نشر : January 31 ,2019 | Time : 18:26 | ID 139549 |

الإشراقات الفكرية للشهيد السيد محمد باقر الصدر

شفقنا العراق-إنَّ تربية الإنسان على وفق الأُسس السليمة التي وضعها الله تعالى له دور كبير في البناء الاجتماعي والتغيير فيه نحو الخير والصلاح والتقدم، وعلى أساس ذلك نرى أنَّ المفكر الكبير الفيلسوف السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس سره) كان جُلُّ ﭐهتمامه بالإنسان حيث يمثل القاعدة الأساسية لإصلاحِ أيِّ مجتمعٍ وإنشاءِ أيِّ فكرةٍ، فضلاً عن مستواه ومكانته وإمكاناته، فينبغي أنْ نبيِّن للإنسان حقيقة نفسه التي تكمن بين جنبيه وما تخفيه من كنوز المعرفة والقوة الخارقة التي تستطيع أنْ تتجاوز حدود الملائكة وتتفضل عليها، وبعد بيان ذلك نتحول إلى بيان الغاية من كُلِّ هذه القوة والطاقة، فإنَّ المشكلة الأساس للباحثين –بعضهم- هو التحدث عن النظريات الفكرية والفلسفية للإصلاح وتهذيب النفس والمجتمع من حيث النظرية فقط، ولا نرى لذلك تطبيقًا مطلقًا، فمثلاً يتحدث صاحب النظرية أو المدرسة الأخلاقية أو الفلسفية في موضوع يريد به الصلاح والإصلاح وهو أول الفاقدين لتلك الإمكانية العملية، فيتحدث عن الإصلاح الاجتماعي والقضاء على التمييز بين الطبقات الاجتماعية وهو أوَّل مَنْ لا يرضى بأنْ يُقْرَن بغيره، بل يريد أنْ يكون هو المُشَرِّع فقط ولا يُحاسَب أبدًا.

 وهذا ما رأيناه في بعض الفلسفات الغربية التي تَدَّعي كُلٌّ منها أنَّها هي الحل الأمثل لمشاكل الإنسان، والسبب الرئيس في ذلك أنَّ صاحب القرار أو التشريع هو الإنسـان، حيث النقص وعدم الكمال من كُلِّ الجهات، فيجعل الناس وما يحيط به مختبره العملي لأفكاره ومقترحاته، فإنْ كان من الطبقة الاجتماعية العالية فإنَّ همه الأول والأكبر في نظرياته هو المحافظة على هذه المكانة العالية، التي يملكها هو وأقرانه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء أعلن عنها أم لا، ولكنها بالنتيجة نراها تصبُّ في خدمة نفسه وطبقته، وإنْ كان من طبقةٍ ﭐجتماعيةٍ دانيةٍ فتراه يطلق النظريات بعد النظريات التي تنادي بحقوق الفقراء والمظلومين ورفعهم إلى الطبقة العالية، وتحقيق حاجاتهم ورغباتهم دون اللجوء إلى الحل الذي يقضي على ذلك الفقر، بل يريد إبدال طبقة من الناس بطبقة أناس آخرين، وهذا هو السبب الأساس في المذاهب المادية الغربية التي لم تحقق السعادة لمجتمعاتها ولن تحقق ذلك، وإنَّ عدم إمكان تطبيق تلك النظرية بكُلِّ دقائقها؛ لأنها نابعةٌ من نفسٍ تريد لنفسها أولاً ثم للآخرين، ولكنَّ النظـام الإسلامي المُشَـرَّع من قبل مَنْ لا حاجـة له، ولا فقر، ولا لذة، ولا نقص..

ونحاول أنْ تكون لنا وقفتين موجزتين لقراءة الأفكار الإصلاحية للشهيد الصدر (قدس سره).

– أولاً: الإنسان محور الإصلاح.

من هذه المنطلقات التي تقدمت كانت الرؤية الثاقبة للسيد الشهيد الصدر والانطلاقة نحو مسألة التعريف والعلاج والعمل، وللتأكيد على ذلك نحاول أنْ نذكر بعض إشراقاته التي يؤكد فيها على دور الإنسان في إصلاح نفسه، وأهمية الإنسان في التطور والوصول نحو نجاحه، وتحقيق سعادته، فيقول في إحدى تلك الإشراقات الاجتماعية: ((إنَّ مشكلة العالم التي تملأ فكر الإنسانية اليوم، وتمس واقعها بالصميم، هي مشكلة النظام الاجتماعي التي تتلخص في إعطاء أصدقِ إجابةٍ عن السؤال الآتي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية ؟

ومن الطبيعي أنْ تحتل هذه المشكلة مقامها الخطير، وأنْ تكون في تعقيدها وتنوع ألوان الاجتهاد في عملها مصدرًا للخطر على الإنسانية ذاتها؛ لأنَّ النظامَ داخلٌ في حساب الحياة الإنسانية، ومؤثر في كيانها الاجتماعي بالصميم، فهذه من الحقائق التي لا يشوبها شك؛ لأنَّ الإنسانية مرَّت بمراحل مأساوية أدت إلى الضياع الكامل للإنسان، ومكانتـه وقيمتـه الاجتماعيـة، حتى حَوَّلته بعض الأنظمة إلى أداة تتصـرف فيه ما تشاء في تحقيق رغباتها، فمن عالمنا الإسلامي ما رأيناه من تسلط القوى الاستعمارية على البلدان الإسلامية وثرواتها وطاقاتها البشرية لتذيقها ألم الحرمان والذل والهوان لتنعمَ هي بلذةِ الاستيلاءِ والقهر، وإذا ما فكرتْ تلك القوى يوماً بتركِ هذه البلدان لأهلِها فإنها تزرعُ فيها المشـاكل السرمدية التي لا تحل إلا بالرجوع إليهم لتكون النتيجة واحدة وهو التحكم بمصير الإنسان في هذه الشعوب)).

ففي قراءة أولية لهذه الإشراقات يتضح لنا مقام الإنسان وأهميته في البناء الإنساني على مَرِّ التأريخ، وهذا ما يجب علينا أنْ نعرفه، ونعرِّف به، ونعمل على أساسه؛ ليكون النجاح بارزًا في الحياة الاجتماعية، ولكن هل يمكن للإنسان المسلم الذي يبحث عن صلاح مجتمعه أنْ يعمل بكُلِّ حرية؟

وهل يمكنه أنْ يدعو إلى هذه المبادىء التي أسسها النظام الإسلامي من غير معارضة من المسلمين أنفسهم أو من غيرهم؟

وهل سيكون للحُكَّام دور تجاه هذه الدعوات أم لا؟

هذه الأسئلة وغيرها أضعها أمام المسلمين ومفكريهم ليروا ما هي الأجوبة التي يمكن قراءتها من خلال هذه الأسئلة، والواقع الذي نعيش فيه ونراه اليوم.

لقد كان الشهيد الصدر (قدس سره) يؤكد في كتاباته وخطاباته على أنَّ الإنسان لا يمكنه إيجاد نظام يحقق السعادة للإنسان والمجتمع، بل لا بد من اللجوء إلى النظام الإسلامي وقراءتها قراءة واعية؛ ليمكن من خلاله أنْ نضع السُّبُل الكفيلة بالارتقاء نحو الصلاح الفدري والاجتماعي، فيقول معقبًا على أسباب الفشل في الأنظمة الوضعية: ((إنَّ النظام الذي ينشؤه الإنسان الاجتماعي، ويؤمن بصلاحه وكفاءته، لا يمكن أنْ يكون جديرًا بتربية هذا الإنسان، وتصعيده في المجال الإنساني إلى آفاق أرحب؛ لأنَّ النظام الذي يضعه الإنسان الاجتماعي يعكس دائمًا واقع الإنسان الذي صنعه، ودرجته الروحية والنفسية، فإذا كان المجتمع يتمتع بدرجةٍ منخفضةٍ من قوةِ الإرادة وصلابتها مثلاً لم يكن ميسورًا له أنْ يربِّي إرادته وينمِّيها بإيجاد نظام ﭐجتماعي صارم يغذي الإرادة ويزيد من صلابتها، فنحن لا نترقب الصلابة من المجتمع الذائب وإنْ أدرك أضرار هذا الذوبان ومضاعفاته، ولا نأمل من المجتمع الذي تستعبده شهوة الخمرة أنْ يُحرَّرَ بإرادته مهما أحسَّ بشرور الخمرة وآثارها)).

– ثانيًا: الإنسان والدولة بين النظرية والتطبيق.

قد يسأل القارئ للسطور التي مضت حول إمكانية التطبيق لهذه النظريات الفكرية للشهيد الصدر  في المجتمع، وخصوصًا في مجتمعنا العراقي في هذه الأيام العصيبة التي نمرُّ بها، على الرغم من  وجود ثلة من تلامذته، وممن يؤمن بدعوته ويدعو إليها، والتي نحاول من خلالها التأسيس للدولة المثالية القائمة على ﭐحترام الإنسان وتكريمه، بل الدولة التي تدافع عن الإنسان لا عن السلطة والحكم، أو الدولة التي تريد أنْ تكون مثالاً إسلاميًّا يُحتذى به.

إننا ومن خلال قراءات متعددة لبعض الإشراقات الفكرية للشهيد الصدر يمكننا أنْ نقول:

1- إنَّ البناء الاجتماعي لقيام الدولة لا يمكن أنْ يقوم ويتأسس بدون أنْ يُبنى البناء الداخلي للإنسان، الذي هو محور قضية كُلِّ بناء – كما مر-، وإنَّ عدم العمل على وفق هذه الخطوات فإنَّهُ بناءٌ على جرفٍ هارٍ.

2 – إنَّ بناء الإنسان لا يمكن أنْ يكون جذريًا وبسرعةٍ، ما لم تكن الظروف المحيطة به مؤهلة لاستقبال أيِّ فكرة جديدة، تريـد تحويل ما مضى من أفكار عميقة يؤمن بها، فلا يمكننا أنْ نتحدث مع الإنسان الذي لا يملك قوت نفسه وعياله عن المبادئ الإنسانية التي يجب الاعتقاد والعمل بها والدعوة إليها، وهو لا يملك ما يُؤَمِّنُ له أدنى سبل الحياة الكريمة، نعم يمكننا أنْ نوضِّحَ له فلسفة الابتلاء والصبر والمجاهدة ولكن ليس بأفواه المُترفين الذين لا يفهمون من المبادئ إلا الألفاظ والقشور، ويريدون دومًا ولا يعطون شيئًا، ولقد رأينا أمثلة كثيرة -للأسف- من هؤلاء.

3- إنَّ مجتمعنا اليوم لا يمكنه أنْ يهضم هذه الأفكار ويؤمن بها، لا بسبب عدائه أو صدوده عن الدعوة الإسلامية، بل بسبب المخلفات والأزمات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والأمنية وغيرها التي تعرَّض لها على مدى عقود من الزمن، حتى سلبت منه روح الأمل في الحياة، ومحاولة التغيير والإصلاح للمجتمع، حيث صار يفكر بنفسه –وقد يكون معذورًا- كيف يخلصها من عبودية وذُلِّ تلك المخلفات والأزمات.

لكن في الختام أرى أنَّ ما يدعو إليه الشهيد الصدر يمكن تطبيقه؛ لأنَّ ما ينادي به هو لسان الدعوة الإسلامية في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وحاشا لله تعالى أنْ يدعو إلى شريعة طوبائية لا يمكن تطبيقها في الواقع العملي، ولكن بعد الوعي الفردي والاجتماعي العام.

إذن ما يجب أنْ نؤمن به ونعترف به صراحةً إننا أمامَ خطرٍ كبيرٍ يحيط  بالإنسان العراقي وبالتالي بالمجتمع العراقي، ويجب علينا أنْ نشخص الحالة المرضية بدقةٍ متناهيةٍ إنْ كُنا ندعي الإصلاح ونريد صلاح الإنسان والمجتمع، فنشارك الأنبياء والمرسلين في دعوتهم التي كانوا يدعون لها، فبعد ذلك التشخيص يجب علينا أنْ نسرع بالعلاج النفسي أولاً الذي يعيد للنفس الاطمئنان وروح الحياة والأمل، ومحاولة تحقيق ذلك لهم ثانياً، وليس الصعود والارتقاء عن طريق علاج جراحات الطواغيت فقط .

د . الشيخ عماد الكاظمي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————-

www.iraq.shafaqna.com/ انتها