نشر : February 22 ,2019 | Time : 11:41 | ID 141558 |

قلق إيراني من زيارة ابن سلمان لباكستان.. كيف انقلب عمران خان ضدها وتوجه للرياض؟ هل هو المال فعلا؟

شفقنا العراق-عامِلان رئيسيّان يقِفان وراء حالة التّوتّر المُتصاعِدة هذه الأيّام في العلاقات السعوديّة الإيرانيّة، التي يُمكِن أن تتطوّر إلى أعمال عسكريّة انتقاميّة، من الجانب الإيرانيّ تحديدًا:

    الأوّل: التّفجير الانتحاريّ الذي استهدف حافلة عسكريّة تابعة للحرس الثوري الإيرانيّ في مدينة زاهداف جنوب شرق إيران، قُرب الحُدود الباكستانيّة الأُسبوع الماضي وراح ضحيّته 27 عُنصرًا من الحرس الثوريّ.

    الثّاني: الزيارة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان، وليّ العهد السعوديّ إلى باكستان، ونجاحها في إحياء العلاقات الاستراتيجيّة، والتّنسيق الأمنيّ والعسكريّ بين البَلدين على هامِشها، والاتّفاقات الصناعيّة والاستثماريّة التي جرى توقيعها وبلغت قيمتها عشرين مليار دولار تعهّدت السعوديّة بدفعها، وتفاهمات “سريّة” حول تعاونٍ نوويٍّ بين البلدين.

أكثر من مسؤولٍ عسكريٍّ إيرانيٍّ اتّهم المملكة العربيّة السعوديّة والباكستان بالوقوف خلف هذا الهُجوم الانتحاريّ الذي وصفه قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس، بأنّه كان مُؤلمًا جدًّا، ولذلك “فإنّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة ستثأر بالتّأكيد لدماء شُهدائها من العُملاء وستُهاجم هذه الزّمرة الخبيثة في أيّ نقطة كانت”، في إشارةٍ إلى كُل من باكستان والسعوديّة”.

***

وما يعكِس قلق إيران من هذا التّقارب الباكستانيّ السعوديّ الذي تَجسّد أثناء زيارة وليّ العهد السعوديّ لإسلام أباد تصريحات لمسؤولين عسكريين إيرانيين غير مَسبوقة على أعلى مُستوى:

    الأوّل: التّحذير الذي جاء على لِسان اللواء يحيى رحيم صفوي، المُستشار العسكريّ للمُرشد الإيرانيّ الأعلى، والرئيس السابق للحرس الثوري الذي وجهه للسلطات الباكستانيّة من التّعويل على السعوديّة، معتبرًا أن هذه الدولة لن تُعمّر طويلًا ومُستشهدًا في خِطابٍ ألقاه في أصفهان أثناء تشييع ضحايا التّفجير المذكور، بتقرير لـ16 معهدًا ومركزًا للأبحاث في أوروبا قال إنّه لن تكون هُناك دولة اسمها السعوديّة عام 2030، وستكون إيران أقوى دولة في المنطقة.

    الثّاني: اللوم والعتب الذي وجّهه الجنرال سليماني في حفل تأبين آخر في مدينة بابل بمحافظة مازندران إلى الحُكومة والشعب الباكستانيّ الذي قال فيه “إنّ باكستان كانت تعتبر إيران عُمقها الاستراتيجي”، وتابع قائلا “لقد أعلنا لقادة باكستان مرارًا دعمنا مكانة بلدهم ودورها في المنطقة، والسّؤال المُوجّه لها بعد دعم الذين يقِفون خلف الهُجوم الانتحاريّ الأخير المدعوم سعوديًّا: أين تتّجهون؟”، واختتم تصريحه بالقول “إنّ دولة قامت بتقطيع أحد رعاياها إرَبًا تُريد اليوم بمالها توريط باكستان مع جيرانها”.

الرّد الإيرانيّ على هذا التّنسيق السعوديّ الباكستانيّ تمثّل في أمرين: الأوّل الكشف عن غوّاصة حامِلة للصواريخ الباليستيّة من النّوع المُتوسّط في ميناء بندر عباس، والإعلان عن إطلاق مُناورات بحريّة غدًا الجمعة لمُدّة ثلاثة أيّام في مضيق هرمز، وبحر عُمان، وشمال المحيط الهنديّ في منطقة مساحتها مِليونيّ كم مُربّع.

أكثر ما تخشاه القيادة الإيرانيّة أن تسعى السعوديّة في شخص الأمير محمد بن سلمان إلى إقامة حلفٍ عسكريّ باكستانيّ سعوديّ يُحاصرها من الجنوب الشرقيّ (باكستان)، ومن الغرب (السعوديّة والإمارات والبحرين)، ودعم الجماعات العرقيّة والطائفيّة داخل إيران وتحريضها على القِيام بأعمال عنف وإرهاب تُزعزِع استقرارها الدّاخليّ في المرحلةِ المُقبلة.

الأمير بن سلمان كشف عن هذا المُخطّط في مقابلة مع الزميل داوود الشريان على شاشة “إم بي سي” قبل عامين تقريبًا، عندما قال إنّ السعوديّة لن تنتظر إيران حتى تأتي إليها، وتشُن حربًا عليها، بل ستقوم بنقل هذه الحرب إلى العُمق الإيرانيّ مُلمِّحًا إلى تثوير الحركات الانفصاليّة العِرقيّة (العربيّة والبلوشيّة والأذريّة والكرديّة) التي تُشكّل في مجموعها نِصف الشّعب الإيرانيّ.

عمران خان، رئيس الوزراء الباكستانيّ، أعلن عندما تولّى منصبه الجديد بحرصه على إقامة علاقات استراتيجيّة مع إيران، وأكّد أنّ طِهران هي العاصِمة الأُولى التي سيزورها وليس الرياض، ويبدو أنّ هذه التّصريحات كان الهدف منها “استفزاز” السعوديّة لتقديم مُساعدات ماليّة أكبر لإنقاذ الاقتصاد الباكستانيّ المُنهار لأسبابٍ عديدة، أبرزها الفساد، ووقف مليارين من المُساعدات السنويّة الأمريكيّة بحُجّة عدم مُكافحة باكستان الإرهاب بالقَدر الكافي، ويبدو أن خُطّته حقّقت أغراضها، ولكن هذا “التحوّل” قد لا يكون خاليًا من المخاطر، وانقِلابٍ مُضاد في مواقِف السيد عمران غير مُستَبعد، إذا وضعنا في الاعتبار أنّ 25 بالمِئة من الجيش والشعب الباكستانيّ من أبناء الطائفة الشيعيّة.

***

رصد الأمير بن سلمان 20 مليار دولار دعمًا اقتصاديًّا لباكستان أثناء زيارته هذه، ولهذا جاءت إشارة أكثر من مسؤول إيراني إلى دور المال السعوديّ في استمالة إسلام أباد، والسيد خان لم ينفِ ذلك، وقال على هامِش مُشاركته في قمة دافوس الصّحراء للاستثمار أواخِر العام الماضي، إنّه يأسَف لمقتل الصحافي خاشقجي، ولكنّه يسعى إلى المال لإنقاذِ اقتصاد بلاده.

إذا تأكّد بأنّ هُناك دورًا للسعوديّة وباكستان في عمليّة زاهدان الانتحاريّة، ودعم الجماعات “السنيّة” الانفصاليّة البلوشيّة، فإنّ هذا قد يُؤدّي إلى تصعيدٍ عسكريٍّ، وربّما انتقامٍ إيرانيٍّ، والسّؤال هو عن الرّد المُنتظر من قبل السيد عمران خان على هذه التّحذيرات من الجار الإيرانيّ، ومدى عُمق تنسيقه مع السعوديّة في حِصار إيران وتصدير أعمال العُنف والإرهاب إلى داخِلها؟

قائد الحرس الثوريّ الجنرال محمد علي الجعفري طالب الرئيس حسن روحاني، ومجلس الأمن القوميّ الإيرانيّ بإعطائه الضّوء الأخضر للثّأر وتنفيذ عمليّات انتقاميّة لضحايا التّفجير المذكور، فهل سيتم تلبية طلبه، وأين سيكون الانتِقام في هذه الحالة وكيف؟ وماذا يُمكِن أن يترتّب عليه من تَبِعات؟

التّصعيد الإيرانيّ السعوديُ دخل دائِرةً خَطِرةً جدًّا، في تزامنٍ مع مُؤتمر وارسو الذي شاركت فيه السعوديّة ودول خليجيّة، وبدعمٍ أمريكيّ إسرائيليّ، اعتبر إيران مصدر التّهديد الأساسيّ لأمن واستِقرار وسلام منطقة الشرق الأوسط.. فهل ستكون جولة الأمير بن سلمان الآسيويّة، ومحطّتها الأهم إسلام أباد، هدفها التّحضير لحربِ استنزافِ إيران وحِصارها.. اللهُ أعلم.

عبد الباري عطوان/رأي اليوم

www.iraq.shafaqna.com/ انتها