نشر : February 20 ,2019 | Time : 12:44 | ID 141374 |

الشيخ جرادي لـ “شفقنا”: لا أفق ديني وشرعي للزواج المدني بصيغته المطروحة حاليا

خاص شفقنا- بيروت-طُرح موضوع الزواج المدني في لبنان، للمرة الاولى عام 1951، وبعد 47 عاماً فاجأ الرئيس الراحل الياس الهراوي اللبنانيين باثارة موضوع الزواج المدني مجدداً وعرضه على مجلس الوزراء ونال الاغلبية، لكن الرئيس الراحل الشهيد رفيق الحريري رفض التوقيع على القرار نزولا عند رغبة رجال الدين من كل الطوائف، وتمكن من اسقاطه بدعم من المرجعيات الروحية التي اعلنت موقفاً موحداً ضد المشروع حتى ولو كان اختيارياً، وبمجرد طرح الموضوع مؤخراً من قبل وزير الداخلية ريا الحسن حتى تعالت الاصوات الرافضة وامتدت الانقسامات الى داخل الصف الواحد والطائفة الواحدة، حيث صدرت مواقف معارضة من بكركي ودار الفتوى والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ومشيخة عقل الطائفة الدرزية، واضطر الرئيس الحريري الى التراجع وكذلك الوزير ريا الحسن، وتراجع النقاش بالملف واعيد الى الادراج.

وفي هذا السياق، وخلال لقاء حواري نظمه “معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية”، اعتبر مدير المعهد الشيخ شفيق جرادي ان الزواج المدني فضلا عن انه يخالف أحكام الشريعة في بعض أوجهه هو أيضا يمكن أن يعرض الاسرة والعائلة إلى الكثير من الهزات، مشيرا إلى أنه لا يسعى إلى إيقاف مشروع الزواج المدني لأنه مطمئن بأن هذا المشروع مصيره سيكون كالمحاولات السابقة التي فشلت ولعل أبرزها ما حصل في حقبة الرئيس السابق إلياس الهراوي إضافة إلى يقينه بأن أعمدة الطوائف الدينية الاخرى أكدوا معارضتهم لهذا الزواج.

أزمات المحاكم الشرعية ليست مبررا للانتقال الى المحاكم المدنية

ولفت الشيخ جرادي إلى أن هناك الكثير من المشكلات التي تعصف بالمحاكم الشرعية ولعلها من الأسباب التي حفزت بعض الناس إلى تبني طرح الزواج المدني، مؤكدا ضرورة مواجهة ما يحصل داخل هذه المحاكم وتحسين أوضاعها، لافتا الى ان أزمات هذه المحاكم ليست مبررا للانتقال الى المحاكم المدنية ويجب علينا ان نقاتل لاصلاح شأنها مؤكدا بأن الموضوع الديني ليس مقفلا بل هو مفتوح على جملة من الاقتراحات لإيجاد حلول في كثير من الشؤون المجتمعية.

ودعا الشيخ جرادي إلى ضرورة أن يحصل حوار جدي على المستوى الوطني في لبنان وأن يكون هذا الحوار شاملا لكل الشرائح، مؤكدا أن من أحد الحوارات الجدية التي يجب أن تحصل هو الحوار ما بين المتدينين والعلمانيين بمختلف مراتبهم ووظائفهم، مشيرا إلى استعداده الشخصي للحوار مع الاتجاه الآخر وهو العلماني.

ونوه الشيخ جرادي إلى أن موضوع الزواج عند جميع الطوائف وخصوصا الشيعة مبني أصلا على الصيغة المدنية، فهو عبارة عن إتفاق بين طرفين راشدين، والصيغة الموجودة ليست أمرا لا يمكن دخوله الا عبر رجال الدين، لذلك لا يمكن لأحد ان يزايد علينا بأن يقول الصيغة التي لدينا هي صيغة مدنية وما لديكم هو ليس بمدني.

وتابع الشيخ جرادي: لا ينبغي أن نجتمع فقط من أجل الوحدة الإسلامية والحوار الإسلامي-المسيحي بل أيضا علينا أن نجتمع لكي نرى كيف يمكن أن نوظف القيم الدينية لإيجاد صيغ تعالج المشكلات الموجودة في هذا البلد، خصوصا وأن كل الأطراف حاليا تتدخل الآن وتؤيد عملية محاربة الفساد.

كيف ننظر نحن كمسلمين إلى موضوع الزواج؟

يرى الشيخ جرادي ان الزواج في الاسلام ليس محصورا فقط في العلاقة الجنسية، بل هو تأسيس لعلاقة مبنية على قواعد الرحمة تتضمن طابع من القدسية في الاعتبار المبني عليه كل النظام الاسلامي الذي ركنه الاسرة والتي تبدأ من لحظة الموافقة والقبول بين الفتاة والشاب، مؤكدا أن أي تضعضع في هذا البعد الذي يحمل طابعا دينيا يعني نقد لطبيعة الاسرة المسلمة والمقاصد الالهية في بنائها.

وأعطى الشيخ جرادي مثالا حول التعقيد الذي يتضمنه نظام الزواج المدني مشيرا إلى أنه في الدين يمكن للرجل ان يتزوج 4 مرات وهذا ما لا يمكن ان يفعله في الزواج المدني، في هذه الحالة ما الذي سيفعله؟ ان تزوج مرة ثانية فهو لم يخالف الدين بل خالف القانون المدني الذي سيبطل هذا الزواج، وهنا هو أمام خيارين إما ان يلتزم بالحكم الشرعي ويبقى متزوجا وبالتالي أن يخالف ما كان يطالب به بالمحكمة المدنية أو أن يخضع للمحكمة المدنية التي تبطل زواجه وهذا غير شرعي ويكون قد ارتكب حراما.

كما دعا جرادي دعاة الزواج المدني الى أن يكونوا صريحين في طروحاتهم وواضحين فيما ما يريدونه لنتناقش بالقوانين التي يريدون أن ينصوها فيما بعد، مؤكدا أنه يمكننا من خلال هذا الوضوح أن نصل إلى حلول قد تجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام في المستقبل.

لا افق ديني وشرعي للزواج المدني بصيغته المطروحة حاليا

وتابع: هذا البلد بلد علماني بامتياز فالدستور لا يقوم على شريعة والبعد الوحيد الذي يمكن للدين الحضور فيه هو القسم المرتبط بالاحوال الشخصية، والقضاء على هذا القسم سيعتبره كل معني بالشأن الديني انتقال البلد الى مرحلة العلمانية الاقصائية الذي لا نعرف إلى أين يمكن أن تصل فيه الامور.

ولفت الشيخ جرادي إلى أن المتدينين والجماعات أو المرجعيات الدينية لن يصبحوا بيوم من الايام رؤساء حكومات ومجالس نيابية وأصحاب شأن سياسي، وحضورهم في إطار الدولة يتمثل في قسم الأحوال الشخصية، مؤكدا أن محاولة ضرب أو تقويض أو منع هذا الحضور ستعتبره المكونات الدينية إلغاء لكل ما يعتقدون به وهذه أزمة كبيرة قد تشعل هذا البلد.

وختم جرادي متمنيا أن لا يفسد الخلاف في الود قضية بيننا وبين العلمانيين ومطلبهم حصرا الزواج المدني، مؤكدا أنه لا يمكن إيجاد افق ديني وشرعي لهذا النوع من الزواج بصيغته المطروحة حاليا. وأضاف: ما نريده هو أن نخلق من هذه المشكلة فرصة لإطلاق حوارحقيقي على مستوى هذا البلد بين كل الاطراف السويين، لإيجاد نقاش فعلي نجتمع فيه تحت سقف وطني واحد في هذا الملف وفي كل الملفات، عنوانه الوحيد كيف نواجه الفساد الموجود في الدولة.

مهدي سعادي

www.iraq.shafaqna.com/ انتها