نشر : December 4 ,2018 | Time : 12:46 | ID 134056 |

ذكرى عائلة الشيخ نصر الله الخلخالي..”الأسرة الخدومة”

خاص شفقنا العراق-يمكن القول بان مرحلة ازدهار الحوزة في القرن الراهن تعود إلى قبل نصف قرن إذ كان يتمتع الحوزويون بالحرية الاجتماعية بالرغم من الفقر والمشاكل المالية والصعوبات في عملية وصول الوجوه الشرعية من إيران وباقي المناطق الشيعية في المنطقة والعالم، غير ان عدد الطلاب والأساتذة بلغ ما يزيد على عشرة آلاف شخص وظهرت الشخصيات العلمية والوجوه الناصعة في هذه المرحلة.

دائما ما كانت مدينة النجف الاشرف وطيلة القرون المنصرمة، تعج بشخصيات لها ثقلها وتأثيرها على الساحة، ومنها فئتان الأولى هي الفئة العاملة في سوق النجف، والأخرى الفئة العاملة في القضايا المالية في الحوزة أو العاملة في المجال المصرفي في الحوزة، ومنها التجار الإيرانيون البارزون وبالتحديد من مدينة يزد الذين هاجروا إلى النجف الاشرف بغية العيش إلى جوار المرقد المطهر وإسداء الخدمة للطلاب والأساتذة وجنود إمام الزمان، مقدمين جيلا بعد جيل خدمات مهمة وواسعة النطاق في سبيل تحقيق راحة الطلاب وذلك عبر تلبية حاجات الطلاب الغذائية.

كان ذلك يتم في أغلب الأحيان عبر بيع السلع بالدين أو الدفع بالآجل ومن الملفت بأن العادة قد جرت عندهم بأن لا يطالبوا بديونهم.

كانت الشخصيات والتجار الكبار من زوار العتبات يقدمون في هذا الإطار وجوهاتهم الشرعية إلى مراجع الدين ولما كانوا يعدون إعطاء الوجوهات دينا وحقا عليهم فقد كانوا يقررون تقديم الهدايا للحوزة والحوزويين، وقد تنوعت هذه الأعمال، حتى إن بعضهم كان على علم بوجود هذه الأمكنة في السوق ومنها مكاتب حسابات علماء الدين وكانوا يتوجهون إلى تجار النجف أو ما يطلق عليهم البقال يدفعون ديون الطلاب أو الهاشميين منهم أو الفقهاء وفقا للنسب أو مقدار الهدايا.

كانت هذه العادات الحميدة من التقاليد المستدامة والبارزة في تلك الآونة وكانت تعد من الحلول المهمة في تلك الظروف التي كانت تسودها ظروف مالية صعبة.

كانت هناك فئة أخرى أو لنقل أشخاص آخرين وهم التجار وعلماء الدين البارزون ممن كان بحوزتهم إمكانيات مالية أو كانوا يتمتعون بثقة مراجع التقليد أو الحوزويين من جهة وفي صفوف التجار أو الخيريين الإيرانيين من جهة أخرى، فكانوا يقدمون خدماتهم المالية أو بعبارة أخرى يقدمون الدعم في إطار أشبه ما يكون إلى بنك للحوزة، وقد نال هؤلاء مكانة مهمة في هذا المجال.

دخلت هذا المجال شخصيات في المرحلة الأخيرة والقرن الفائت منها حجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي قدمت خدمات جليلة وواسعة النطاق للحوزة والحوزويين.

كانت خدمات الراحل الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي معروفة للجميع وذائعة الصيت، وكانت دائرة أنشطته واسعة النطاق قلما كان لها مثيل بل لا مثيل لها، ومن هنا يمكننا الاعتراف بأنه لا شخصية في القرن الفائت وفي ظل ظروف العراق الصعبة قد قدمت مثل تلك الخدمات الجليلة في مختلف المجالات دون أن يخاف الحكومة العراقية، كما أنه حظى بثقة المراجع والحوزة والجالية الإيرانية وثقة أهالي النجف بل شيعة العراق بشكل عام وبلغ الذروة في تحقيق النجاح وإسداء الخدمات، ولعظمة ما قام به فإن الجيل الجديد سيعتبر تلك الإنجازات ضربا من ضروب الخيال إذا ما سمع إليها.

هاجر الشيخ “حسن” والد الحاج الشيخ “نصر الله ابن حسن ابن علي رشتي ماسوله اي” قبل ما يقارب قرن ونصف القرن إلى النجف الاشرف حبا للحياة بجوار مرقد أمير المؤمنين، ولما كانت هذه الأسرة تمتهن مهنة بيع الأرز في مدينتها، أصبح الشيخ حسن محاسبا لتاجر يدعى الشيخ أحمد الخلخالي في النجف الاشرف تلقب بــ “الخلخالي” منذ ذلك الحين.

ولد الشيخ نصر الله في مدينة النجف الأشرف سنة 1316 للهجرة النور، ولما انتشرت الكوليرا في العراق قررت أسرته الهجرة إلى إيران فاستوطنت في مدينة قم.

وبعدما أكمل نصر الله المرحلة الابتدائية دخل حوزة قم ونال شرف الحضور في درس الراحل آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس حوزة قم العلمية، وبنى علاقات أسرية تسودها الحميمية بالإمام الخميني منذ ريعان شبابه حتى إن ابنه محمد الذي تخرج من كلية الطب فيما بعد وسار على درب الوالد، يعد أخا بالرضاعة لزوجة الراحل آية الله إشراقي.

اتجه الحاج الشيخ نصر الله الشهير بالخلخالي إلى النجف الاشرف ثانية لمواصلة الدراسات الحوزوية فاستمر حتى تمكن من المشاركة في درس الراحل ميرزا النائيني.

إن التمكن المالي للشيخ من جهة ومكانته والثقة التي كان يحظى بها بين الكبار والمراجع آنذاك في النجف الأشرف جعلت منه محل ثقة مراجع الدين فحصل على الوكالة المطلقة من آية الله العظمى البروجردي والسيد أحمد الخوانساري والسيد الخويي والإمام الخميني وآخرين من مراجع التقليد آنذاك مما شكل منطلقا للبدء بأنشطة واسعة النطاق.

وعندما كان يتقلد منصب ممثل والوكيل المطلق لآية الله البروجردي في العراق، بادر الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي بإنشاء مدرستي آية الله البروجردي بأمر منه سميت بالصغرى والكبرى في النجف الاشرف وبناء مدرسة في كربلاء وحسينية وحمام آية الله البروجردي في سامراء وقدم خدمات واسعة النطاق إلى الحوزة والشيعة حتى عام 1991 عندما تم تدمير أغلب تلك المراكز بالكامل بأمر من صدام حسين.

قام الراحل بإعادة بناء مدرستي الآخوند باسم الكبرى والصغرى في النجف الأشرف، كما تولى مهمة بناء مدارس أخرى للحوزة منها مدرسة قوام، وأنشأ مدرسة البهبهاني في النجف وأعاد بناء مدرسة صدر أعظم أصفهاني في سوق النجف الكبير وعشرات الموقوفات الأخرى.

كما بادر منذ عام 1985 بإنشاء شبكة مصرفية قوية وفي ظل تلك الظروف السياسية الخاصة السائدة على العراق، قام بإدارة التسهيلات الكثيرة لنقل ملايين الدنانير وعملات الدول الأخرى منها إيران والخليج والهند وباكستان والدول الأخرى التي كانت تنقل إلى النجف الاشرف، وفي كل تلك العمليات المالية والمصرفية لم يرتكب أي مخالفة أبدا ولم يبدي أي عمل مخالف للشرع ولم يقدم أحد شكوى ضده.

جدير بالذكر بأن تلك الشبكة الواسعة النطاق لنقل الأموال وخاصة من إيران، استمرت لسنوات وبعدما هاجر الراحل الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي إلى سورية خوفا من الحكومة البعثية في العراق، استمرت الأنشطة بانتظام على يد ابنه الحاج علي الخلخالي والراحل السيد حسن مدني وهو والد زوجة الحاج علي وشقيق الراحل آية الله الحاج السيد أسد الله مدني، وكانت الملايين من الدنانير والعملات الأخرى تنقل بشكل نقدي أو حوالات بنكية دون ارتكاب أي مخالفة وبحفظ الأمانة، والأهم من ذلك عبر المحافظة على أسماء الأشخاص وعدم البوج بأسرار أي عملية نقل أموال الناس حتى سنوات بعد انتصار الثورة في إيران.

ومن الخدمات الأخرى التي قدمها الراحل هي بناء ما يزيد على 80 مدرسة وحسينية وبيوت وقفية وما ماثلها من الأموال العامة والموقوفات باسمه، وفضلا عن هذا فقد سجل باسمه ما يزيد على 180 بيت يملكها الإيرانيون من الحوزويين ومن الجنسيات الأخرى التي لم يحق لها التمليك وفقا للدستور العراقي، وجدير بالذكر بأن الراحل كان من الإيرانيين القلائل الذين امتلكوا الجنسية العراقية وجواز سفر عراقي مما سمح له بأن يسجل العديد من العقارات باسمه.

وبعدما أصدر صدام حسين قانون مصادرة أموال الأجانب وتم ذلك فعلا فصودرت أموال وعقارات عديدة كان يملكها أبناء الجالية الإيرانية إلا عقارات الحاج نصر الله بن حسن بن علي الخلخالي وهي الوحيدة التي استثناها مجلس قيادة الثورة من المصادرة.

يعود السبب إلى ان الراحل الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي كان قد هرب إلى سوريا وكان ابنه الدكتور محمد الخلخالي وهو خريج كلية الطب فرع جراحة العظام من جامعة العين في القاهرة قدم شكوى ضد الحكومة العراقية فوقف بوجه الحكومة البعثية عبر محاميين أقوياء مدعيا بأن العقارات كلها تعود إلى آباءه، حتى أنه تحمل السجن لعدة أشهر حتى صدور الحكم لصالحه، وبهذا حافظ على كل عقارات وموقوفات كانت مسجلة باسم والده.

كان الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي قد تحول إلى أحد الأثرياء المتنفذين في العراق وكان يتمتع بمكانة خاصة في صفوف علماء الدين والحوزة لكنه لم يتجاوز حدوده وطيلة أيام نشاطه كلها لم يشهد أحد بأنه ارتكب مخالفة مالية أو دافع عن عقيدة منحرفة أو مذهب منحرف، كما لم يتخذ موقفا بوجه المرجعية أو ما شابهها من أعمال.

وكان لبيته مكانة وأهمية فقد زاره آية الله السيد محمد محقق داماد كما زاره الراحل آية الله العظمى الحاج سيد احمد الخوانساري في زيارتين قام بهما إلى النجف الاشرف.

ولثقة الناس به ولمكانته السامية كانت كل الأبواب الذهبية للعتبات المقدسة العراقية وكذلك السجادات والثريا التي كان يرسلها الخيرون من إيران والبلدان الأخرى إلى العتبات المقدسة العراقية، تصل إلى هناك عبر الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي وكان اسمه مكتوبا عليها كلها.

لا يخفى عن الخبراء بانه طيلة فترة الحصار الأمريكي على العراق وفي ظل تلك الظروف الصعبة التي واجهها الشعب العراقي وعندما لم تسمح الولايات المتحدة بتصدير النفط سوى مقابل الغذاء؛ كان آية الله العظمى السيستاني منح الدكتور محمد الخلخالي الملايين من الدنانير العراقية وتكفل بدفع تكاليف الأدوية وعلاج الفقراء في النجف وكربلاء والمدن الأخرى وقدم الدكتور محمد الخلخالي مساعدات جليلة وخفف من ثقل المشاكل الملقاة على عاتق العراقيين عبر منحهم تكاليف العلاج وزيارة الطبيب والصيدلية التي كانت تتم كل تلك الأعمال بعيدا عن أعين الناس وكانت تلك الأعمال تعد أعمال متهورة في ظل الحكومة البعثية التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة.

إن الإخلاص في خدمة الناس والتضحية والشعور بالمسئولية في أنفس هذه الأسرة جعلها تقدم خدمات جليلة، والشعور نفسه جرى في دماء الراحل الحاج علي الخلخالي والدكتور محمد الخلخالي وأتى بثماره، وبقيت كل المدارس والحسينيات والموقوفات والبيوت الشخصية التي سجلت باسم الراحل الحاج الشيخ نصر الله بعد مرور ثمانية عقود من خدمة هذه الأسرة للحوزة الشيعية وتراثها الخالد، كما هي، وبعد وفاته عام 1398 للهجرة في دمشق وصلت أمواله إلى ولديه وقد رجعت إلى أصحابه الرئيسيين دون أي تصرف وكما كانت عليه.

وفي هذا الإطار دفعت الأسرة مبالغ طائلة كضرائب من أموالها الشخصية حتى تعود تلك الأموال العامة والخاصة إلى أصحابها.

ان هذه الأسرة وعبر ما قامت به من أعمال جليلة وشرعية وقانونية أصبح كلامها موثقا به ومؤيدا عند الكبار والمراجع والشخصيات الشيعية الكبيرة.

بعدما هاجر الشيخ نصر الله الخلخالي إلى سورية لم يترك أنشطته هناك فقام بشراء كل العقارات والبيوت والمتاجر المحيطة بمرقد السيدة رقية المطهر وقام بتوسعة الحرم إذ يواجه في يومنا هذا زوار الحرم مدخلا واسع النطاق للحرم.

كما قام بمساعدة الخيريين الإيرانيين بتوسعة حرم السيدة زينب عليها السلام المطهر وأنشأ قبة كبيرة لهذه السيدة الجليلة والعظيمة في كربلاء التي خلقت الملحمة وحملت رسالة كربلاء إلى العالم.

رحل عن دنيانا في التاسع والعشرين من ربيع الأول عام 1398 هذا الرحل العظيم تاركا وراءه كتابا ضخما من الخدمات الجليلة للحوزة والشيعة والتراث الشيعي وقد حملوا جثمانه إلى الروضة الحيدرية كالغرباء ودفن إلى جانب قبر آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني وفي الغرفة المجاورة له.

بعدها وقبل عامين انتقل إلى رحمة الله ابنه الجليل الراحل الحاج علي الخلخالي تاركا وراءه خدمات جليلة إذ عاش ظروفا صعبة، واليوم في 16 أكتوبر المصادف يوم استشهاد الامام الحسن العسكري أي الثامن من ربيع الأول عام 1440 رحل الدكتور محمد الخلخالي بعد معاناة مع المرض الخبيث في النجف الاشرف.

ان الابن الثالث من هذه الأسرة الجليلة وهو الدكتور حسين الخلخالي أستاذ جامعة دمشق في فرع الاقتصاد ويتولى في يومنا هذا مسئولية الحفاظ على تراث أبيه ويقوم بالواجب الذي تميليه عليه رسالته.

الدكتور هادي الأنصاري

www.iraq.shafaqna.com/ انتها