نشر : February 8 ,2019 | Time : 11:08 | ID 140259 |

حين اجتاحت «أساطيل الانتقام» البرتغالي قلب العالم الإسلامي

شفقنا العراق- قبل أن تسقط الأندلس بنحو نصف قرنٍ من الزمان، كانت جيوش السُلطان العثماني محمد الفاتح تصنع أبرز أمجاد المُسلمين عام 1453 ميلاديًا، حين أسقط قسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وأمر بتحويل أعظم كنائسها (آيا صوفيا) إلى مسجد، نجح العثمانيون أخيرًا في إسقاط العاصمة التي كانت قلب المسيحية في أوروبا لأكثر من 11 قرنًا، ولم تُفلح حينها دعوات البابا لتجهيز حملة صليبية لاستعادة إسطنبول، فملوك أوروبا استسلموا لإيمانهم باستحالة هزيمة العُثمانيين.

على جانبٍ آخر، لم تكن المشكلة وحدها في الزحف الإسلامي الذي أوشك أن يبتلع الرقعة الجغرافية للعالم القديم من تخومِ الصينِ إلى شواطئ إسبانيا، لكن الخطر الحقيقي تمثل في أن طرق التجارة البرية والبحرية العالمية كانت تحت رحمة المسلمين بحكم امتدادهم في آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهي القوة التي مثّلت وقتها إحدى الضرورات الحتمية للتقدم، لذا حين فشل الأوروبيون في ضرب المسلمين شرقًا، لم يجدوا سبيلًا سوى خوض حروب الاسترداد غربًا حتى أسقطوا الأندلس وكسروا الحصار الجغرافي المفروض عليهم.

ثم شرع البرتغاليون بعدها بالبحث عن طرق تجارية جديدة عبر الرحلات الاستكشافية، والتي انتهت باحتكار المحيط الهندي واحتلال الخليج العربي لقرنٍ ونصف، قبل التفكير في عدة محاولات لغزو مكة، ونبش قبر النبي محمد بهدف مقاضاة المُسلمين بالقدس. تشرح السطور التالية كيف قاد الانتقام الديني والدافع الاقتصادي الإمبراطورية البرتغالية للوصول إلى قلب العالم الإسلامي.

«القسطنطينة» مقابل «الأندلس»

كانت شبه الجزيرة الأيبيرية -إسبانيا والبرتغال- قطعةً تابعة لمملكة القوط الغربيين طيلة ثلاثة قرون بدءًا من القرن الخامس الميلادي بعد انفصالها عن الإمبراطورية الرومانية، وطيلة فترات حُكمهم تعرض السكان إلى الاستبداد والتعذيب على يد أبناء ديانتهم، لذا حين وطأ الجيش العربي الذي كان قوامه 7 آلاف جندي أرض الجزيرة بقيادة طارق بن زياد عام 711 ميلاديًا لاقى دعمًا كبيرًا من سكانها الأصليين، بحسب ما ذكرته المراجع الإسلامية عن تلك الفترة.

أطلق المسلمون على تلك البلاد لقب «الأندلس» التي أصبحت ولاية تابعة للخلافة الإسلامية، واستمر الجيش في فتوحاته شمالًا حتى وصل إلى حدود إيطاليا وتوغل في جنوب فرنسا وغرب سويسرا، إلا أنّ الهزيمة التي لحقت بالجنود في معركة «بلاط الشهداء» عام 732 ميلاديًا، اعتبرها المسيحيون هبة من الله لإنقاذ أوروبا، وبعد ثلاثة قرون من الفتح الإسلامي بدأت حروب الاسترداد التي قام بها القوط الهاربون لانتزاع أرض أجدادهم، حيث نجحوا في تكوين ثلاث ممالك مسيحية في الشمال (أرجون ونافار وليون)، ومثلت لاحقًا «رأس الحربة» التي أسقطت الأندلس عام 1492 ميلاديًا.

الخطر الحقيقي بدأ بظهور مملكة قشتالة عام 970 ميلاديًا والتي ضمت «ليون» إليها، لكنّ النفوذ الأكبر كان لمملكة قشتالة التي تزامن صعودها مع بدء انحسار نفوذه المسلمين في الجزيرة عقب سقوط الخلافة الأموية في الأندلس عام 1031 ميلاديًا، لتنقسم الدولة بعدها إلى 22 مملكة متصارعة في عهد ملوك الطوائف، وكان من بينهم مملكة لشبونة (البرتغال) التي تأسست عام 1139 في أواخر حُكم المُرابطين للأندلس.

بدأ عهد غروب الأندلس في عهد ألفونسو السادس ملك قشتالة الذي فرض الجزية على ملوك الطوائف، ثم حرّك جيوشه نحو طُليطلة فأسقطها وجعلها عاصمة مملكته، ثم اتجه إلى لشبونة وضمّها لأملاكه، ثم أراد العاصمة قُرطبة وكاد يصلها لولا وصول دولة المرابطين في المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين الذي أخّر سقوط الأندلس أربعة قرون.

اتحدت المالك المسيحية (أراجون وقشتالة وليون والبرتغال) واستطاعوا إرجاع المدن الأيبيرية الواحدة تلو الأخرى، حتى احتمى المُسلمون بخيمتهم الأخيرة في غرناطة التي صمدت نحو قرنين ونصف، ثم سقطت عام 1492 بزوال دولة بني الأحمر.

يا من لذلَّةِ قومٍ بعدَ عزهِمُ  *** أحالَ حالهُمُ جـُورٌ وطُغيـانُ

بالأمسِ كانُوا مُـلُوكًا في منازلهِم *** واليـومَ هـم في بلادِ الكفـرِ عُبدانُ

لمثلِ هـذا يذوبُ القلبُ مِن كَمدٍ  *** إن كانَ في القَلـبِ إسلامٌ وإيمانُ

أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس

كان لسقوط الأندلس دوي مُفزع للممالك الإسلامية في المشرق، وعلى رأسها الدولة العثمانية، ولم يكن السبب دينيًا فقط لانهيار قصة ثمانية قرون من الوجود الإسلامي في جنة الغرب، بل إنّ الأمم المنتصرة قادت حملة بهدف اقتلاع جذور الإسلام وضربه في عقر داره وتحجيم أسباب نفوذه، فبينما توجهت أنظار الإسبان لتوسيع نفوذهم في شبه الجزيرة، اتجهت البرتغاليون للتوسع جنوبًا وراء البحار، والبحث عن طرق استكشافية جديدة للتحرر من طرق التجارة التي يُسيطر عليها العرب والمسلمون منذ قرون، ما يعني ضربهم في معاقل قوتهم، ومن هنا بدأت الحرب الاقتصادية.

الالتفاف حول الجنوب.. طريق البرتغاليين لغزو مكة

كان طريق التجارة العالمي في العالم القديم يبدأ من الصين، حيث طريق الحرير الممتد في قلب آسيا حتى انحراف أحد طرفيه شمالًا إلى البندقية في إيطاليا مرورًا بأراضي الدولة العثمانية، بينما الفرع الجنوبي يقطع شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وصولًا إلى مصر وشمال أفريقيا، وكان يقتسم الطريق قديمًا الإمبراطورية الفارسية والرومانية، إلا أنّ ظهور الإسلام وما أعقبه من فتوحات، أعطى للمسلمين اليد الطولى على هذا الطريق بالإضافة إلى سيطرتهم على البحر الأحمر والمتوسط، وإلى جانب احتكارهم الجغرافي، مارسوا لقرون دور الوساطة بين الشرق والغرب.

قاد البرتغاليون حركة الاستكشافات البحرية بحثًا عن طريق تجاري جديد في المحيط الهندي لأورويا ليس للمسلمين سُلطة عليه، وفي عام 1415، انطلقت أولى الحملات البحرية بقيادة هنري الملاح واستولت على ميناء سبتة في المغرب، ثم انطلق المستكشفون الأوروبيون بحثًا عن طريق تجاري من الجنوب يصلهم بالهند، وهو ما توصل له بارتولوميو دياز عام 1488، حين اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، قبل أن يعود، ليُكمل المسير من بعده فاسكو دا جاما الذي استعان ببحار عربي يُدعى ابن ماجد دلّه على إحداثيات دقيقة من البرتغال إلى الهند ذهابًا وإيابًا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، الذي يعد أهم اكتشاف أوروبي في تلك الفترة.

في عام 1503، انطلقت السفن العسكرية البرتغالية بقيادة الفونسو البوكيرك نحو الهند، واستطاع بناء قلعة عسكرية يكون هدفها منافسة التجار المسلمين والتضيق عليهم في التجارة، ولم تكد تمر ثلاث سنوات حتى خرجت حملة بقيادة الملك البرتغالي مكونة من 14 سفينة مزودة بالمدفعية، توجهت أولًا لاحتلال جزيرة سُقطرى اليمنية وبناء قلعة حصينة بها، ثم توجهوا لاحتلال عدن الواقعة على مشارف البحر الأحمر بهدف إغلاقه بوجه التجارة القادمة من الهند إلى البلاد العربية.

وفي عام 1507، انطلقت الحملة البرتغالية لهدفها الرئيس للتوغل داخل مياه الخليج العربي، وتذكر المراجع العربية أنّ ألبوكيرك لم يترك مدينة إلا وحرقها ودمرها، بداية من قلهات التي سُويّت بالأرض، ثم استمر في التمدد نحو مدن قريات ومسقط وصحار وخورفكان حتى وصل إلى خصب الرأس الغربي للخليج ثم أكمل الرحلة إلى هُرمز، وبذلك أغلق الخُليج تمامًا، وباتت شبه الجزيرة مُحاصرة من الجنوب.

وبعدما استولى على الصحون الرئيسية في الخليج العربي، أحرق كافة السُفن التجارية، ودمر الأسطول العربي البحري، وتمكنوا من الحفاظ على طريق بحري منتظم يربط بين لشبونة –عاصمة البرتغال- وبين الهند، دون أن يكون للمسلمين وصاية عليه، وخضع الخليج للاحتلال البرتغالي قُرابة قرنٍ من الزمان، وبعدما تحقق الهدف الاقتصادي للحرب، أراد ألبوكيرك غزو بلاد الحجاز لهدم الكعبة والاستيلاء على قبر النبي محمد ومقتنياته، -قام بالفعل بمحاولة فاشلة- بهدف مقايضة المسلمين به ببيت المقدس، وتسليم القدس، مستفيدًا من الفوضى السياسية التي ضربت البلاد العربية في تلك الفترة.

الخريطة السياسية للدول الإسلامية أثناء الغزو البرتغالي

تزامن التحرك البرتغالي لاحتلال الخليج العربي مع عدة أحداث داخلية ساهمت في خسارة المسلمين سيطرتهم على المحيط الهندي ومدنهم الخليجية الساحلية، ففي عام 1501 تأسست الدولة الصفوية في بلاد فارس ودخلت حروبًا طاحنة ضد الإمبراطورية العثمانية لنحو قرن من الزمان، وفي تلك الفترة شنّ العثمانيون حروبًا أخرى ضد المماليك في مصر لانتزاع الشام والحجاز من تحت أيديهم حتى أسقطوها عام 1517، وهو نفس تاريخ انهيار الخلافة العباسية على يد المغول الذين أغلقوا طريق الحرير نتيجة حروبهم، وهو ما أنعش التجارة البحرية العالمية التي سقطت في أيدي البرتغاليين.

والحروب الداخلية بين الصفويين والعثمانيين بدأت حين قام إسماعيل الصفوي المؤسس الأول للدولة الصفوية بإلغاء المذهب السُني بعد نحو 800 عام في إيران، واستبدله بالمذهب الشيعي وهو ما كان كافيًا للعثمانيين بإعلان الحرب عليهم، إضافة إلى سيطرتهم على العراق عام 1509 لتأمين حدود دولتهم، وعندما تولى السلطان سليم الأول الحُكم عام 151 شن حربًا مذهبية للقضاء على الدولة الصفوية، وفي خلال عامين قاد جيشه حتى وصل إلى تبريز، عاصمة الصفويين، وظل العراق مقسمًا بين طرفي الصراع حتى انتزعه العثمانيون عام 1535.

واللافت أن البرتغاليين استغلوا الصراع المذهبي بين الدولتين، فعقب الهزيمة الساحقة التي تعرض لها الصفويين في معركة «جالديران» عام 1514، بعث ألبوكيرك رسالة للشاه الصفوي يعرض عليه فيها ما يحتاجه من الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، كما حرّضه على مهاجمة مكة، وكانت نتيجة الرسالة أن أبرم البرتغاليون اتفاقًا مفادة باعتراف الشاه بالحماية البرتغالية على مضيق هرمز، بالإضافة لتقديم كافة المساعدات للبرتغاليين في حملتهم على البحرين –احتلوها 1521-، كما تم توحيد القوتين لمواجهة الدولة العثمانية.

لكن العداء الذي كان بين العثمانيين والمماليك لم يمنعهم من التحالف في حملة مشتركة ضمت سلطان بجادة المُسلم في الهند مع جمهورية البندقية الإيطالية، واندلعت معركة ديو البحرية عام 1508 التي تعتبر فاصلة في تاريخ الصراع، حيث حشد البرتغاليون 30 سفينة بحرية واجهت 20 سفينة للمسلمين، وانتهت المعركة بانتهاء سيطرة المسلمين على خطوط التجارة البحرية مع آسيا وبدأ عهد جديد من السيطرة الأوروبية بعدما نجح العالم المسيحي في الالتفاف على الخطوط الخلفية للعالم الإسلامي، وجعل المحيط الهندي قلب التجارة العالمية الجديد.

دفعت الهزيمة القاسية الدولة العثمانية في عهد السُلطان سليم الأول لحسم الصراع الداخلي مع أعدائها المُسلمين، فشنت حروبًا على المماليك حتى أسقطتهم عام 1517، وورثت أملاكها في مصر والشام، لتتنقل عاصمة الخلافة من القاهرة إلى إسطنبول، ثم سيطروا عام 1518 على الحجاز واليمن، وبهذا أعلن العثمانيون أن مياه الخليج والبحر الأحمر ضمن أملاك الدولة العثمانية، لكنّ البرتغاليون ظلوا يفرضون الضرائب على سكان الخليج ويحتكرون التجارة البحرية، لتبدأ المقاومة من الداخل.

أوان الرحيل.. كيف حررت عُمان الخليج العربي؟

في الوقت الذي كانت فيه الثروات تتدفق على لشبونة التي نجحت في تحويل مسار التجارة، شهد الخليج العربي فقرًا قاسيًا نتيجة تدمير تجارته، وضياع أسطوله، إضافة للضرائب التي أثقلته، كما أن البرتغاليين خدعوا الشاه الصفوي، ولم ينفذوا اتفاقهم بدعمه، لذا بدأت التحركات نحو الانتفاضة.

ففي عام 1521 شهدت كل من هرمز والبحرين ومسقط وقريات وصحار ثورات غاضبة ضد الحامية البرتغالية التي ردت بإحراق المدن والتصدي العنيف، وهي المحاولة التي أدرك الصفويون بها أنّ كافة معاركهم مع البرتغاليين خاسرة ما داموا لا يمتلكون أسطولًا بحريًّا قويًّا، لذا لجؤوا للبريطانيين في وقتٍ كانت فيه القوى الدولية ممثلة في بريطانيا وفرنسا وهولندا تحارب الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية، بهدف السيطرة على الطريق البحري للتجارة بين الشرق والغرب، وهو ما أدى لسقوط مملكة هرمز عام 1622، والتي مثلت بداية النهاية.

لعبت سلطنة عمان الدور الأخير في القصة بداية بإعلان استقلال إمارة صُحار عن مملكة هرمز قبل سقوطها، وفي عام 1624، استطاع ناصر بن مرشد من أسرة اليعاربة توحيد القبائل تحت إمرته مواجهًا نحو 13 زعامة قبلية ترى أنها الأحق بالإمامة، ثم توّجه بعدها لإعادة بناء أسطول بحري، تكون مهمته حماية البلاد من القواعد البرتغالية التي تنتشر في أطراف الخليج، وفي عام 1643 تمكن من تحرير صُحار نهائيًا، لتبقى بعض المدن المُحصنة وأبرزها العاصمة مسقط.

في عام 1649، تولى سلطان بن سيف اليعربي الإمامة خلفًا لابن عمه نصار بن مُرشد، وقاد المعركة الأهم في التاريخ العُماني بعد عامٍ من ولايته لإنهاء الوجود البرتغالي في مسقط، وبعدما خرج البرتغاليون من الخليج العربي بعد تواجد دامٍ نحو قرنٍ ونصف، قام الأسطول العُماني بمهاجمة قواعد البرتغاليين في سواحل الهند وأفريقيا.

 وتجدر الإشارة إلى أنّ المملكة البرتغالية تعتبر أطول الإمبراطوريات الاستعمارية عُمرًا في التاريخ الحديث نظرًا لبقائها ستة قرون داخل نحو 60 دولة بالجغرافية الحالية بداية من احتلال مدينة سبتة في المغرب عام 1415، إلى تسليم مدينة ماكاو الصينية عام 1999، والمثير أنّ الإمبراطورية أصبحت قوة عظمى بعد السيطرة على الخليج، ثم بدأت طور الضعف بعد هزيمتها من البلدان العربية، ليبدأ بعدها عهد السيطرة الهولندية على الخليج عبر طرق التجارة التي سقطت أخيرًا في عهد البريطانيين لتبدأ الحقبة التي انتهت بالاستعمار وتوقيع اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت البلدان العربية جغرافيًا عام 1916.

محمد أحمد مرسي

www.iraq.shafaqna.com/ انتها