وبين الأمة، وتقليص هيمنة السيد الابن على شؤون المرجعية وحصاره لمواقفها.

  اذن خلاصة المدعى: ان السيد محمد رضا السيستاني يهيمن على شؤون المرجعية ويحاصر مواقفها .

  كيف توصلوا إلى هذه النتيجة؟ او قل ماهي المقدمات التي حاولوا الربط بينها لتبرير هذه النتيجة الجاهزة؟

  كانت مقدمات السفسطائيين كالآتي :

– ان المرجع الاعلى في لقائه لممثلة الامم المتحدة قد رفض التواجد العسكري الامريكي في العراق .

– كان من المتوقع ان تتناول خطبة الجمعة 2019/2/8 موقف السيد المرجع .

– ان السيد محمد رضا هو من يكتب خطبة الجمعة.

– ان السيد محمد رضا هو من اختار السيد عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء وهو من منع خطيبي الجمعة من توجيه اي كلام نقدي له منذ ترشيحه، وهو من اغفل في خطب الجمعة عدم انطباق شروط المرجعية على المتولي لرئاسة الوزراء.

– وبما ان التعرض لموقف السيد المرجع – من التواجد العسكري الامريكي – فيه ادانة لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي لانه سمح بزيادة القواعد الامريكية .

– وكذلك لان السيد محمد رضا يحذر من إثارة التحفظات الأميركية ويبتعد عن إزعاج الجانب الأميركي .. وكثيراً ما يلتقيه وجهاء من شيعة العالم يستغربون السكوت على جرائم السعودية وأميركا في اليمن والبحرين..

  النتيجة التي توصل اليها السفسطائيون هي:

– ان السيد محمد رضا حجب في الخطبة موقف السيد المرجع من التواجد العسكري الامريكي .

– اذن فهو يحاصر مواقف المرجع الاعلى ويهيمن على شؤون المرجعية الدينية.

  قبل الاجابة عن المقدمات والنتيجة لنطرح سؤالا بسيطاً :

 س: ما موقف السيد المرجع من التواجد العسكري الامريكي ؟

  ج: قال السيد المرجع في لقائه ممثلة الامم المتحدة : ” ان العراق يطمح الى ان تكون له علاقات طيبة ومتوازنة مع جميع دول الجوار وسائر الحكومات المُحِبّة للسلام على اساس المصالح المشتركة من دون التدخل في شؤونه الداخلية او المساس بسيادته واستقلاله، كما انه يرفض أن يكون محطة لتوجيه الأذى لأي بلد آخر “

 اذن هل كان موقف السيد المرجع محجوبا ؟! محاصرا ؟! مخفيا ؟!

 بالطبع كلا !! فقد صدحت به الانباء والا كيف وصل الينا ! وفي هذا كفاية في الرد وبطلان دعوى المدعي.

 لنرجع الى مقدمات السفسطائيين :

اولا: (ان السيد المرجع في لقائه ممثلة الامم المتحدة رفض التواجد العسكري الامريكي في العراق)

  وهو صحيح فبالطبع ومن البديهي ان يرفض السيد المرجع التواجد العسكري الأمريكي في العراق.

  قال دام ظله: ” ان الافتاء بوجوب الانتخابات الاولى كان مقدمة لخروج المحتل الذي لم يكن ليخرج الا بوجود حكومة شرعية ..”

  هذا هو موقف السيد المرجع، ولكن ماذا عن الاصرار وتكرار عبارة: ” ان المرجع الاعلى يرفض التواجد العسكري الامريكي ” ؟ وهل هي مطابقة تماما لعبارة: ” انه يرفض ان يكون -العراق- محطة لتوجيه الاذى لأي بلد اخر “

” السفسطة هي تلاعب بالالفاظ لطمس الحقائق “

ثم ان السيد المرجع قد طرح في لقائه نقاط مهمة عديدة منها:

– ان امام الحكومة العراقية الجديدة مهام كبيرة وينبغي ان تظهر ملامح التقدم والنجاح في عملها في وقت قريب وبالخصوص في ملف مكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة ..

– هناك حاجة ماسة الى اعادة إعمار المناطق المتضررة بالحرب وارجاع النازحين اليها ..

– اهمية الالتزام العملي من قبل الجميع بمقتضيات السلم الاهلي والتماسك المجتمعي…

– ضرورة تطبيق القانون على جميع المواطنين والمقيمين بلا استثناء وحصر السلاح بيد الحكومة والوقوف بوجه التصرفات الخارجة عن القانون ..

  فإذن لماذا التركيز والتركيز فقط على نقطة واحدة وهي رفض التواجد العسكري الامريكي واخراجها بهذه الصياغة المخالفة للالفاظ الموضوعة لها والادعاء بأن السيد محمد رضا حجب موقف السيد المرجع لان فيه تعريض وادانة لموقف السيد رئيس الوزراء ؟! مالهدف؟ مالغاية؟

ثانيا: (كان من المتوقع ان تتناول خطبة الجمعة في 2019/2/8 موقف السيد المرجع من التواجد العسكري الامريكي)

 وهل على خطيب الجمعة ان يتناول كل ما هو متوقع او يرضي هوى كل ذي هوى.

   بالاضافة الى ذلك فقد تناولت خطب الجمعة مضمون ماجاء في اللقاء مرارا وتكراراً فهل وجدت لها اذن صاغية، ان جميع ما جاء في اللقاء كان تأكيدا وتركيزا لمجموعة من متبنيات ومواقف المرجعية الدينية ولم تخف منها خافية.

  ثالثاً: (ان السيد محمد رضا هو من يكتب الخطبة)

  وهذا من المدعيات عليه ومما لاشاهد عليه الا “القيل”، وهب انه يكتبها فلعل المرجع الاعلى املاها عليه فما الدليل انها من بنيات افكاره او انها دون علم السيد المرجع او انها مخالفة لرؤاه  ” إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ “.

  قال السيد احمد الصافي: ” إن فحوى الخطبة الثانية لصلاة الجمعة يكون على نحوين، تارة هناك نص يكتب بيد سماحة السيد السيستاني وذلك لخطورة القضية، وتارة هناك خطوط عريضة..

  ان الخطبة الثانية عموما لابد من الاستئذان فيها من سماحة السيد، أو يبادر هو بأن يقدم هذا النص ..ان فتوى الجهاد الكفائي كانت بنص السيد السيستاني وكذلك خطبة النصر، والخطبة المتعلقة باحداث كردستان، وأيضا الخطبة المتعلقة بالاصلاحات الادارية”.

  اذن الخطبة تكتب بيد السيد المرجع بحسب خطورة القضية ولابد من استأذانه في مضمون الخطب الاعتيادية، وإذن كل مايطرح في خطبة الجمعة فهو بعلم واذن المرجع الاعلى.

رابعاً: (ان السيد محمد رضا هو من اختار عادل عبد المهدي ومنع خطيبي الجمعة من توجيه اي كلام نقدي له منذ ترشيحه، وهو من اغفل في خطب الجمعة عدم انطباق شروط المرجعية على المتولي لرئاسة الوزراء)

  ان المتابع لمخاض ترشيح واختيار رئيس الوزراء وتجاذبات قضية الكتلة الاكبر ومن رشح وأيد السيد عادل عبد المهدي وسعى في توليه الوزارة يعلم بطلان هذه الدعوة ومن قبل دعوى اختيار السيد محمد رضا لأياد علاوي مثلا .. او دعوى التآمر على السيد الجعفري او المالكي مثلا اخر.

  ثم عن من تم اغفال عدم انطباق الشروط على عادل عبد المهدي ؟!

  عن المرجع الاعلى مثلاً ؟!

  وهل يستقي السيد المرجع اخباره من الخطبة التي يستأذنه الخطيب بمضمونها ؟ ام انه لم يعلم بأن من تولى رئاسة الوزارة لاتنطبق عليه الشروط ؟!!

  وعرضا هل نستطيع ان نقف على الموقف الحقيقي للسيد المرجع من تولي السيد عادل عبد المهدي رئاسة الوزراء ؟

  صرح بعض الكذابة ان السيد المرجع يرفض ترشيح فلان وفلان … فما كان لمكتب السيد المرجع الا ان اصدر بيانا اوضح فيه:

 ” إنّ هذا الخبر غير دقيق فان ترشيح رئيس مجلس الوزراء انما هو من صلاحيات الكتلة الاكبر بموجب الدستور وليس للآخرين رفض مرشحها، ومن هنا فان التعبير بالرفض لم يصدر من المرجعية الدينية، كما انها لم تسم اشخاصاً معينين لأي طرف بخصوصه، وانما ذكرت لمختلف الاطراف.. انها لا تؤيد رئيس الوزراء القادم اذا اختير من السياسيين الذين كانوا في السلطة في السنوات الماضية بلا فرق بين الحزبيين منهم والمستقلين، … فان تمّ اختيار وجه جديد يعرف بالكفاءة والنزاهة والشجاعة والحزم والتزم بالنقاط التي طرحت في خطبة الجمعة ١٣/ذي القعدة الموافق ٧/٢٧ كان بالامكان التواصل معه وتقديم النصح له فيما يتعلق بمصالح البلد والا استمرت المرجعية على نهجها في مقاطعة المسؤولين الحكوميين، كما انها ستبقى صوتاً للمحرومين تدافع عن حقوقهم وفق ما يتيسر لها”.

والذي افهمه من هذا السياق ان المرجعية لم تصرح بالرفض لاشخاص بأسمائهم بل انها لا تؤيد من كان في السلطة لأسباب، ومن السياق أيضاً احتمل ان معنى التأييد الذي يقصده السيد المرجع هو: “امكانية التواصل معه -اذا التزم بالنقاط التي طرحت .. –  وتقديم النصح له فيما يخص امور البلد والا استمرت المرجعية على نهجها من مقاطعة المسؤولين “

  اذن لم يكن هناك تصريح برفض الاسماء المرشحة.

  ولم يكن هناك تأييد لترشيح من كان في السلطة.

  ولكن هل كل ما اراده السيد المرجع تم تنفيذه وهل تم الالتزام بنصائحه ؟ كلا .

 “ولكن ومثلما يعلم الجميع لم تجر الامور كما تمنتها المرجعية الدينية وسعت اليها ..” -خطبة الاصلاح-

والذي اظنه ان السيد المرجع قد تعامل بحسب الواقع المفروض -نسبياً-لكن لا يعني هذا انفلات زمام الامور، ودليله استمرار المقاطعة.

  قال السيد المرجع : ” ان امام الحكومة العراقية الجديدة مهام كبيرة وينبغي ان تظهر ملامح التقدم والنجاح في عملها في وقت قريب وبالخصوص في ملف مكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة ..”

 اي انه ينتظر ويراقب ملامح التقدم والنجاح ..

 لقد رفض المرجع الاعلى طلبات من الرئاسات الثلاث للقاء به وحدد شرطين لانهاء قطيعته مع السياسيين:

الأول: تحقيق تقدم على المستوى الخدمي يحظى برضى الشعب.

الثاني: إنجاز خطوات جدية في مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين .

خامساً: (ان السيد محمد رضا يحذر من إثارة التحفظات الأميركية ويبتعد عن إزعاج الجانب الأميركي .. وكثيراً ما يلتقيه وجهاء من شيعة العالم يستغربون السكوت على جرائم السعودية وأميركا في اليمن والبحرين)

   ان هذا النقد الموجه لسماحة السيد محمد رضا هو بذاته كان موجها لسماحة السيد المرجع من السفسطائيين انفسهم، ولكن بعد دعوى التنزيه للمرجع الاعلى كان لابد من الالتفاف وتوجيه النقد للسيد الابن لترسيخ مفهوم  مخالفته لنهج السيد المرجع.

  قد يتوقف المرجع عن بعض القضايا فلا يمكن لأحد ان يملي عليه او ان يجبره على التصريح بما قد يكون مخالفا للمصلحة التي يقدرها هو بحكمته، ولو صدق من ادعى الحرص على المرجعية الدينية ومقام السيد السيستاني وعلو منزلته ومكانته ومنها حكمته لما اتهموه بأنه يقبع تحت هيمنة الابن.

  الامر الاخر الذي ينبغي الانصاف فيه هو مدى صحة موضوع سماح السيد عادل عبد المهدي بزيادة القواعد الامريكية في العراق فمن السهولة الصاق التهم بالعلماء وابناء العلماء فكيف بمن هو في معرض التهمة.

   قال الخبير العسكري والاستراتيجي مؤيد الجحيشي: “لا يتحمل رئيس الوزراء العراقي الحالي مسؤولية إنشاء قواعد أمريكية في العراق، فهو لم يوقع على أي اتفاقية تخص هذا الوجود، وإنما التوقيع تم في زمن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وكذلك في زمن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، مع العلم أن الأخيرين تبادلا الاتهامات حول من سمح بإنشاء تلك القواعد .. أن من أعاد الأمريكان إلى العراق هي حكومة السيد المالكي، عندما غزا تنظيم “داعش” المدن العراقية ووصل إلى تخوم بغداد،.. وهذا التدخل تم وفق شروط وقع عليها السيد المالكي.

أما من وقع على إنشاء قواعد ثابتة في العراق، فهي حكومة السيد العبادي”-انتهى-

   لايمكنني الجزم بصحة مايقوله شاهد النفي -الخبير- ولكني امام قول عهدته على قائله ولما يحضر شاهد الاثبات.

هل نستطيع استنباط الغاية الرئيسة والهدف الاساس الذي يدور في فلكه السفسطائيون؟

  اعتقد ان خطبة الاصلاح وما توعد به المرجع الاعلى اذ قال: ” وسيكون للمشهد وجه اخر ” كانت نهاية المطاف لبدأ الحرب الاعلامية المباشرة ضد مرجعية السيد السيستاني والتي بدأت بضرب الخطوط الاولى ومنها سماحة اية الله السيد محمد رضا ” دام عزه”

خلاصة السفسطة:

  • ان السيد المرجع يرفض التواجد العسكري الامريكي، وبما ان خطبة الجمعة لم تتعرض لهذا الموقف، ولان من يكتبها هو السيد محمد رضا، فهو بذلك يريد حجب موقف المرجع الاعلى، لان التعرض لهذا الموقف فيه ادانة لرئيس الوزراء، لانه سمح بزيادة القواعد الامريكية في العراق.

 خلاصة المنطق:

■ ان موقف المرجع الاعلى من التواجد العسكري الامريكي معروف وغير خفي او محاصر وكذا وموقفه من رئيس الوزراء والسياسيين وعلامته استمرار المقاطعة وان خطبة الجمعة تكتب بيد السيد المرجع بحسب الضرورة ويستأذن في مضمونها ان كانت اعتيادية ولايشترط ان تتناول الخطبة مواقف معينة ولا علاقة للسيد محمد رضا بمنع التعرض لمواقف معينة ﻷغراض افترضها السفسطائيون كذبا وافتراء ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ “

حفظ الله اية الله السيد محمد رضا السيستاني البر التقي النقي الثقة العدل العالم العامل المجاهد “دامت بركاته”.

فطرس الموسوي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————-

www.iraq.shafaqna.com/ انتها